حين يتحول الوجع الشخصي إلى ذاكرة تاريخية _قراءة في رواية مدن الحليب والثلج للروائية جليلة السيد

صورة الكاتب
بقلم: د. أنفال کاظم
التاريخ: 29 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3288
حين يتحول الوجع الشخصي إلى ذاكرة تاريخية _قراءة في رواية مدن الحليب والثلج للروائية جليلة السيد

 

هنالك روايات لا تبدأ من مجرد حكاية تزدحم بالاحداث بل تبدأ من جرح قديم يتسع شيئاً فشيئاً كلما حاولت الشخصيات أن تعثر على مكان آمن في الحياة لردم ثغرات ذكرياتها المؤلمة. ومن هذا النوع تأتي رواية (مدن الحليب والثلج) للروائية  البحرينية جليلة السيد، بوصفها نصا يشتغل على ثيمات الفقد، والطفولة المهدورة، والأمومة، والهجرة، والمنفى، والهوية المنشطرة، محاولا أن يضع القارئ أمام تساؤل شديد القسوة هل يستطيع الإنسان أن ينجو من ماضيه …. أم أنه يحمل ماضيه معه أينما ذهب؟

منذ الوهلة الاولى للعنوان، تقترح الرواية ثنائية لافتة للقارئ الا وهي (الحليب والثلج) الحليب يمثل الطفولة والأمومة والغذاء الأول ودفء الحضن، بينما  الثلج يمثل البرودة والغربة والمسافة والصمت وبين هذين الحيزين الدلاليين تتحرك الشخصيات وتدور  بحثاً عن مكان يشبه الوطن، وعن حياة جديدة، لكن كابوسية الماضي تبقى أكثر قدرة على ملاحقتها من قدرتها على الفرار منه. تتضمن الرواية عدة شخصيات؛

“لولوة” الشخصية الرئيسية التي انتقلت من فقد الأب إلى فقد الابنة تضعها الرواية في مركز تجربتها السردية، وهي امرأة بحرينية منشطرة الهوية، من أم سورية وأب بحريني، لكن هذا الانشطار لا يقتصر على الهوية لديها او الجغرافيا أو الأصل إذ يتحول لا ارادياً إلى انشطار وجودي …ان كيان الأب بالنسبة إلى لولوة كان أكثر من أب بل كان يجسد صورة للأمان والحب والسند لذلك فإن موته لا يمثل فقد شخص عزيز فحسب وانما يمثل سقوط العالم الآمن الذي كانت تعرفه ومن هنا تحديداً تبدأ الرواية في صناعة مأساتها الحقيقية ، فالطفلة التي فقدت أباها، لا تمنحها الحياة فرصة لتعيش حدادها ولاحتى طفولتها، بل تجد نفسها مدفوعة إلى الزواج  القسري في الخامسة عشرة من عمرها اذ تنزع مريول المدرسة وترتدي ثوب العروس المكمودة. لقد انتقلت لولوة من بيت الأب بوصفه فضاء للأمان إلى بيت الزوج بوصفه فضاء للعنف والقسوة والاضطهاد وهذه المفارقة مهمة جداً اذ تعتبر من أهم المفاتيح النفسية في الرواية. “عبد الحي” ليس مجرد زوج قاسي بل يمثل سلطة ذكورية اختزلت الزواج في الطاعة والواجب وحولت كيان المرأة إلى مجال للعقاب والسيطرة والاهانة ولعل أكثر ما يؤلم في تجربة لولوة أنها تتعلم مبكرا أن تقول (نعم)لكل شيء قبل (لا) وهكذا يصبح نعم عندها ليس تعبيرا عن الرضا وإنما لغة للنجاة. ان الفقد كان بمثابة الصدمة بالنسبة للولوة وهذه الصدمة احاطت حياتها بالكامل وامتد وجعها، وترى كاثي كاروت الناقدة الادبية الامريكية وهي من أبرز منظري الصدمة والذاكرة في النقد الأدبي ( أن التجربة الصادمة لا تُستوعب بالكامل لحظة وقوعها، وإنما قد تعود لاحقا وتستمر في التأثير في صاحبها. وهي ترى أن قصة الصدمة ليست مجرد حدث وقع وانتهى، بل أثر ممتد في حياة الإنسان)

