شاني.. حين يتحول المقاوم الفرد إلى ذاكرة وطنية
قراءة نقدية في رواية “جذور من الطين والنخيل” لصالح مهدي الكندي
ليست مقاومة الاحتلال دائماً بحاجة إلى جيش كامل لكي تتحول إلى فعل تاريخي. ففي الرواية كثيراً ما يظهر الفرد بوصفه قوة رمزية تتجاوز حجمه الواقعي فيصبح الجسد الواحد مساحة للصراع بين المحتل والأرض، وبين الخوف والكرامة، وبين الاستسلام والرغبة في التحرر. ولهذا حضرت شخصية المقاوم الفرد في الرواية العربية والعالمية بوصفها نموذجاً لاختبار الإرادة الإنسانية في مواجهة قوة تبدو أكبر من قدرة الفرد. غير أن أهمية هذه الشخصية لا تكمن دائماً في قدرتها على هزيمة المحتل عسكرياً بل في قدرتها على رفض الخضوع وتحويل الفعل الفردي إلى معنى جماعي. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة رواية “جذور من الطين والنخيل” للروائي صالح مهدي الكندي، التي تجعل من شخصية “شاني” محوراً للسرد، وتضعه في مواجهة الاحتلال البريطاني قبل أن يتحول تدريجياً من رجل ريفي إلى أسطورة شعبية، ومن اسم في الحكاية إلى معنى يتوارثه الناس.
من الإنسان إلى الأسطورة
منذ الاستهلال “حين تتكلم الجذور” يبدأ الروائي بتأسيس علاقة عميقة بين شخصية شاني والمكان. فهو لا يولد في فراغ وإنما يولد “بين القصب وسعف النخيل” وعلى ضفاف الفرات، في بيئة ريفية تبدو وكأنها تمنحه منذ البداية شرعية الانتماء إلى الأرض.
ويكرر الروائي عبارة “حيث جداول الماء وأشجار الفاكهة” في الاستهلال وهو تكرار يمكن أن يقرأ من زاويتين: فقد يكون مقصوداً لتثبيت صورة المكان في الذاكرة وقد يكون أثراً من آثار الحس الشعري لدى الكاتب ولا سيما أنه شاعر أيضاً. وهنا تبرز ملاحظة فنية مهمة: حين تدخل اللغة الشعرية إلى الرواية فإنها تحتاج إلى أن تتحول من زينة لفظية إلى وظيفة سردية. فالتكرار في الشعر يمكن أن يؤدي إيقاعاً وتأثيراً موسيقياً بينما يحتاج في السرد إلى مبرر يرتبط بالحدث أو الشخصية أو الدلالة.
ويستمر الروائي في بناء شخصية شاني من خلال مجموعة من الصفات المتراكمة: القوة الجسدية، الفروسية، السباحة، ركوب الخيل، الانتماء الريفي، امتلاك الأرض، والقدرة على مواجهة الخطر. وكأن الرواية لا تقدم لنا شاني دفعة واحدة وإنما تقوم بتجهيز الشخصية تدريجياً كي تكون قادرة على حمل الدور الأسطوري الذي سيسند إليها لاحقاً.
حتى امتلاكه خمسة دوانم فقط وإهداء نصفها إلى أحد السادة لا يأتي مجرد تفصيل اجتماعي، بل يضيف إلى الشخصية أبعاداً طبقية ودينية واجتماعية، ويضعها داخل منظومة الريف العراقي وعلاقاته المعقدة.
لحظة عبور النهر
تصل الرواية إلى لحظتها المؤسسة عندما يدخل الإنكليز إلى المنطقة ويطلب أحد الضباط من شاني أن يحمله لعبور النهر.
المشهد بسيط في ظاهره لكنه يتحول إلى نقطة الانفجار السردي. شاني يحمل الضابط على كتفيه وعندما يصل إلى منتصف النهر يتذرع بـ«الضوية» ثم يغوص بالماء، فيختفي الضابط ولا يعثر على جثته. هنا تنتقل الشخصية من الواقعي إلى الأسطوري.
