البحرُ وتموّجات المعنى

صورة الكاتب
بقلم: طلال الغوار
التاريخ: 23 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3225
البحرُ وتموّجات المعنى

 

امرأةٌ تعرّفتُ عليها في المطعم المطلّ على البحر، قالت إنّها تحبُّ الشعرَ بعد أنْ عرفتني شاعراً، فأهديتها أحدَ دواويني الذي كنت أحمله في حقيبتي، وأصرّت أنْ أكتبَ اسمي وأترك توقيعي عليه. أخذته وهي فرحة حتّى خلتُ الكتابَ يرقص فرحاً بين أصابعها، تصفّحته وتوقّفت قليلاً عند بعض صفحاته، ورفعتْ رأسها لتشرق ابتسامتها في وجهي، شكرتني وقالت: “سأقرأه بمحبة”.

ولمّا نزلنا إلى شاطئ البحر أنا وصديقي ونحن ننقلُ الخطى الوئيدة على الرمل الحار، رأيتُ المرأةَ نفسها تجلسُ على رمل الشاطئ وبين يديها ديواني وهي تقرأُ قصائدي لأمواج البحر.

حين وضعتُ قدمي بماء البحر، أخذني اتّساعه بعيداً، وكأني أكتشف لأوّل مرّةٍ فرحاً غامضاً تغمرني به زرقته اللامتناهية. تقدّمتُ بخطواتي نحو العمق وصديقي يتبعني متردّداً حتّى غمرنا الماءُ إلى حدِّ العنق، فوجدتني أستحضر ذلك الصبيّ وهو يعوم مع أصحابه في نهر دجلة، ويتفنّن في طريقة السباحة حتَّى يصل إلى الضفة الثانية للنهر. لكنَّ الإحساس هنا مختلف؛ فالنهر كان يتأنسن وتتأنسن معه الشطآن والحصى والصخور وأشجار الطَرفة والصفصاف على ضفافه، كان بيني وبينها حوار ولغة مشتركة، ليس كما البحر الذي أراه الآن وهو في امتداده الغامض واتّساعه المهيب.

*

أيّها البحرُ، ليتك تخبرني عن أيِّ حقيقةٍ تخفيها في هذا الامتداد، أيّها الغامضُ في تموّجات المعنى.

*

أنا وصديقي نستعيدُ حركاتِ السباحة، فننمضي نحو العمق بضعة أمتار ثمَّ نعود متعبين، نتوقّف قليلاً كي نستعيدَ أنفاسنا حتَى صارت الشمسُ عموديةً، فيما البحر يستفزني بالذكرى مرّةً أخرى. شمسي تركتها هناك بعيداً ومنذ ستين عاماً، بين يدي بيتنا الطيني المطلّ على النهر، وكأني تركت شيئاً من روحي هناك، لكنّ صوتَ طائر النورس أخرجني من قبضة الذكرى وهو يمرُّ فوقنا. قلتُ لصديقي: “انظر إلى هذا الطائر، إنّه يحمل البحر بين جناحيه ويمضي بعيداً”، قال ضاحكاً: “أنتم الشعراء ترون أشياءَ لم نرَها نحن”.

جلستُ على رمل الشاطئ وتركتُ صديقي منشغلاً بمشاهداته، فوجدتني بكلِّ هدوء أتصفّح موجاتِ البحر مأخوذاً بهاجس التقصّي وكأنّي سمعت البحرَ يقول:

“إن لم تقرأْ أعماقي فلن تصلَ إلى نفسك، وإن لم تتأمّل سعتي لن تعرف للحريّة معنى”.

*

المرأةُ التي أهديتها ديواني، وجدتها تجلسُ إلى جانبي على رمل الشاطئ وقد ألقتْ بقدميها في الماء.

قالت: “كنتُ أقرأُ قصائدكَ على موسيقى تعزفها أمواجُ البحر، فشعرتُ كما لو أنَّ الأمواجَ تتلاطم في أعماقي، لكنّ موجةً خرجتْ من إحدى قصائدكَ وجرفتني إليكَ الآن. أيَّ نافذةٍ على المجهول فتحتْ لي قصائدُك! كنت أبحث عن نفسي في قراءتها”.

