الورقة النقدية التي قدمت في جلسة دار الورشة الثقافية بالمركز الثقافي البغدادي اليوم الجمعة 25/9 بعنوان : فن السرد:كيف تتحول القصة الى رواية
هل يمكن أن تتحول القصة القصيرة إلى رواية؟
نعم… ولكن ليس بمجرد أن نضيف إليها مئة صفحة!
فالرواية لا تولد عندما نطيل القصة وإنما عندما تكتشف القصة أن بداخلها حياة أخرى لم تقلها بعد.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: متى تشعر القصة القصيرة بأنها لم تعد قادرة على احتواء عالمها؟
القصة القصيرة والرواية ابنتان لفن واحد هو فن السرد. تشتركان في الشخصية والحدث والزمان والمكان والصراع، لكنهما تختلفان في طريقة التعامل مع هذه العناصر.
القصة القصيرة تشبه طلقة؛ تصيب هدفها بسرعة وتترك أثراً يتردد بعد انتهائها.
أما الرواية فهي أشبه بـ رحلة طويلة لا تكتفي بأن توصلك إلى النهاية وإنما تجعلك تعيش الطريق وتتغير معه وتتعرف إلى أشخاص وأماكن وأزمنة لم تكن تعرفها.
في القصة القصيرة قد نلتقي رجلاً يعود إلى مدينته بعد عشرين عاماً. تكفي لحظة واحدة: يقف أمام بيته القديم، يطرق الباب، فتفتح له امرأة لا يعرفها.
تنتهي القصة هنا.لكن الرواية قد تسأل:من أين جاء الرجل؟لماذا غادر؟ماذا حدث خلال العشرين عاماً؟من هذه المرأة؟أين ذهبت عائلته؟كيف تغيرت المدينة؟ومن سرق البيت؟وماذا حدث لذلك الرجل قبل أن يغادر وبعد أن عاد؟
هنا تبدأ القصة في التمرد على حدودها.
فالكاتب لا يضيف أحداثاً اعتباطية، وإنما يكتشف أن الحدث الأول كان يخفي وراءه أحداثاً أخرى.
وهذا هو الفارق الجوهري:
القصة تلتقط لحظة من الحياة، أما الرواية فتحاول أن تبني حياة كاملة حول تلك اللحظة.
في القصة القصيرة تكون الشخصية غالباً مركزة. قد نعرف عنها ما يكفي لفهم موقفها لكننا لا نحتاج إلى تاريخها كله.
أما الرواية فتقول لنا: لا يمكن أن أفهم هذا الإنسان من دون أن أعرف طفولته وعلاقاته وأسراره وانكساراته وأحلامه والأشياء التي أخفاها عن الآخرين.
ولهذا فإن الشخصية الروائية ليست شخصية تتحرك داخل الحدث فحسب، وإنما هي شخصية تتغير بسبب الحدث.
والأمر نفسه ينطبق على الزمن.
القصة قد تحدث خلال ساعة أو يوم أو ليلة.
لكن الرواية تستطيع أن تجعلنا نعيش سنوات وربما أجيالاً.
وقد يكون المكان في القصة مجرد فضاء تجري فيه الأحداث، بينما يصبح المكان في الرواية شخصية أخرى: مدينة لها ذاكرة، وشارع له تاريخ، وبيت يحتفظ بأسرار سكانه.
ثم يأتي الصراع.
القصة قد تقوم على صراع واحد مكثف.
أما الرواية فتستطيع أن تجعل الصراعات تتوالد من بعضها:
الإنسان ضد نفسه،والإنسان ضد الآخر،والفرد ضد المجتمع،والذاكرة ضد النسيان،والحلم ضد الواقع.
ومن هنا تصبح الرواية أكثر من حكاية تصبح عالماً سردياً.
لكن هناك خطراً كبيراً يقع فيه بعض الكتاب: يعتقدون أن تحويل القصة إلى رواية يعني إضافة الوصف وتطويل الحوار وإدخال شخصيات جديدة وتأخير النهاية.
وهذا ليس بناءً روائياً، بل تمطيط سردي.
الرواية لا تكبر بالصفحات وإنما تكبر بالأسئلة.
كلما فتح الكاتب سؤالاً جديداً، ظهرت أمامه شخصية أو ذاكرة أو حادثة أو علاقة أو صراع جديد.
ولهذا أقول:الرواية لا تبدأ عندما تنتهي القصة بل عندما تبدأ الأسئلة التي تركتها القصة بلا إجابة.
وهناك نقطة أخرى مهمة: ليست كل قصة قصيرة مشروع رواية.
بعض القصص قوتها في أنها قصيرة. إذا مددناها ماتت المفارقة وضعفت الدهشة وضاعت الضربة الأخيرة.
القصة القصيرة الناجحة تشبه البرق لحظة خاطفة لكنها تكشف لنا مساحة واسعة من الظلام.أما الرواية فهي لا تكتفي بإضاءة المكان، بل تأخذنا إلى داخله.
لذلك لا ينبغي للكاتب أن يسأل:كيف أجعل قصتي أطول؟بل عليه أن يسأل:
هل تمتلك قصتي عالماً قابلاً للحياة؟
هل شخصياتها قادرة على النمو؟
هل زمنها قادر على الامتداد؟
هل صراعها قادر على إنتاج صراعات أخرى؟
هل مكانها يخفي حكايات لم تروَ؟
وهل القارئ يريد أن يعرف ماذا حدث قبل النهاية وماذا سيحدث بعدها؟
إذا كانت الإجابة نعم فربما تكون القصة قد بدأت تطالب بحقها في أن تصبح رواية.
أما إذا كان جمالها كله يكمن في لحظتها وفي اختزالها وفي نهايتها فمن الظلم أن نحولها إلى رواية.
لأن القصة القصيرة ليست رواية ناقصة، والرواية ليست قصة قصيرة طويلة.
إنهما شكلان مختلفان للحياة داخل السرد.
وربما أجمل ما يمكن أن أقوله في النهاية:
القصة القصيرة تقول: انظر إلى هذه اللحظة.
أما الرواية فتقول: تعال سأجعلك تعيش حياة كاملة.
والكاتب الحقيقي ليس الذي يكتب مئات الصفحات وإنما الذي يعرف كم صفحة تحتاجها حكايته كي تكتمل ومتى يجب أن يتوقف قبل أن يقتلها بالكلام.فبعض الحكايات تولد رواية…
وبعضها تولد قصة… والذكاء السردي أن نعرف إلى أي جنس أدبي تنتمي الحكاية قبل أن نبدأ بكتابتها.
أحمد محمد عبدالكريم
سعاد المرنيصي
سمیر آغا
التعليقات