فالفعل الذي قام به شاني يمكن أن يكون حادثة مقاومة فردية لكن الرواية لا تكتفي بتقديمه بهذه الصورة، إنها تبدأ بإعادة إنتاجه في الذاكرة الشعبية. شاني لا يعود رجل قتل ضابطاً بريطانياً فحسب، وإنما يصبح حكاية تتناقلها القرى.وهذه إحدى أهم نقاط القوة في الرواية: تحول الفعل الفردي إلى ذاكرة جماعية. فالروائي يقول بمعنى واضح: إن شاني لم يعد يحمل جسداً على كتفيه فقط، بل صار يحمل رمزاً. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي في الرواية ليس: أين شاني؟ بل: ماذا بقي من شاني؟
المحتل يطارد جسداً.. والرواية تطارد معنى .بعد اختفاء شاني تبدأ مطاردة البريطانيين له فيتنقل بين البيوت ويجد الحماية لدى أهل الريف. وهنا تدخل الرواية إلى منطقة أخرى هي علاقة الفرد بالجماعة. فشاني فرد واحد لكنه لا يستطيع الاستمرار من دون شبكة اجتماعية تحميه. وهذا يضعف من الناحية النقدية فكرة “البطل الفرد” إذا أُخذت حرفياً، لأن الرواية نفسها تكشف أن المقاومة الفردية تحتاج إلى حاضنة اجتماعية تحفظها. ومن هنا كان يمكن للرواية أن تتوسع أكثر في تحليل مواقف القوى الاجتماعية آنذاك خصوصاً كبار ملاك الأراضي وبعض رؤساء العشائر وعلاقتهم بالاحتلال ومصالحهم الخاصة. فالتركيز على العملاء والجواسيس وحدهم يجعل صورة الصراع أكثر بساطة مما ينبغي بينما كان من الممكن أن تمنح هذه الطبقات الاجتماعية الرواية صراعاً أكثر تعقيداً بين الوطني والمصلحي، وبين الفلاح والإقطاع، وبين من يقاوم الاحتلال ومن يجد فيه حماية لمصالحه.
شاني.. الفلاح الذي يتكلم بلغة المثقف
من الملاحظ أن الروائي يمنح شاني وهو الفلاح البسيط محدود الثقافة عبارات ذات كثافة فكرية وسياسية عالية مثل قوله إن العدو ليس الجندي الإنكليزي وحده، بل كل من ينهزم قبل المعركة ويبرر الذل. هذه العبارات قوية من حيث تأثيرها لكنها تطرح سؤالاً فنياً مهماً: هل يتحدث شاني كشخصية روائية أم يتحدث الروائي من خلاله؟ وهنا تبرز إحدى الملاحظات الأساسية على الرواية،إذ تتحول شخصية شاني أحياناً إلى لسان للكاتب فتقول عبارات تبدو أقرب إلى الشعارات أو الحكم السياسية منها إلى اللغة الطبيعية لشخصية ريفية في ذلك الزمن. لكن هذه الملاحظة لا تلغي وظيفتها، فالرواية تريد أن تجعل شاني أكثر من شخصية واقعية. إنها تدفعه باتجاه الرمز، ولذلك تأتي لغته محملة بالدلالات التي تتجاوز شخصه.
من شاني إلى “الفكرة”
في الفصول اللاحقة، ولا سيما “العرين الأخير” و”الذين يعرفون اسمه ولا يعرفونه”، يكتمل التحول. لم يعد شاني شخصاً يمكن الإمساك به أصبح شبحاً وحكاية واسمًا. وهنا تبلغ الرواية ذروة فكرتها: المحتل يستطيع مطاردة الإنسان، لكنه يعجز عن اعتقال الفكرة. وتأتي شخصية “سامي صبري”، الموظف المرتبط بالمخابرات البريطانية لتكشف هذا التحول عندما يدرك أن مطاردة الجسد لم تعد كافية، لأن شاني أصبح قصيدة تتناقلها الألسن واسمًا يردده الأطفال. وهذه الشخصية تؤدي وظيفة سردية مهمة لأنها تمنح الرواية عيناً أخرى ترى شاني من جهة الخصم وتكشف أن الاحتلال بدأ يخشى الرمز أكثر مما يخشى الرجل.
