تمهيد: لماذا هذه القصيدة؟
كلّما اقتربتُ من قصيدة هاجر الرقيق “كلّما همّ نهدي بالطّيران”، شعرتُ أنني لستُ أمام نصٍّ شعريّ بالمعنى التقليدي، بل أمام مرايا متكسّرة لامرأة تحاول أن تجمع شتاتها، أن تفهم كيف تحوّل جسدها إلى سجن، وكيف صارت أنوثتها بيضًا معرّضًا للعفن أو للطبخ أو للنتاف. هذه القصيدة ليست مجرد بكائيّة أنثويّة، إنها تحقيق أنطولوجيّ في علاقة المرأة بجسدها، وبأمّها، وبالعالم الذي يراقب نهديها وهما يحاولان الطيران. سنحاول في هذه القراءة الموسّعة أن نتتبّع خيوط النصّ، أن نفكّك رموزه، وأن نضيء زواياه المظلمة، دون أن نقع في فخّ التبسيط أو التفسير الأحاديّ.
—
أولاً: صراع الطيران والأسر – قراءة في المشهد الافتتاحي
تبدأ الشاعرة قصيدتها بلقطة هي أقرب إلى فيلم سرياليّ: “كلّما همّ نهدي بالطّيرانِ من قميصي، ظللتُ ألاحقه مثل صُوصٍ صغير وأرجعته داخل قفصي الصّدريّ”. هذه الجملة الافتتاحية تحمل في طيّاتها جوهر الصراع كلّه. النهد، ذلك العضو الذي يرمز إلى الأنوثة والجاذبية والإرضاع (أمومةً محتملة)، يُصوَّر هنا ككائن حيّ له إرادة، يريد “الطيران” أي التحرّر، الخروج إلى العالم، التعري، الفضاء. لكن الذات (الشاعرة) تتحوّل إلى “صوص صغير” – أي كائن لا يزال في بداية حياته، ضعيف، خائف، يعتمد على الآخرين – تظلّ تلاحق هذا النهد الهارب. إنها طفولة تستعيد نفسها في لحظة مقاومة للجسد.
ولكن المفارقة الكبرى تكمن في فعل “أرجعته داخل قفصي الصدري”. القفص الصدري هو المكان الطبيعي للنهدين، لكن وصفه بـ”القفص” يحوّله من مسكن إلى سجن. القفص يعني الأسر، المنع، الحبس. إنها المرأة التي تتعلم منذ لحظات بلوغها الأولى أن تخفي جسدها، أن تضغطه، أن تعيده إلى الخلف كلّما حاول التقدّم. وهذا الصراع يتكرر في كلّ مرّة (“كلّما همّ”)، ليصير سمة دائمة من سمات حياتها.
ما يثير الانتباه أيضًا هو تشبيهها نفسها بـ”صُوص صغير”. الصوص يلاحق أمّه، وليس أمّه تلاحقه. هنا، النهد يصير هو الطائر، وهي الصوص الذي يتبعه. إنها قلْبٌ ذكيّ للمنطق الأبويّ الذي يجعل الأنثى تابعةً لجسدها، بينما هي في الحقيقة تحاول السيطرة عليه. هذه الازدواجية تعطي النصّ عمقًا نفسيًّا استثنائيًّا.
—
ثانيًا: طقوس العيد والعدّ التدميريّ
ينتقل النصّ إلى مشهد عيد الميلاد: “في عيد ميلادي الأخير، أحصيتُ أنوثتي بيضة بيضة”. عيد الميلاد هو يوم الاحتفال بالحياة، لكن الشاعرة تحوّله إلى جردة حساب، إلى إحصاء مؤلم. الأنوثة هنا ليست صفة أو شعورًا، بل أشياء ملموسة، بيضًا هشًّا يمكن عدّه. والبيض في الثقافة الشعبيّة رمز الخصوبة والتكاثر، لكنه أيضًا شديد القابلية للكسر والتعفّن. عندما تخزّن الشاعرة “ما لم يتعفّن منها بعد في برّاد الانتظار”، فإنها تعترف بأن جزءًا من أنوثتها قد فسد بالفعل، وأن ما تبقّى هو في حالة تجميد مؤقّت، انتظار مجهول.
“برّاد الانتظار” – هذه الصورة عبقرية في تناقضها. البرّاد يبطئ التعفّن لكنه لا يمنعه نهائيًّا. الانتظار هو حالة المرأة العازبة/المؤجّلة في مجتمعاتنا: تنتظر زوجًا، تنتظر أطفالًا، تنتظر حياة. انتظارها لا يختلف عن تخزين البيض: قد يصلح لاحقًا، أو قد ينتهي صلاحيّته من دون أن يُستخدم. هذه النظرة التشاؤميّة النابعة من تجربة مريرة تعطي القصيدة بعدها الوجوديّ.
—
ثالثًا: الأم والقلب المخبوز – فاجعة التوريث
ثم تأتي الصورة الأكثر إيلامًا في القصيدة: “يومها، نفذتْ منّا الخميرةُ والطحين، فاستعملتْ أمّي قلبي وأخرجته من الفرن منتفخًا بالغضب حتّى أن الضّيوفَ ظنّوا عُروقه النّافرة نقوشًا!”.
