“بين رُكامِ الدُّمى وكفنِ البراءة”

صورة الكاتب
بقلم: سوسن يحيى قاسم
التاريخ: 16 مايو 2026 عدد المشاهدات: 1450
“بين رُكامِ الدُّمى وكفنِ البراءة”

بين رُكامِ الدُّمى وكفنِ البراءة

أنا طفلةٌ
ما يزالُ طبشور الضوء
ينزفُ من بين أناملي،
ليرسم وجه برائتي
فبأيِّ حقٍّ تُقيِّدون معصمي بسلاسلِ العتمة؟
كنتُ أترقّبُ المساءَ وهو ينسابُ على ضفائري
بأصابعِ نسائم تُعلّقها أمي على مشجبِ الحنين،
لا بظلٍّ ثقيلٍ يهبطُ على صدرِ أبي
فيُلقّنني أولَ دروسِ الرهبة.
أنا طفلةٌ
أعدُّ نجومي في راحةِ ليلٍ مُرهق،
وأخبّئ دميتي تحت وسادتي
كأنني أستودعُ قلبي في صندوقِ سرٍّ مبلّلٍ بالغياب،
وأحلمُ بثوبٍ ورديٍّ فسيحٍ كغيمة،
ينفتح في الهواء كمعنى مُتفلّتٍ من الطفولة،
لا بكفنٍ أبيض يشبهُ انطفاءَ الضوء قبل اكتماله.
اقتلعوا من مواسمِي
عدوَ الحقول حين كانت تمرّ بي بلا أسوار،
ورائحةَ الدفاتر حين كانت تكتبني قصيدة قبل أن أكتبها ،
وصوتَ القبيلة حين كان يهتف باسمي
كأنني وعدٌ لم يكتمل سقوطه.
قالوا….كبرتِ…
وأيُّ كائنٍ يكبرُ
وفي داخله طفلٌ ما تعلّم مغادرةَ ظلال أبويه ؟
وأيُّ اسمٍ يُمنحُ لي
وقلبي لا يزالُ مهدًا لدميةٍ ترتجفُ عند غياب القمر؟
أجلسوني على سريرٍ
أثقلَ من تابوتٍ مفتوحٍ ،
وأوسعَ من حدقاتِ الظلام،
وأغلقوا الأبواب كأنها ختامُ العالم،
وتركوني أتنقّل بين عظامِ الأثاث
أتعلمُ هندسةَ الوحدة حين تتجسّد غرفةً.
أنا لستُ عروسًا،
أنا أثرُ وردةٍ دُهست مرارًا حتى تعلّمت الصمت،
طفلةٌ أُلبست قسرًا قناعًا لا يشبهها،
تبدو امرأةً من الخارج
وفي داخلها يتهجّى بكاءه الأول كطفلٍ أصم،، أعمى .
يا أيّها المارّون على صمتي،
حين تعبرون طفلةً رُفضتُ لها طقوسُ البياض،
لا تذبحوا صوتي
فبعضُ البياض ليس عُرسًا
بل انهيارُ عتيقٍ موؤد اللون
ينزلقُ من قبابِ الزمن المتكلّس.
إنه جُرحٌ يتغذّى على الملح،
يتلوى في طقوسِ الانطفاء،
ثم ينسحبُ إلى أعماقِ الأعراف
ككائنٍ لم يكتمل خروجه من العتمة…
ولا عودةَ له إلا إلى صمتٍ أقدم من ذاكرة الأعراف المعزومة.