اللغة بين الشعر والسرد
تتميز الرواية بحضور واضح للغة الشعرية وهذا مفهوم في ضوء الخلفية الشعرية للروائي. عناوين الفصول نفسها تكشف هذا الميل: “ظل الفرات”، “الطين لا يخون”، “حين يحرس الغائب بيت النار”، “حين يصبح الاسم طريقاً”، و”النار التي لا ترفع دخاناً”. هذه العناوين جميلة ومشحونة بالدلالة لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الرواية تتحرك أحياناً من السرد نحو قصيدة طويلة ذات مقاطع روائية. وهنا ينبغي التفريق بين الشعرية في الرواية وتحويل الرواية إلى قصيدة نثر ممتدة. الشعرية تمنح السرد كثافة وإيحاءً لكنها حين تتكرر بكثرة قد تقلل من مساحة الحدث والحركة والشخصيات. كما أن تكرار بعض العبارات والمعاني خصوصاً في تقديم شخصية شاني كان يمكن اختصاره من دون أن تفقد الشخصية قوتها. فالشخصية البطولية لا تحتاج دائماً إلى أن يقول لنا السارد إنها عظيمة يكفي أحياناً أن نراها وهي تفعل.
مزعل.. حين يكتب الحفيد الأسطورة
تتخذ الرواية منعطفاً لافتاً مع شخصية “مزعل”، الذي لا يأتي للبحث عن شاني بقدر ما يأتي لفهم ما تركه وراءه. وهنا يصبح البحث عن البطل بحثاً عن الذات. وعندما يعثر مزعل على الصندوق الذي يحتوي على الكوفية والطلقات والمسبحة والورقة القديمة تتحول الأشياء إلى آثار مادية لذاكرة شاني. والعبارة الأخيرة التي يكتبها مزعل: “هنا بدأ شاني. لا حين ولد بل حين صار فينا”، تختصر مشروع الرواية كله. فشاني لم يعد تاريخاً مغلقاً في زمن الاحتلال البريطاني بل أصبح سؤالاً مفتوحاً في الحاضر: ماذا يعني أن يكون الإنسان حراً؟ ومتى يتحول الفرد إلى ذاكرة؟ وكيف تنتقل المقاومة من جسد صاحبها إلى وعي الآخرين؟
الخاتمة: حين لا ينتهي الاسم
“جذور من الطين والنخيل” ليست رواية عن رجل قتل ضابطاً بريطانياً فحسب بل رواية عن صناعة الذاكرة البطولية. وهي تضع الفرد في مواجهة إمبراطورية لكنها في الوقت نفسه تكشف أن قوة الفرد الحقيقية لا تأتي من جسده وحده وإنما من قدرة الجماعة على تحويل فعله إلى حكاية. نجح صالح مهدي الكندي في بناء شاني بوصفه شخصية تقع بين التاريخ والأسطورة، فهو رجل من الريف لكنه يتحول تدريجياً إلى رمز ثم إلى فكرة ثم إلى ذاكرة تتناقلها الأجيال. ومع ذلك فإن الرواية كانت ستصبح أكثر قوة فنياً لو خففت من التكرار ومن العبارات التقريرية ومن اللغة الشعرية حين تطغى على الحدث وتركت للشخصية مساحة أكبر لكي تكشف نفسها بالفعل لا بالوصف وحده. وربما هنا تكمن المفارقة الأجمل في الرواية: البريطانيون بحثوا عن شاني كي يقتلوا رجلاً بينما الرواية تبحث عنه كي تعرف كيف يولد الرمز. ولهذا لا تنتهي حكاية شاني عندما يغيب جسده فبعض الأسماء لا تنتهي عندما تنطق بل تبدأ حين تصبح جزءاً من ذاكرة الآخرين.