*

عند الضفاف استوقفتني موجةٌ هاربة من قبضة البحر وأثارت بي سؤالاً: لماذا تغذُّ شوقها لتلقي بنفسها مثل آهة تتلاشى في حضن الرمل؟

رملُ الشاطئ يصغي صامتاً، فيما الموجة التي تداهمه بين الحين والآخر هي من تقرأ ما يخفيه هذا الصمت؛ هكذا تقرأُ الطبيعةُ نفسها.

لأمواج البحر تاريخٌ طويلٌ من البكاء بين يدي الشاطئ، الموجةُ رسالة البحر إلى ضفافه.

*

نهضتُ وناديتُ صديقي وسرنا عائدين بمحاذاة الأسرّة المرصوفة على الشاطئ وفوقها المظلّات الملوّنة، حيث يستلقي عليها الكثير ممن انتهوا من السباحة في البحر للراحة. قال صديقي باستغراب:

“ألا ترى أنَّ المستلقين على هذه الأسرّة أغلبُهم من النساء؟! الشاطئ يعجُّ برائحة الأنوثة، وللأنوثة شميمٌ مثير”.

*

امرأةٌ في الأربعين، تلقي بجسدها الممتلئ على الرمل، إنّها تتلذّذُ بحرارته، وهي تعرضُ مفاتنها للبحر وتغري الموجَ بأنوثتها. أغانٍ تتموّج في تضاريس جسدها البض، لكنْ لا يسمعها أحدٌ غير البحر.

*

حينما تتسلّق الأمواج قلاعَ أنوثتها، تغدو للروح وللجسد لغةٌ واحدةٌ؛ هكذا كان البحر يرى في ساقيها وسادةً، يلقي برأسه عليها حالمًا بالضفاف البعيدة.

*

اسألي البحر لماذا انتابه الغضب، فأرسل موجةً عاتيةً، حينما رأى جسدَكِ يتحاور مع رمل الشاطئ.

*

عدنا إلى المطعم المطلّ على البحر لتناول الغداء، كان سمكاً مشوياً، وأمامنا البحر المتناهي بزرقته الهادئة، مسالماً ومتصالحاً مع ضفافه، فيما الرياح الخفيفة تترك رقصتها الهادئة في موجاتٍ تتسابقُ نحوها، فتنبجسُ منها الموسيقى التي هي كلمات البحر.

وفي غفلةٍ من صديقي أخذني البحرُ وسرتُ في مخيلّتي على ساحله وكأنّي أقرأُ تاريخه بدءاً من طرطوس حتّى وصلتُ إلى بيروت وواصلتُ سيري، هذه عكّا ثم حيفا، كان الساحل السليب يمتدُّ بي حذراً. نظرت إلى الأعلى، كانت الغيوم مثقلة بالوجوم تمرُّ من فوقنا وكأنها تمطرُ أسئلةً لا أجوبة لها.

*

وأنا أستمتع بامتداده هذه الزرقة، تذكّرتُ ما كنت أقرأه عن أولئك الذين يمشون فوق الماء من أجل الوصول إلى الله، فامتلكتني رؤيةُ المتصوّف، وكأنّي أتوحّدُ مع هذا الاتّساع، فخلتُ نفسي ماشياً على الماء لعلّي أصل إلى المطلق.

*

هنا عند البحر، تجدُ للمدى صلةً معك وهيبة، فتكتشفُ أنَّ أبواباً كثيرةً لهذا الامتداد لا يستطيعُ أحدٌ أنْ يكسر أقفالها، إلا إذا ما آخيتَ روحك معه وأنتَ تعرف كيف تقيم للحبِّ عروشاً في أعماقك لا يقتحمها أحدٌ سواك.

*

أتأمّل موجةً قادمة من العمق لتحتضن الشاطئ، فأحسُّ وكأن الحبَّ سحرٌ يوقظ الحياة فتشرع أبوابها لتحضن البهاء، حينها تمتزج ذكرى من أحبّ مع النشوة التي تولدها رقصة هذه الموجة.

*

مدى أزرق يمتدُّ حتّى يمسك بأطراف السماء المنحنية، فتشعرُ وكأنَّ العالمَ ليس إلّا روحاً هائمةً على زرقة هذا السطح الفسيح.