اما بالنسبة “لجمان” فهي الابنة التي أرادت لولوة أن تعوض بها طفولتها حين انجبتها لولوة لم تنظر إليها باعتبارها ابنتها فحسب، بل باعتبارها فرصة لاستعادة الحياة التي سلبت منها فهي كانت تطمح دوماً  لابنتها ما لم تحصل عليه الا وهو الامان ، والتعليم، والاختيار، والحب، والطفولة ولهذا تصبح جمان المركز العاطفي العميق في حياة لولوة التي لم تكن تربي ابنتها فقط وإنما تحاول من خلالها أن تعيد تربية طفلتها الداخلية التي لم تجد من يحميها وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات الرواية إيلاما فلولوة التي نجت من طفولة قاسية، لن تستطيع أن تحمي طفلتها من أن تحمل جرحا خاصا بها خلق صدعا في العلاقة بين الأم وابنتها؛ لولوة تحمل الذنب وجمان تحمل الذاكرة وكل منهما تنظر بألم  إلى الحادثة من موقع مختلف ومن هنا يصبح ابتعاد جمان عن أمها أكثر تعقيدا من مجرد تمرد ابنة على أمها إنه ابتعاد مؤطر بجرح من اقرب شخص فقدت معه الشعور بالأمان وبالتالي فأن اهم ماي يميز  الرواية بأنها لا تقدم الأمومة باعتبارها حالة مثالية خالية من الأخطاء بل بتجسيدها علاقة معرضة للكبوات والانتكاسات خيبات الامل والاحباطات وتجسد حقيقة ان الحب وحده لا يكفي دائما لحماية من نحب. وهذه واحدة من أكثر نقاط القوة والنضج  في الرواية لذلك لا تبدو لولوة أما مثالية ولا أما فاشلة بل إنها أم بشرية تحمل تاريخا ثقيلا من الخوف والذنب والفقد وهذا ما يجعل الشخصية قابلة للقراءة من أكثر من زاوية بعيدا عن الأحكام الأخلاقية السريعة.

“عصام” الحب الاول الذي عاد من الحرب محملا بجراحها يمثل وجها آخر من وجوه المنفى على الرغم من إنه الحب الأول لكنه أيضا الرجل الذي عبر الحرب والقمع والخوف، ولم يعد الشخص نفسه الذي عرفته لولوة وهنا تكمن فكرة شديدة الدلالة داخل الرواية الا وهي ان الحرب لا تقتل الناس دائماً احيانا تتركهم أحياء بأجسادهم بلا ارواح بداخلهم شيء آخر تماماً لا يشبههم ، لذلك فإن تحول عصام وانخراطه في عالم التنظيم والعنف والمواجهة يضع لولوة أمام صدمة جديدة الرجل الذي ظنت أنه سيكون امتدادا لأمانها أصبح جزءا من الخطر المحدق بها وهنا يتمحور جوهر بنية الرواية  فكلما بحثت لولوة عن الأمان وجدته مهددا.. الأب مات….الزوج عنيف… الحب القديم تغير…الوطن بعيد….والمنفى لا يمنح الخلاص الكامل … والأبناء، الذين يمثلون آخر ما تبقى من معنى العائلة يصبحون مهددين بالاقتلاع منها. لا تتحرك الرواية في فضاء جغرافي واحد فهي رواية متعددة الاتجاهات البحرين، سوريا، العراق، السويد وغيرها من الامكنة التي لا تبدو مجرد خلفيات للأحداث، بل تتحول إلى علامات نفسية فكل انتقال جغرافي يحمل معه انتقالا داخليا.

فسوريا تحيل إلى الحب الأول والذاكرة.

العراق يحضر محملا بالحرب والمأساة وآثار العنف.