قراءة نقدية في رواية “جذور من الطين والنخيل” لصالح مهدي الكندي
شاني.. حين يتحول المقاوم الفرد إلى ذاكرة وطنية
قراءة نقدية في رواية “جذور من الطين والنخيل” لصالح مهدي الكندي
ليست مقاومة الاحتلال دائماً بحاجة إلى جيش كامل لكي تتحول إلى فعل تاريخي. ففي الرواية كثيراً ما يظهر الفرد بوصفه قوة رمزية تتجاوز حجمه الواقعي فيصبح الجسد الواحد مساحة للصراع بين المحتل والأرض، وبين الخوف والكرامة، وبين الاستسلام والرغبة في التحرر. ولهذا حضرت شخصية المقاوم الفرد في الرواية العربية والعالمية بوصفها نموذجاً لاختبار الإرادة الإنسانية في مواجهة قوة تبدو أكبر من قدرة الفرد. غير أن أهمية هذه الشخصية لا تكمن دائماً في قدرتها على هزيمة المحتل عسكرياً بل في قدرتها على رفض الخضوع وتحويل الفعل الفردي إلى معنى جماعي. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة رواية “جذور من الطين والنخيل” للروائي صالح مهدي الكندي، التي تجعل من شخصية “شاني” محوراً للسرد، وتضعه في مواجهة الاحتلال البريطاني قبل أن يتحول تدريجياً من رجل ريفي إلى أسطورة شعبية، ومن اسم في الحكاية إلى معنى يتوارثه الناس.
من الإنسان إلى الأسطورة
منذ الاستهلال “حين تتكلم الجذور” يبدأ الروائي بتأسيس علاقة عميقة بين شخصية شاني والمكان. فهو لا يولد في فراغ وإنما يولد “بين القصب وسعف النخيل” وعلى ضفاف الفرات، في بيئة ريفية تبدو وكأنها تمنحه منذ البداية شرعية الانتماء إلى الأرض.
ويكرر الروائي عبارة “حيث جداول الماء وأشجار الفاكهة” في الاستهلال وهو تكرار يمكن أن يقرأ من زاويتين: فقد يكون مقصوداً لتثبيت صورة المكان في الذاكرة وقد يكون أثراً من آثار الحس الشعري لدى الكاتب ولا سيما أنه شاعر أيضاً. وهنا تبرز ملاحظة فنية مهمة: حين تدخل اللغة الشعرية إلى الرواية فإنها تحتاج إلى أن تتحول من زينة لفظية إلى وظيفة سردية. فالتكرار في الشعر يمكن أن يؤدي إيقاعاً وتأثيراً موسيقياً بينما يحتاج في السرد إلى مبرر يرتبط بالحدث أو الشخصية أو الدلالة.
ويستمر الروائي في بناء شخصية شاني من خلال مجموعة من الصفات المتراكمة: القوة الجسدية، الفروسية، السباحة، ركوب الخيل، الانتماء الريفي، امتلاك الأرض، والقدرة على مواجهة الخطر. وكأن الرواية لا تقدم لنا شاني دفعة واحدة وإنما تقوم بتجهيز الشخصية تدريجياً كي تكون قادرة على حمل الدور الأسطوري الذي سيسند إليها لاحقاً.
حتى امتلاكه خمسة دوانم فقط وإهداء نصفها إلى أحد السادة لا يأتي مجرد تفصيل اجتماعي، بل يضيف إلى الشخصية أبعاداً طبقية ودينية واجتماعية، ويضعها داخل منظومة الريف العراقي وعلاقاته المعقدة.
لحظة عبور النهر
تصل الرواية إلى لحظتها المؤسسة عندما يدخل الإنكليز إلى المنطقة ويطلب أحد الضباط من شاني أن يحمله لعبور النهر.
المشهد بسيط في ظاهره لكنه يتحول إلى نقطة الانفجار السردي. شاني يحمل الضابط على كتفيه وعندما يصل إلى منتصف النهر يتذرع بـ«الضوية» ثم يغوص بالماء، فيختفي الضابط ولا يعثر على جثته. هنا تنتقل الشخصية من الواقعي إلى الأسطوري.