الأم هنا ليست تلك الملاك الحاني الذي نعرفه في الأدب النسائيّ الكلاسيكيّ. إنها امرأة عملية، بل قاسية. حين نفاد موادّ الطبخ، لا تتردّد في استعمال قلب ابنتها كبديل. القلب عضو حيويّ، مركز العواطف والألم والفرح. تحويله إلى رغيف خبز يُعجن ويُخبز ويُقدّم للضيوف هو تشييء مروّع. لكن الأدهى أن هذا الخبز (القلب) يخرج “منتفخًا بالغضب”. الغضب هو الاستجابة الوحيدة الممكنة لمثل هذا الاختطاف الوجوديّ. والضيوف، بدل أن يفزعوا، يظنّون عروقه النافرة مجرّد “نقوش” زخرفيّة جميلة! إنها لحظة صمت العالم إزاء آلام المرأة، حيث تُقرأ ندوبها كزينة، حيث يُعاد تأويل عذابها كجمال.
هذه الأم تذكّرنا بأسطورة ميديا، لكن من دون سلاح أو ثأر. إنها أمّ تصنع ابنتها كخبز لأنها لم تجد طعامًا آخر. في هذا التصوير، تتحوّل البنت إلى وجبة، وإلى أداة لإرضاء الضيوف (الآخرين، المجتمع، الرجال). ثم تختم الشاعرة المقطع بعبارة قصيرة: “من البدايةِ كان طريقي مُستديرًا”. الاستدارة هنا هي التكرار، الدوران حول نفسها، وعدم القدرة على الخطّ المستقيم (التحرّر).
—
رابعًا: تشريح الكراهية – لماذا تكره الدوائر؟
تنتقل الشاعرة إلى نقد الذات/الجسد بصراحة لافتة: “طيلةَ طفولتي وأنا أكره الدّوائر: البيض، النُّهود، والبطنَ الذي طبخني في ليلةٍ لم يجد فيها أبي طعامًا آخر يتعشّاه!”. هذا الكراهية ليست عبثًا، بل ردّ فعل على معاناة ممنهجة. الدوائر في الجسد الأنثوي هي البيض (التبويض والخصوبة)، والنهود (الثديين الدائريين)، والبطن المكوّر (الحمل والولادة). كلّها تذكّرها بأنوثتها التي فُرضت عليها، والتي تسبّبت في ألمها. والبطن الذي “طبخها” هو رحم الأم، لكنّ الشاعرة تعيد صياغته كقدر طبخ (وعاء). وهي هنا تستعير فعل الطهو نفسه، ممّا يربط خروجها إلى الحياة بعملية طهو طارئة: “لم يجد فيها أبي طعامًا آخر”. الأب الجائع، الأم المطبخة، والبنت الوجبة. ثلاثيّ من المأساة اليوميّة.
النّصّ :
كلّما همّ نهدي بالطّيرانِ من قميصي،
ظللتُ ألاحقه مثل صُوصٍ صغير
و أرجعتهُ داخل قفصي الصّدريّ.
في عيد ميلادي الأخير،
أحصيتُ أنوثتي بيضة بيضة
ثمّ خزّنتُ ما لم يتعفّنْ منها بعد
في برّادِ الانتظار.
يومها، نفذتْ منّا الخميرةُ و الطّحين،
فٱستعملتْ أمّي قلبي
و أخرجتهُ من الفرن مُنتفخًا بالغضب
حتّى أن الضّيوفَ ظنّوا عُروقه النّافرة
نُقوشًا !
من البدايةِ كان طريقي مُستديرًا:
أقشّرُ عنه الأيّامَ و هي لم تستوِ بعد،
فتسيحُ المآسي حارقةً أصابعي.
طيلةَ طفولتي و أنا أكره الدّوائر:
البيض،
النُّهود،
و البطنَ الذي طبخني في ليلةٍ
لم يجد فيها أبي طعامًا آخر يتعشّاه !
كثيرًا ما طاردتُّ حظّي في زريبةِ العمر،
أمسكُ أَسْمَنَ دجاجة،
فينقرني الشُّؤم في معصمي !
حتّى و أنا في العقد الثّالثِ من عمري،
لازلتُ أحلمُ بجسدٍ مُستطيلٍ أو مُثلّث
أستطيع أن أحشرَ بُؤسي
في إحدى زواياه !
كلّما ٱعترضتني ٱمرأةٌ ثلاثينيّةٌ بالشّارع،
سمعتُ لقلبها نقيقًا
و هو يطيرُ فوق سُور العادات
ثمّ لا يلبث أن يقعَ مُنكبًّا على مصيره.
حتّى أمّي لم تعلّمني كيف أُربّي حوافًّا حادّة
أَشْحَذُها في وجه الحياة
كلّما همّت أن تنشلَ من جيبي
أملاً جديدًا.
كانت أمّي فلاّحةً حتّى على سريرها،
قبضتْ عليَّ في سِرْبٍ
عشّشَ ذات ليلةٍ بين رجليها،
فنتفتْ من العُمْرِ تسعَ ريشاتٍ كاملة !
حتّى بطنها المُكوّر لم يكن واسعًا بما يكفي
ليُخبّئني من سوء الطّالع.
و مع ذلك،
لا أسمحُ لعقودي الثّلاث أن ترقد
فوق صدري
و تفقسَ البغائض.
ها هو يا أمّي نهدي يبرزُ من تحت القماش
مثل قبضةٍ عملاقة،
يسبقُ يدي في إلقاء التّحيّةِ على العالم،
يثبتُ للجميع أنّه ٱجتماعيٌّ و مرحاب
رغم صمتهِ الأزليّ.
هاجر الرقيق
داود سلمان عجاج
بشار ساجت
حمدي العطار
التعليقات