والسويد تظهر بوصفها الحلم بمكان أكثر أمانا وعدالة، لكنها سرعان ما تتحول إلى فضاء جديد للصراع…وهنا تقدم الرواية الهجرة لا باعتبارها رحلة من بلد إلى بلد وإنما باعتبارها رحلة من خوف إلى خوف آخر اشد وطئة فالشخصيات مهما حاولت ان تغير وجهتها وتهاجر بحثا عن حياة جديدة افضل من الواقع المعاش تحمل معها تاريخها وأوجاعها وعلاقاتها المكسورة وهذا بالفعل ينسجم بعمق مع جوهر العنوان لان مدن الثلج لا تستطيع أن تمحو ذاكرة مدن الحليب اي هو بمثابة اصطدام مفهوم الأسرة بمفهوم المؤسسة! تدخل الرواية في مساحة شائكة حين تضع الأسرة العربية المهاجرة أمام مؤسسة الرعاية الاجتماعية في السويد وهنا لا تعود القضية قضية لولوة وحدها وإنما تصبح قضية رأي عام قضية تمس الأسرة العربية وحدود قدرة الأسرة على الدفاع عن خصوصيتها وثقافتها وطريقتها في التربية. واللافت أن الرواية لا تجعل الصراع خارجيا بالكامل ولا تظهر الجانب المثالي لكل شخصية فهناك أخطاء حدثت داخل الأسرة نفسها… وهناك تاريخ نفسي معقد لجمان، وهناك تحول في شخصية عصام، وهناك سوء فهم متبادل بين الاطراف وبذلك يصبح الصراع أكثر تعقيداً و تركيباً من ثنائية بسيطة بين الخير والشر وتبلغ الرواية ذروتها المأساوية حين تنقطع أخبار جمان بعد أخذها من أمها هنا يتغير معنى الغياب فيصبح اكبر من غياب الاب وغياب الامان وغياب الأم ليتحول الى فقد نهائي لا يمكن اصلاحه . ان تعرض جمان (الابنة) للاعتداء ثم موتها إثر جرعة زائدة من المخدرات لا يأتي بوصفه حدثا صادما فحسب بل بوصفه اكتمالا لدائرة الألم التي بدأت منذ طفولة لولوة(الام) المرأة التي دفعتها الحياة إلى الزواج طفلة، والتي عاشت العنف، والتي حاولت أن تمنح ابنتها حياة أفضل، تجد نفسها في النهاية أمام جثمان ابنتها. وهنا تبلغ الرواية أقصى درجات المفارقة فلقد أمضت لولوة حياتها كلها تحاول حماية جمان من الموت لكنها لم تستطع حمايتها من الحياة المشرحة… مواجهة متأخرة مع الحقيقة

يعد مشهد المشرحة من أكثر المشاهد قابلية للتأويل في الرواية لولوة تقف أمام ابنتها الميتة، وتحمل في داخلها عتابا وأسئلة وندما لكن المفاجأة الحقيقية لا تأتي من الجثمان، وإنما من مقتنيات جمان ومذكراتها فما لم تستطع الابنة قوله لأمها في حياتها، تقوله بعد موتها وهنا تتحول المذكرات إلى صوت سردي مضاد، أو إلى حقيقة مؤجلة تكتشف لولوة أن جمان لم تكن مجرد ابنة متمردة ابتعدت عنها وإنما إنسانة تحمل حبها ووجعها وندمها الخاص إنها لحظة شديدة القسوة، لأن المعرفة وصلت متأخراً في الوقت الذي لم يعد فيه الاعتذار ممكنا وكأن الروائية تحاول ان تقول:أحيانا لا نعرف حقيقة من نحب إلا بعد أن نفقد القدرة على سؤاله. و تتحدث جوليا كريستيفا المفكرة والناقدة الادبية  البلغارية عن (الحزن العميق بوصفه هوة داخلية، وعن الفقد الذي يمكن أن يصبح حضورا داخليا مستمرا للغائب وتربط بين الكتابة وتجربة الحزن، وترى أن الكتابة عن الحزن تنبع أحيانا من قلب التجربة نفسها) فالغياب عند كريستيفيا لايكون غائبا تماما إذ يمكن أن يتحول الفقد إلى حضور داخلي دائم ومن هذا المنظور يمكن قراءة جمان بعد موتها في الرواية فغيابها الجسدي لا ينهي حضورها المعنوي بل يعيدها إلى لولوة من خلال مقتنياتها ومذكراتها، وكأن الابنة التي عجزت الأم عن فهمها في حياتها تستعيد صوتها بعد الموت.

