حين تنتهي الحروب… ولا تنتهي.. قراءة نقدية في نص لإبراهيم بهرزي

صورة الكاتب
بقلم: د. عزیز جبر الساعدي
التاريخ: 4 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2520
حين تنتهي الحروب… ولا تنتهي..  قراءة نقدية في نص لإبراهيم بهرزي

حين تنتهي الحروب… ولا تنتهي..

قراءة نقدية في نص لإبراهيم بهرزي

 

في نصٍ مكثف ومشحون بالدلالات، يقدّم الأديب والشاعر إبراهيم بهرزي رؤية تأملية للحرب، تتجاوز توصيفها كحدث زمني إلى تفكيك بنيتها كحالة إنسانية مستمرة. فالجملة المفتاحية التي يفتتح بها نصه: “لقد انتهت الحرب… أو إن حرباً ما قد انتهت”، تكشف منذ اللحظة الأولى عن وعيٍ لغوي وفلسفي عميق، يزعزع اليقين ويستبدله بالاحتمال.

هذا التردد المقصود في العبارة لا يعكس ارتباكاً، بل يشي بإدراكٍ مرير: فالحروب لا تنتهي فعلياً، بل تتناسل، تتبدل وجوهها، وتؤجل حضورها في خرائط الزمن. ومن هنا، يضعنا الكاتب أمام حقيقة مفادها أن إعلان نهاية الحرب ليس سوى استراحة مؤقتة في سلسلة لا تنقطع.

النص يتكئ على صوتٍ سردي مثقل بالتجربة، يصل حدّ التبلّد الوجداني، كما في قوله: “فإن قلبي الميت لا يحتفي ولا يبكي”. هذه الصورة لا تعبّر عن انعدام الإحساس بقدر ما تشير إلى إنهاك داخلي سببه تكرار الفاجعة. ومع ذلك، لا يسقط النص في العدمية المطلقة، إذ يحتفظ بقدر من التعاطف الإنساني، حين يعترف بفهمه لأسباب الفرح والحزن لدى الآخرين.

ومن أبرز اشتغالات النص، استعارة “المنبئ الجوي”، التي تمثل صورة المثقف أو الإنسان الواعي الذي يقرأ “خرائط الخراب” بدقة، لكنه يقف عاجزاً عن تغيير مسارها. إنها مفارقة المعرفة بلا فعل، حيث يتحول الإدراك إلى عبء لا خلاص منه.

غير أن الرمز الأكثر حضوراً وتأثيراً هو “الطير البريء”، الذي يشكّل محور النص ودلالته العميقة. هذا الطير:

لا ينتمي إلى الحرب

لا يتورط في خطابها

يبحث عن ملاذ خارجها، في “ثقب السماء”

هنا، يتحول الطير إلى استعارة للبراءة المطلقة أو للروح التي تحاول النجاة من عالمٍ ملوث. وفي مقابل ذلك، تبدو الأرض فضاءً محروقاً، فيما تظل السماء أملاً هشّاً، لا يُنال إلا بالابتعاد.

الخاتمة تحمل نبرة تحذيرية صارمة:

“لا تأمن الإنسان أبداً”

وهي عبارة تختزل موقفاً نقدياً حاداً من الطبيعة البشرية، التي تبدو – في منظور النص – مصدراً دائماً للعنف والخراب. هذا التعميم القاسي لا يأتي من فراغ، بل من تراكم تجربة جعلت الثقة بالإنسان أمراً مستحيلاً.

في المحصلة، ينجح النص في بناء رؤية شعرية تتقاطع فيها الذاتية مع الكونية، وتتحول الحرب من واقعة سياسية إلى سؤال وجودي مفتوح:

هل يمكن للإنسان أن يتحرر من نزعة التدمير، أم أن الخلاص الوحيد يكمن في الهروب… عالياً، مثل طيرٍ يبحث عن ثقب في السماء؟

نص إبراهيم بهرزي، بهذه الكثافة، لا يكتفي بوصف ما بعد الحرب، بل يفضح وهم نهايتها، ويضع القارئ أمام مرآة قاسية لواقعٍ تتربص به حروب لا تنتهي.