عن الکاتب / الکاتبة

سوسن يحيى قاسم
سوسن يحيى قاسم
شاعرة / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“الفراشاتُ”

“الفراشاتُ”

“الفراشاتُ”   ماعادت الفراشاتُ تثقُ حتى بالازهارِ.. أراها تحّطُ على جدارِ داري تأتمنُ به وبكتمانه…

صورة الكاتب سوسن يحيى قاسم
11 مايو 2026
اقرأ المزيد
“ومضات لروح أمي”

“ومضات لروح أمي”

ومضات لروح أمي   أَيّامٌ تَعِبُثُ بِالشَّعْرِ بسويعات تَسْخَرُ مِنَ اللُّغَةِ عَامِيٌّ بِدُونِكَ ذَبُلَ النَّدَى…

صورة الكاتب سوسن يحيى قاسم
4 مايو 2026
اقرأ المزيد
«ندوبٌ في دفاتر الرحيل»

«ندوبٌ في دفاتر الرحيل»

ندوبٌ في دفاتر الرحيل   وإذا الدروبُ تَشعَّبتْ في خُطو الفراقِ وغابَ الرجاءُ بلا لقاءٍ…

صورة الكاتب سوسن يحيى قاسم
30 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“بين رُكامِ الدُّمى وكفنِ البراءة”

بقلم: سوسن يحيى قاسم | التاريخ: 16 مايو 2026

التصنيف: الشعر

بين رُكامِ الدُّمى وكفنِ البراءة

أنا طفلةٌ
ما يزالُ طبشور الضوء
ينزفُ من بين أناملي،
ليرسم وجه برائتي
فبأيِّ حقٍّ تُقيِّدون معصمي بسلاسلِ العتمة؟
كنتُ أترقّبُ المساءَ وهو ينسابُ على ضفائري
بأصابعِ نسائم تُعلّقها أمي على مشجبِ الحنين،
لا بظلٍّ ثقيلٍ يهبطُ على صدرِ أبي
فيُلقّنني أولَ دروسِ الرهبة.
أنا طفلةٌ
أعدُّ نجومي في راحةِ ليلٍ مُرهق،
وأخبّئ دميتي تحت وسادتي
كأنني أستودعُ قلبي في صندوقِ سرٍّ مبلّلٍ بالغياب،
وأحلمُ بثوبٍ ورديٍّ فسيحٍ كغيمة،
ينفتح في الهواء كمعنى مُتفلّتٍ من الطفولة،
لا بكفنٍ أبيض يشبهُ انطفاءَ الضوء قبل اكتماله.
اقتلعوا من مواسمِي
عدوَ الحقول حين كانت تمرّ بي بلا أسوار،
ورائحةَ الدفاتر حين كانت تكتبني قصيدة قبل أن أكتبها ،
وصوتَ القبيلة حين كان يهتف باسمي
كأنني وعدٌ لم يكتمل سقوطه.
قالوا….كبرتِ…
وأيُّ كائنٍ يكبرُ
وفي داخله طفلٌ ما تعلّم مغادرةَ ظلال أبويه ؟
وأيُّ اسمٍ يُمنحُ لي
وقلبي لا يزالُ مهدًا لدميةٍ ترتجفُ عند غياب القمر؟
أجلسوني على سريرٍ
أثقلَ من تابوتٍ مفتوحٍ ،
وأوسعَ من حدقاتِ الظلام،
وأغلقوا الأبواب كأنها ختامُ العالم،
وتركوني أتنقّل بين عظامِ الأثاث
أتعلمُ هندسةَ الوحدة حين تتجسّد غرفةً.
أنا لستُ عروسًا،
أنا أثرُ وردةٍ دُهست مرارًا حتى تعلّمت الصمت،
طفلةٌ أُلبست قسرًا قناعًا لا يشبهها،
تبدو امرأةً من الخارج
وفي داخلها يتهجّى بكاءه الأول كطفلٍ أصم،، أعمى .
يا أيّها المارّون على صمتي،
حين تعبرون طفلةً رُفضتُ لها طقوسُ البياض،
لا تذبحوا صوتي
فبعضُ البياض ليس عُرسًا
بل انهيارُ عتيقٍ موؤد اللون
ينزلقُ من قبابِ الزمن المتكلّس.
إنه جُرحٌ يتغذّى على الملح،
يتلوى في طقوسِ الانطفاء،
ثم ينسحبُ إلى أعماقِ الأعراف
ككائنٍ لم يكتمل خروجه من العتمة…
ولا عودةَ له إلا إلى صمتٍ أقدم من ذاكرة الأعراف المعزومة.