الرواية تنفتح على أسئلة كثيرة:

من المسؤول عن الطفولة التي سلبت من لولوة؟

هل تستطيع الأم أن تمنح أبناءها حياة لم تحصل عليها؟

هل يكفي الحب كي تحمي الأسرة نفسها؟

هل الهجرة خلاص أم انتقال للألم؟

أين تنتهي سلطة المؤسسة وتبدأ سلطة الأسرة؟

ماذا يحدث للإنسان حين يعود من الحرب؟

وهل يمكن للابنة أن تسامح أمها على شيء لم تقصده؟

لهذا تبدو الرواية، في جوهرها، رواية تساؤلات وحنين وفقد، أكثر من كونها رواية أحداث سياسية أو اجتماعية فقط.

تستمد (مدن الحليب والثلج) قوتها الأساسية من كثافة مادتها الإنسانية فهي تجمع في فضائها قضايا المرأة والطفولة والعنف الأسري والهجرة واللجوء والحرب والهوية والأمومة وتفكك الأسرة ، غير أن هذا الاتساع نفسه يمثل تحديا فنياً فكلما اتسعت الأحداث و أصبح من الضروري أن يبقى الخيط النفسي للشخصيات واضحا حتى لا تتحول الرواية إلى سلسلة من الوقائع المتلاحقة وأرى أن لولوة وجمان هما الخيط الأكثر أهمية الذي ينبغي أن يقود القارئ وسط كل هذه التحولات؛ لأن قيمة الأحداث كلها تزداد حين نراها من خلال أثرها في الإنسان، لا باعتبارها أخبارا منفصلة…. في النهاية: امرأة تعود، لكن لا تعود كما كانت حيث تنتهي رحلة لولوة في البحرين، ومعها أبناؤها سيف وخالد، فيما يختفي عصام ويصبح حضوره مقتصرا على صور وأخبار عابرة، بينما تغيب جمان غيابا نهائيا  لولوة التي عادت ليست لولوة التي غادرت لقد اكتملت صورة الفقد في حياتها فقد فقدت الأب، والزوج، والحب، والوطن، ثم الابنة ومع ذلك بقيت وهنا تكمن المفارقة الأجمل والأكثر وجعاً في الرواية: أن النجاة ليست دائما حياة سعيدة أحيانا تكون مجرد القدرة على الاستمرار بعد أن يأخذ منك العالم الأشياء التي كنت تظن أنك لا تستطيع العيش من دونها.

انها ليست رواية امرأة واحدة فقط، ولا حكاية أسرة مهاجرة فحسب إنها رواية عن الإنسان حين يحاول أن يصنع وطنا من الأشخاص الذين يحبهم، ثم يكتشف أن الأشخاص، مثل الأوطان، معرضون للفقد … وفي النهاية، تبدو لولوة وكأنها تعود إلى البحرين لا لتجد الوطن، بل لتكتشف أن الوطن الذي بحثت عنه طويلا كان في الأصل ذاكرة أبيها، وحضن أمها، وطفولة جمان، وكل ما عجزت الحياة عن إبقائه إلى جوارها. وتكتسب الرواية ملامح تكاد تجعلها وثيقة أدبية للذاكرة إذ تحفظ عبر مصائر شخصياتها آثار مراحل وأحداث عاشها الإنسان العربي المعاصر وهذه إحدى نقاط قوة الرواية فالكاتبة لا تروي التاريخ بوصفه مادة جامدة، وإنما تجعله يمر عبر الجسد والبيت والعائلة والطفولة والمنفى. فالتاريخ الكبير يظهر من خلال أثره في الإنسان الصغير وهنا تتحقق معادلة فنية جميلة:الرواية توثق التاريخ، لكنها لا تكتبه من منظور المؤرخ وانما تكتبه من منظور الإنسان الذي عاش نتائجه اما على المستوى الأسلوبي تنتهج جليلة السيد لغة تقوم على اقتضاب الجملة وتكثيف المعنى، من دون أن تنزلق إلى الغموض أو التعقيد فالجمل القصيرة والمباشرة توجد في الکثير من المواضع لكنها تحمل وراء بساطتها مساحة واسعة من الدلالة، الأمر الذي يمنح السرد إيقاعا متحركا يتلاءم مع طبيعة الأحداث المتلاحقة فلا تحتاج الرواية إلى الإسهاب في وصف الانفعالات بقدر ما تترك للقارئ فرصة التقاطها من خلال الفعل والموقف والجملة الموحية وهذه التقنية تمنح النص سلاسة ووضوحا وتجعله قريبا من القارئ حتى حين يتناول موضوعات ثقيلة كالعنف، والفقد، والحرب، والهجرة، وتفكك الأسرة ومن الجدير بالاهتمام أن التكثيف اللغوي لا يأتي على حساب البعد الإنساني فالجملة المقتضبة كثيرا ما تترك أثرا يتجاوز حجمها وكأن الكاتبة تعمدت على تقليل الكلمات لتوسيع مساحة التأويل والشعور وهكذا يصبح اختزال اللغة وسيلة لاختزال المسافة الزمنية، فيما يبقى الأثر النفسي للأحداث ممتدا في وجدان الشخصية والقارئ معاً.