د.عزيزجبر الساعدي

 

النص:

لقد انتهت الحرب

او

ان حربا ما  قد انتهت ..

هكذا تبدو العبارة اكثر صدقا .

ولاني عشت حروبا كثيرة

فان قلبي الميت لا يحتفي ولا يبكي

افهم ، رغم ذلك ، اسباب الذين يحتفون

وأسباب الذين يبكون

لكنني مثل منبيء جوي

يقرأ الخرائط

ثم ينام

ملأ جفونه عن شواردها .

وإن كان عليه ان يحتفي او يبكي

بعد هدوء الأنواء

فإنه سيفعل ذلك لاجل الطير الشارد من العصف والدخان

الطير البريء الذي لم يغرد للحرب او ينعب

والذي يدوّم عاليا ثم عاليا

بحثا عن ثقب في السماء

يقيه ِحرائق الارض .

لقد انتهت الحرب

وما بين أراض وسماوات منتهكة

تتربص حروب اخرى لا تنتهي .

ايها الطير البريء

لا تأمن الانسان ابدا

لا تآمنه نائما ولا يقظا

لا حيّا ولا ميتا

لا تغرد له ولا تنعب عليه

وامض عاليا في ثقوب السماء

ودع الارض للرماد .

عن الکاتب / الکاتبة

د. عزیز جبر الساعدي
د. عزیز جبر الساعدي
ناقد.ممثل . مخرج مسرحي / العراق

مقالات أخرى للكاتب

من رموزنا الثقافية ..الناقد والمثقف علي حسن الفواز

من رموزنا الثقافية ..الناقد والمثقف علي حسن الفواز

من رموزنا الثقافية ..الناقد والمثقف علي حسن الفواز واحد من الأصوات الثقافية العراقية التي كرّست…

صورة الكاتب د. عزیز جبر الساعدي
7 يونيو 2026
اقرأ المزيد
من نمتدحه اليوم سنهاجمه غدا لماذ ننشر غسيلنا الوسخ

من نمتدحه اليوم سنهاجمه غدا لماذ ننشر غسيلنا الوسخ

من نمتدحه اليوم سنهاجمه غدا لماذ ننشر غسيلنا الوسخ من المفارقات التي تتكرر كثيراً في…

صورة الكاتب د. عزیز جبر الساعدي
1 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


حين تنتهي الحروب… ولا تنتهي.. قراءة نقدية في نص لإبراهيم بهرزي

بقلم: د. عزیز جبر الساعدي | التاريخ: 4 مايو 2026

التصنيف: النقد الأدبي

حين تنتهي الحروب… ولا تنتهي..

قراءة نقدية في نص لإبراهيم بهرزي

 

في نصٍ مكثف ومشحون بالدلالات، يقدّم الأديب والشاعر إبراهيم بهرزي رؤية تأملية للحرب، تتجاوز توصيفها كحدث زمني إلى تفكيك بنيتها كحالة إنسانية مستمرة. فالجملة المفتاحية التي يفتتح بها نصه: “لقد انتهت الحرب… أو إن حرباً ما قد انتهت”، تكشف منذ اللحظة الأولى عن وعيٍ لغوي وفلسفي عميق، يزعزع اليقين ويستبدله بالاحتمال.

هذا التردد المقصود في العبارة لا يعكس ارتباكاً، بل يشي بإدراكٍ مرير: فالحروب لا تنتهي فعلياً، بل تتناسل، تتبدل وجوهها، وتؤجل حضورها في خرائط الزمن. ومن هنا، يضعنا الكاتب أمام حقيقة مفادها أن إعلان نهاية الحرب ليس سوى استراحة مؤقتة في سلسلة لا تنقطع.