*

الموجاتُ تطلقُ غناءها الأزرق

قبل أنْ تنتحرَ في صخور الشاطئ

*

حينما أرى البحرَ واسعاً

يبدو لي كلُّ شيءٍ قريباً

أرى سفناً من بعيد

تحملُ تعبَ المسافاتِ الطويلة

*

البحرُ يثيرُ الحيرةَ فيك ويوقظ كثيراً من التساؤلات الوجودية، فيقفز في ذاكرتي بيت من الشعر:

(وتزعمُ أنّك جِرْمٌ صغيرٌ … وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ)

لا قيمة لهذا الوجود أو معنى بغير وجود هذا الإنسان، هذا (الإنسان – العالم). الثقافةُ التي لا ترتكزُ على هذا المعنى تغدو عدوّاً للإنسان، فهو محور الكون وأرقى مخلوقاته، لكنّنا نراه اليوم في أغلب بلدان العالم، كيف يُفجَّر هذا الإنسان وتتناثر أجزاؤه، يُقطع رأسه بدم بارد وتُفقأ عينه، ويُداس رأسه بالبسطال، مهجّرٌ ومشرّد، وكأنَّ الأمرَ طبيعيٌّ كما لو أنّك تقتلع نبتةً أو تحطّم حجرًا.

*

غادرنا البحرَ وفي طريقنا إلى الفندق كانت الأشجارُ ترافقنا بمسرّتها وغنائها الأخضر المتواصل. وحين بدأ الوقتُ يقتربُ من المغيب، وأخذ الغناء يتلاشى شيئاً فشيئاً، أحسستُ وكأنّي محمَّلٌ بثقل الأسئلة التي أودعها البحرُ في رأسي، والتي أخشى أنْ تتحوّل إلى جراح.

عن الکاتب / الکاتبة

طلال الغوار
طلال الغوار
شاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

اتکئ علی وردة

اتکئ علی وردة

هكذا أعيشُ الحياة بمفارقاتها الكثيرة حيناً أراها أغنيةً خضراء في طريقٍ طويل لهذا كلمّا أرى…

صورة الكاتب طلال الغوار
11 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
“قصيدة في قطار”

“قصيدة في قطار”

  قصيدة في قطار   أحياناً تأخذني القصيدةُ  شعر بعيداً كما لو أنّي  في   قطار…

صورة الكاتب طلال الغوار
25 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


البحرُ وتموّجات المعنى

بقلم: طلال الغوار | التاريخ: 23 سبتمبر 2026

التصنيف: الشعر والنصوص الادبیة

 

امرأةٌ تعرّفتُ عليها في المطعم المطلّ على البحر، قالت إنّها تحبُّ الشعرَ بعد أنْ عرفتني شاعراً، فأهديتها أحدَ دواويني الذي كنت أحمله في حقيبتي، وأصرّت أنْ أكتبَ اسمي وأترك توقيعي عليه. أخذته وهي فرحة حتّى خلتُ الكتابَ يرقص فرحاً بين أصابعها، تصفّحته وتوقّفت قليلاً عند بعض صفحاته، ورفعتْ رأسها لتشرق ابتسامتها في وجهي، شكرتني وقالت: “سأقرأه بمحبة”.

ولمّا نزلنا إلى شاطئ البحر أنا وصديقي ونحن ننقلُ الخطى الوئيدة على الرمل الحار، رأيتُ المرأةَ نفسها تجلسُ على رمل الشاطئ وبين يديها ديواني وهي تقرأُ قصائدي لأمواج البحر.

حين وضعتُ قدمي بماء البحر، أخذني اتّساعه بعيداً، وكأني أكتشف لأوّل مرّةٍ فرحاً غامضاً تغمرني به زرقته اللامتناهية. تقدّمتُ بخطواتي نحو العمق وصديقي يتبعني متردّداً حتّى غمرنا الماءُ إلى حدِّ العنق، فوجدتني أستحضر ذلك الصبيّ وهو يعوم مع أصحابه في نهر دجلة، ويتفنّن في طريقة السباحة حتَّى يصل إلى الضفة الثانية للنهر. لكنَّ الإحساس هنا مختلف؛ فالنهر كان يتأنسن وتتأنسن معه الشطآن والحصى والصخور وأشجار الطَرفة والصفصاف على ضفافه، كان بيني وبينها حوار ولغة مشتركة، ليس كما البحر الذي أراه الآن وهو في امتداده الغامض واتّساعه المهيب.