عن الکاتب / الکاتبة

د. أنفال کاظم
د. أنفال کاظم
روائیة . ناقدة / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


حين يتحول الوجع الشخصي إلى ذاكرة تاريخية _قراءة في رواية مدن الحليب والثلج للروائية جليلة السيد

بقلم: د. أنفال کاظم | التاريخ: 29 سبتمبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

 

هنالك روايات لا تبدأ من مجرد حكاية تزدحم بالاحداث بل تبدأ من جرح قديم يتسع شيئاً فشيئاً كلما حاولت الشخصيات أن تعثر على مكان آمن في الحياة لردم ثغرات ذكرياتها المؤلمة. ومن هذا النوع تأتي رواية (مدن الحليب والثلج) للروائية  البحرينية جليلة السيد، بوصفها نصا يشتغل على ثيمات الفقد، والطفولة المهدورة، والأمومة، والهجرة، والمنفى، والهوية المنشطرة، محاولا أن يضع القارئ أمام تساؤل شديد القسوة هل يستطيع الإنسان أن ينجو من ماضيه …. أم أنه يحمل ماضيه معه أينما ذهب؟

منذ الوهلة الاولى للعنوان، تقترح الرواية ثنائية لافتة للقارئ الا وهي (الحليب والثلج) الحليب يمثل الطفولة والأمومة والغذاء الأول ودفء الحضن، بينما  الثلج يمثل البرودة والغربة والمسافة والصمت وبين هذين الحيزين الدلاليين تتحرك الشخصيات وتدور  بحثاً عن مكان يشبه الوطن، وعن حياة جديدة، لكن كابوسية الماضي تبقى أكثر قدرة على ملاحقتها من قدرتها على الفرار منه. تتضمن الرواية عدة شخصيات؛

“لولوة” الشخصية الرئيسية التي انتقلت من فقد الأب إلى فقد الابنة تضعها الرواية في مركز تجربتها السردية، وهي امرأة بحرينية منشطرة الهوية، من أم سورية وأب بحريني، لكن هذا الانشطار لا يقتصر على الهوية لديها او الجغرافيا أو الأصل إذ يتحول لا ارادياً إلى انشطار وجودي …ان كيان الأب بالنسبة إلى لولوة كان أكثر من أب بل كان يجسد صورة للأمان والحب والسند لذلك فإن موته لا يمثل فقد شخص عزيز فحسب وانما يمثل سقوط العالم الآمن الذي كانت تعرفه ومن هنا تحديداً تبدأ الرواية في صناعة مأساتها الحقيقية ، فالطفلة التي فقدت أباها، لا تمنحها الحياة فرصة لتعيش حدادها ولاحتى طفولتها، بل تجد نفسها مدفوعة إلى الزواج  القسري في الخامسة عشرة من عمرها اذ تنزع مريول المدرسة وترتدي ثوب العروس المكمودة. لقد انتقلت لولوة من بيت الأب بوصفه فضاء للأمان إلى بيت الزوج بوصفه فضاء للعنف والقسوة والاضطهاد وهذه المفارقة مهمة جداً اذ تعتبر من أهم المفاتيح النفسية في الرواية. “عبد الحي” ليس مجرد زوج قاسي بل يمثل سلطة ذكورية اختزلت الزواج في الطاعة والواجب وحولت كيان المرأة إلى مجال للعقاب والسيطرة والاهانة ولعل أكثر ما يؤلم في تجربة لولوة أنها تتعلم مبكرا أن تقول (نعم)لكل شيء قبل (لا) وهكذا يصبح نعم عندها ليس تعبيرا عن الرضا وإنما لغة للنجاة. ان الفقد كان بمثابة الصدمة بالنسبة للولوة وهذه الصدمة احاطت حياتها بالكامل وامتد وجعها، وترى كاثي كاروت الناقدة الادبية الامريكية وهي من أبرز منظري الصدمة والذاكرة في النقد الأدبي ( أن التجربة الصادمة لا تُستوعب بالكامل لحظة وقوعها، وإنما قد تعود لاحقا وتستمر في التأثير في صاحبها. وهي ترى أن قصة الصدمة ليست مجرد حدث وقع وانتهى، بل أثر ممتد في حياة الإنسان)