النص يتكئ على صوتٍ سردي مثقل بالتجربة، يصل حدّ التبلّد الوجداني، كما في قوله: “فإن قلبي الميت لا يحتفي ولا يبكي”. هذه الصورة لا تعبّر عن انعدام الإحساس بقدر ما تشير إلى إنهاك داخلي سببه تكرار الفاجعة. ومع ذلك، لا يسقط النص في العدمية المطلقة، إذ يحتفظ بقدر من التعاطف الإنساني، حين يعترف بفهمه لأسباب الفرح والحزن لدى الآخرين.

ومن أبرز اشتغالات النص، استعارة “المنبئ الجوي”، التي تمثل صورة المثقف أو الإنسان الواعي الذي يقرأ “خرائط الخراب” بدقة، لكنه يقف عاجزاً عن تغيير مسارها. إنها مفارقة المعرفة بلا فعل، حيث يتحول الإدراك إلى عبء لا خلاص منه.

غير أن الرمز الأكثر حضوراً وتأثيراً هو “الطير البريء”، الذي يشكّل محور النص ودلالته العميقة. هذا الطير:

لا ينتمي إلى الحرب

لا يتورط في خطابها

يبحث عن ملاذ خارجها، في “ثقب السماء”

هنا، يتحول الطير إلى استعارة للبراءة المطلقة أو للروح التي تحاول النجاة من عالمٍ ملوث. وفي مقابل ذلك، تبدو الأرض فضاءً محروقاً، فيما تظل السماء أملاً هشّاً، لا يُنال إلا بالابتعاد.

الخاتمة تحمل نبرة تحذيرية صارمة:

“لا تأمن الإنسان أبداً”

وهي عبارة تختزل موقفاً نقدياً حاداً من الطبيعة البشرية، التي تبدو – في منظور النص – مصدراً دائماً للعنف والخراب. هذا التعميم القاسي لا يأتي من فراغ، بل من تراكم تجربة جعلت الثقة بالإنسان أمراً مستحيلاً.

في المحصلة، ينجح النص في بناء رؤية شعرية تتقاطع فيها الذاتية مع الكونية، وتتحول الحرب من واقعة سياسية إلى سؤال وجودي مفتوح:

هل يمكن للإنسان أن يتحرر من نزعة التدمير، أم أن الخلاص الوحيد يكمن في الهروب… عالياً، مثل طيرٍ يبحث عن ثقب في السماء؟

نص إبراهيم بهرزي، بهذه الكثافة، لا يكتفي بوصف ما بعد الحرب، بل يفضح وهم نهايتها، ويضع القارئ أمام مرآة قاسية لواقعٍ تتربص به حروب لا تنتهي.

د.عزيزجبر الساعدي

 

النص:

لقد انتهت الحرب

او

ان حربا ما  قد انتهت ..

هكذا تبدو العبارة اكثر صدقا .

ولاني عشت حروبا كثيرة

فان قلبي الميت لا يحتفي ولا يبكي

افهم ، رغم ذلك ، اسباب الذين يحتفون

وأسباب الذين يبكون

لكنني مثل منبيء جوي

يقرأ الخرائط

ثم ينام

ملأ جفونه عن شواردها .

وإن كان عليه ان يحتفي او يبكي

بعد هدوء الأنواء

فإنه سيفعل ذلك لاجل الطير الشارد من العصف والدخان

الطير البريء الذي لم يغرد للحرب او ينعب

والذي يدوّم عاليا ثم عاليا

بحثا عن ثقب في السماء

يقيه ِحرائق الارض .

لقد انتهت الحرب

وما بين أراض وسماوات منتهكة

تتربص حروب اخرى لا تنتهي .

ايها الطير البريء

لا تأمن الانسان ابدا

لا تآمنه نائما ولا يقظا

لا حيّا ولا ميتا

لا تغرد له ولا تنعب عليه

وامض عاليا في ثقوب السماء

ودع الارض للرماد .