*

أيّها البحرُ، ليتك تخبرني عن أيِّ حقيقةٍ تخفيها في هذا الامتداد، أيّها الغامضُ في تموّجات المعنى.

*

أنا وصديقي نستعيدُ حركاتِ السباحة، فننمضي نحو العمق بضعة أمتار ثمَّ نعود متعبين، نتوقّف قليلاً كي نستعيدَ أنفاسنا حتَى صارت الشمسُ عموديةً، فيما البحر يستفزني بالذكرى مرّةً أخرى. شمسي تركتها هناك بعيداً ومنذ ستين عاماً، بين يدي بيتنا الطيني المطلّ على النهر، وكأني تركت شيئاً من روحي هناك، لكنّ صوتَ طائر النورس أخرجني من قبضة الذكرى وهو يمرُّ فوقنا. قلتُ لصديقي: “انظر إلى هذا الطائر، إنّه يحمل البحر بين جناحيه ويمضي بعيداً”، قال ضاحكاً: “أنتم الشعراء ترون أشياءَ لم نرَها نحن”.

جلستُ على رمل الشاطئ وتركتُ صديقي منشغلاً بمشاهداته، فوجدتني بكلِّ هدوء أتصفّح موجاتِ البحر مأخوذاً بهاجس التقصّي وكأنّي سمعت البحرَ يقول:

“إن لم تقرأْ أعماقي فلن تصلَ إلى نفسك، وإن لم تتأمّل سعتي لن تعرف للحريّة معنى”.

*

المرأةُ التي أهديتها ديواني، وجدتها تجلسُ إلى جانبي على رمل الشاطئ وقد ألقتْ بقدميها في الماء.

قالت: “كنتُ أقرأُ قصائدكَ على موسيقى تعزفها أمواجُ البحر، فشعرتُ كما لو أنَّ الأمواجَ تتلاطم في أعماقي، لكنّ موجةً خرجتْ من إحدى قصائدكَ وجرفتني إليكَ الآن. أيَّ نافذةٍ على المجهول فتحتْ لي قصائدُك! كنت أبحث عن نفسي في قراءتها”.

*

عند الضفاف استوقفتني موجةٌ هاربة من قبضة البحر وأثارت بي سؤالاً: لماذا تغذُّ شوقها لتلقي بنفسها مثل آهة تتلاشى في حضن الرمل؟

رملُ الشاطئ يصغي صامتاً، فيما الموجة التي تداهمه بين الحين والآخر هي من تقرأ ما يخفيه هذا الصمت؛ هكذا تقرأُ الطبيعةُ نفسها.

لأمواج البحر تاريخٌ طويلٌ من البكاء بين يدي الشاطئ، الموجةُ رسالة البحر إلى ضفافه.

*

نهضتُ وناديتُ صديقي وسرنا عائدين بمحاذاة الأسرّة المرصوفة على الشاطئ وفوقها المظلّات الملوّنة، حيث يستلقي عليها الكثير ممن انتهوا من السباحة في البحر للراحة. قال صديقي باستغراب:

“ألا ترى أنَّ المستلقين على هذه الأسرّة أغلبُهم من النساء؟! الشاطئ يعجُّ برائحة الأنوثة، وللأنوثة شميمٌ مثير”.

*

امرأةٌ في الأربعين، تلقي بجسدها الممتلئ على الرمل، إنّها تتلذّذُ بحرارته، وهي تعرضُ مفاتنها للبحر وتغري الموجَ بأنوثتها. أغانٍ تتموّج في تضاريس جسدها البض، لكنْ لا يسمعها أحدٌ غير البحر.

*

حينما تتسلّق الأمواج قلاعَ أنوثتها، تغدو للروح وللجسد لغةٌ واحدةٌ؛ هكذا كان البحر يرى في ساقيها وسادةً، يلقي برأسه عليها حالمًا بالضفاف البعيدة.