فالفعل الذي قام به شاني يمكن أن يكون حادثة مقاومة فردية لكن الرواية لا تكتفي بتقديمه بهذه الصورة، إنها تبدأ بإعادة إنتاجه في الذاكرة الشعبية. شاني لا يعود رجل قتل ضابطاً بريطانياً فحسب، وإنما يصبح حكاية تتناقلها القرى.وهذه إحدى أهم نقاط القوة في الرواية: تحول الفعل الفردي إلى ذاكرة جماعية. فالروائي يقول بمعنى واضح: إن شاني لم يعد يحمل جسداً على كتفيه فقط، بل صار يحمل رمزاً. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي في الرواية ليس: أين شاني؟ بل: ماذا بقي من شاني؟
المحتل يطارد جسداً.. والرواية تطارد معنى .بعد اختفاء شاني تبدأ مطاردة البريطانيين له فيتنقل بين البيوت ويجد الحماية لدى أهل الريف. وهنا تدخل الرواية إلى منطقة أخرى هي علاقة الفرد بالجماعة. فشاني فرد واحد لكنه لا يستطيع الاستمرار من دون شبكة اجتماعية تحميه. وهذا يضعف من الناحية النقدية فكرة “البطل الفرد” إذا أُخذت حرفياً، لأن الرواية نفسها تكشف أن المقاومة الفردية تحتاج إلى حاضنة اجتماعية تحفظها. ومن هنا كان يمكن للرواية أن تتوسع أكثر في تحليل مواقف القوى الاجتماعية آنذاك خصوصاً كبار ملاك الأراضي وبعض رؤساء العشائر وعلاقتهم بالاحتلال ومصالحهم الخاصة. فالتركيز على العملاء والجواسيس وحدهم يجعل صورة الصراع أكثر بساطة مما ينبغي بينما كان من الممكن أن تمنح هذه الطبقات الاجتماعية الرواية صراعاً أكثر تعقيداً بين الوطني والمصلحي، وبين الفلاح والإقطاع، وبين من يقاوم الاحتلال ومن يجد فيه حماية لمصالحه.
شاني.. الفلاح الذي يتكلم بلغة المثقف
من الملاحظ أن الروائي يمنح شاني وهو الفلاح البسيط محدود الثقافة عبارات ذات كثافة فكرية وسياسية عالية مثل قوله إن العدو ليس الجندي الإنكليزي وحده، بل كل من ينهزم قبل المعركة ويبرر الذل. هذه العبارات قوية من حيث تأثيرها لكنها تطرح سؤالاً فنياً مهماً: هل يتحدث شاني كشخصية روائية أم يتحدث الروائي من خلاله؟ وهنا تبرز إحدى الملاحظات الأساسية على الرواية،إذ تتحول شخصية شاني أحياناً إلى لسان للكاتب فتقول عبارات تبدو أقرب إلى الشعارات أو الحكم السياسية منها إلى اللغة الطبيعية لشخصية ريفية في ذلك الزمن. لكن هذه الملاحظة لا تلغي وظيفتها، فالرواية تريد أن تجعل شاني أكثر من شخصية واقعية. إنها تدفعه باتجاه الرمز، ولذلك تأتي لغته محملة بالدلالات التي تتجاوز شخصه.
من شاني إلى “الفكرة”
في الفصول اللاحقة، ولا سيما “العرين الأخير” و”الذين يعرفون اسمه ولا يعرفونه”، يكتمل التحول. لم يعد شاني شخصاً يمكن الإمساك به أصبح شبحاً وحكاية واسمًا. وهنا تبلغ الرواية ذروة فكرتها: المحتل يستطيع مطاردة الإنسان، لكنه يعجز عن اعتقال الفكرة. وتأتي شخصية “سامي صبري”، الموظف المرتبط بالمخابرات البريطانية لتكشف هذا التحول عندما يدرك أن مطاردة الجسد لم تعد كافية، لأن شاني أصبح قصيدة تتناقلها الألسن واسمًا يردده الأطفال. وهذه الشخصية تؤدي وظيفة سردية مهمة لأنها تمنح الرواية عيناً أخرى ترى شاني من جهة الخصم وتكشف أن الاحتلال بدأ يخشى الرمز أكثر مما يخشى الرجل.