*

اسألي البحر لماذا انتابه الغضب، فأرسل موجةً عاتيةً، حينما رأى جسدَكِ يتحاور مع رمل الشاطئ.

*

عدنا إلى المطعم المطلّ على البحر لتناول الغداء، كان سمكاً مشوياً، وأمامنا البحر المتناهي بزرقته الهادئة، مسالماً ومتصالحاً مع ضفافه، فيما الرياح الخفيفة تترك رقصتها الهادئة في موجاتٍ تتسابقُ نحوها، فتنبجسُ منها الموسيقى التي هي كلمات البحر.

وفي غفلةٍ من صديقي أخذني البحرُ وسرتُ في مخيلّتي على ساحله وكأنّي أقرأُ تاريخه بدءاً من طرطوس حتّى وصلتُ إلى بيروت وواصلتُ سيري، هذه عكّا ثم حيفا، كان الساحل السليب يمتدُّ بي حذراً. نظرت إلى الأعلى، كانت الغيوم مثقلة بالوجوم تمرُّ من فوقنا وكأنها تمطرُ أسئلةً لا أجوبة لها.

*

وأنا أستمتع بامتداده هذه الزرقة، تذكّرتُ ما كنت أقرأه عن أولئك الذين يمشون فوق الماء من أجل الوصول إلى الله، فامتلكتني رؤيةُ المتصوّف، وكأنّي أتوحّدُ مع هذا الاتّساع، فخلتُ نفسي ماشياً على الماء لعلّي أصل إلى المطلق.

*

هنا عند البحر، تجدُ للمدى صلةً معك وهيبة، فتكتشفُ أنَّ أبواباً كثيرةً لهذا الامتداد لا يستطيعُ أحدٌ أنْ يكسر أقفالها، إلا إذا ما آخيتَ روحك معه وأنتَ تعرف كيف تقيم للحبِّ عروشاً في أعماقك لا يقتحمها أحدٌ سواك.

*

أتأمّل موجةً قادمة من العمق لتحتضن الشاطئ، فأحسُّ وكأن الحبَّ سحرٌ يوقظ الحياة فتشرع أبوابها لتحضن البهاء، حينها تمتزج ذكرى من أحبّ مع النشوة التي تولدها رقصة هذه الموجة.

*

مدى أزرق يمتدُّ حتّى يمسك بأطراف السماء المنحنية، فتشعرُ وكأنَّ العالمَ ليس إلّا روحاً هائمةً على زرقة هذا السطح الفسيح.

*

الموجاتُ تطلقُ غناءها الأزرق

قبل أنْ تنتحرَ في صخور الشاطئ

*

حينما أرى البحرَ واسعاً

يبدو لي كلُّ شيءٍ قريباً

أرى سفناً من بعيد

تحملُ تعبَ المسافاتِ الطويلة

*

البحرُ يثيرُ الحيرةَ فيك ويوقظ كثيراً من التساؤلات الوجودية، فيقفز في ذاكرتي بيت من الشعر:

(وتزعمُ أنّك جِرْمٌ صغيرٌ … وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ)

لا قيمة لهذا الوجود أو معنى بغير وجود هذا الإنسان، هذا (الإنسان – العالم). الثقافةُ التي لا ترتكزُ على هذا المعنى تغدو عدوّاً للإنسان، فهو محور الكون وأرقى مخلوقاته، لكنّنا نراه اليوم في أغلب بلدان العالم، كيف يُفجَّر هذا الإنسان وتتناثر أجزاؤه، يُقطع رأسه بدم بارد وتُفقأ عينه، ويُداس رأسه بالبسطال، مهجّرٌ ومشرّد، وكأنَّ الأمرَ طبيعيٌّ كما لو أنّك تقتلع نبتةً أو تحطّم حجرًا.

*

غادرنا البحرَ وفي طريقنا إلى الفندق كانت الأشجارُ ترافقنا بمسرّتها وغنائها الأخضر المتواصل. وحين بدأ الوقتُ يقتربُ من المغيب، وأخذ الغناء يتلاشى شيئاً فشيئاً، أحسستُ وكأنّي محمَّلٌ بثقل الأسئلة التي أودعها البحرُ في رأسي، والتي أخشى أنْ تتحوّل إلى جراح.