اللغة بين الشعر والسرد
تتميز الرواية بحضور واضح للغة الشعرية وهذا مفهوم في ضوء الخلفية الشعرية للروائي. عناوين الفصول نفسها تكشف هذا الميل: “ظل الفرات”، “الطين لا يخون”، “حين يحرس الغائب بيت النار”، “حين يصبح الاسم طريقاً”، و”النار التي لا ترفع دخاناً”. هذه العناوين جميلة ومشحونة بالدلالة لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الرواية تتحرك أحياناً من السرد نحو قصيدة طويلة ذات مقاطع روائية. وهنا ينبغي التفريق بين الشعرية في الرواية وتحويل الرواية إلى قصيدة نثر ممتدة. الشعرية تمنح السرد كثافة وإيحاءً لكنها حين تتكرر بكثرة قد تقلل من مساحة الحدث والحركة والشخصيات. كما أن تكرار بعض العبارات والمعاني خصوصاً في تقديم شخصية شاني كان يمكن اختصاره من دون أن تفقد الشخصية قوتها. فالشخصية البطولية لا تحتاج دائماً إلى أن يقول لنا السارد إنها عظيمة يكفي أحياناً أن نراها وهي تفعل.
مزعل.. حين يكتب الحفيد الأسطورة
تتخذ الرواية منعطفاً لافتاً مع شخصية “مزعل”، الذي لا يأتي للبحث عن شاني بقدر ما يأتي لفهم ما تركه وراءه. وهنا يصبح البحث عن البطل بحثاً عن الذات. وعندما يعثر مزعل على الصندوق الذي يحتوي على الكوفية والطلقات والمسبحة والورقة القديمة تتحول الأشياء إلى آثار مادية لذاكرة شاني. والعبارة الأخيرة التي يكتبها مزعل: “هنا بدأ شاني. لا حين ولد بل حين صار فينا”، تختصر مشروع الرواية كله. فشاني لم يعد تاريخاً مغلقاً في زمن الاحتلال البريطاني بل أصبح سؤالاً مفتوحاً في الحاضر: ماذا يعني أن يكون الإنسان حراً؟ ومتى يتحول الفرد إلى ذاكرة؟ وكيف تنتقل المقاومة من جسد صاحبها إلى وعي الآخرين؟
الخاتمة: حين لا ينتهي الاسم
“جذور من الطين والنخيل” ليست رواية عن رجل قتل ضابطاً بريطانياً فحسب بل رواية عن صناعة الذاكرة البطولية. وهي تضع الفرد في مواجهة إمبراطورية لكنها في الوقت نفسه تكشف أن قوة الفرد الحقيقية لا تأتي من جسده وحده وإنما من قدرة الجماعة على تحويل فعله إلى حكاية. نجح صالح مهدي الكندي في بناء شاني بوصفه شخصية تقع بين التاريخ والأسطورة، فهو رجل من الريف لكنه يتحول تدريجياً إلى رمز ثم إلى فكرة ثم إلى ذاكرة تتناقلها الأجيال. ومع ذلك فإن الرواية كانت ستصبح أكثر قوة فنياً لو خففت من التكرار ومن العبارات التقريرية ومن اللغة الشعرية حين تطغى على الحدث وتركت للشخصية مساحة أكبر لكي تكشف نفسها بالفعل لا بالوصف وحده. وربما هنا تكمن المفارقة الأجمل في الرواية: البريطانيون بحثوا عن شاني كي يقتلوا رجلاً بينما الرواية تبحث عنه كي تعرف كيف يولد الرمز. ولهذا لا تنتهي حكاية شاني عندما يغيب جسده فبعض الأسماء لا تنتهي عندما تنطق بل تبدأ حين تصبح جزءاً من ذاكرة الآخرين.
التعليقات