اما بالنسبة “لجمان” فهي الابنة التي أرادت لولوة أن تعوض بها طفولتها حين انجبتها لولوة لم تنظر إليها باعتبارها ابنتها فحسب، بل باعتبارها فرصة لاستعادة الحياة التي سلبت منها فهي كانت تطمح دوماً  لابنتها ما لم تحصل عليه الا وهو الامان ، والتعليم، والاختيار، والحب، والطفولة ولهذا تصبح جمان المركز العاطفي العميق في حياة لولوة التي لم تكن تربي ابنتها فقط وإنما تحاول من خلالها أن تعيد تربية طفلتها الداخلية التي لم تجد من يحميها وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات الرواية إيلاما فلولوة التي نجت من طفولة قاسية، لن تستطيع أن تحمي طفلتها من أن تحمل جرحا خاصا بها خلق صدعا في العلاقة بين الأم وابنتها؛ لولوة تحمل الذنب وجمان تحمل الذاكرة وكل منهما تنظر بألم  إلى الحادثة من موقع مختلف ومن هنا يصبح ابتعاد جمان عن أمها أكثر تعقيدا من مجرد تمرد ابنة على أمها إنه ابتعاد مؤطر بجرح من اقرب شخص فقدت معه الشعور بالأمان وبالتالي فأن اهم ماي يميز  الرواية بأنها لا تقدم الأمومة باعتبارها حالة مثالية خالية من الأخطاء بل بتجسيدها علاقة معرضة للكبوات والانتكاسات خيبات الامل والاحباطات وتجسد حقيقة ان الحب وحده لا يكفي دائما لحماية من نحب. وهذه واحدة من أكثر نقاط القوة والنضج  في الرواية لذلك لا تبدو لولوة أما مثالية ولا أما فاشلة بل إنها أم بشرية تحمل تاريخا ثقيلا من الخوف والذنب والفقد وهذا ما يجعل الشخصية قابلة للقراءة من أكثر من زاوية بعيدا عن الأحكام الأخلاقية السريعة.

“عصام” الحب الاول الذي عاد من الحرب محملا بجراحها يمثل وجها آخر من وجوه المنفى على الرغم من إنه الحب الأول لكنه أيضا الرجل الذي عبر الحرب والقمع والخوف، ولم يعد الشخص نفسه الذي عرفته لولوة وهنا تكمن فكرة شديدة الدلالة داخل الرواية الا وهي ان الحرب لا تقتل الناس دائماً احيانا تتركهم أحياء بأجسادهم بلا ارواح بداخلهم شيء آخر تماماً لا يشبههم ، لذلك فإن تحول عصام وانخراطه في عالم التنظيم والعنف والمواجهة يضع لولوة أمام صدمة جديدة الرجل الذي ظنت أنه سيكون امتدادا لأمانها أصبح جزءا من الخطر المحدق بها وهنا يتمحور جوهر بنية الرواية  فكلما بحثت لولوة عن الأمان وجدته مهددا.. الأب مات….الزوج عنيف… الحب القديم تغير…الوطن بعيد….والمنفى لا يمنح الخلاص الكامل … والأبناء، الذين يمثلون آخر ما تبقى من معنى العائلة يصبحون مهددين بالاقتلاع منها. لا تتحرك الرواية في فضاء جغرافي واحد فهي رواية متعددة الاتجاهات البحرين، سوريا، العراق، السويد وغيرها من الامكنة التي لا تبدو مجرد خلفيات للأحداث، بل تتحول إلى علامات نفسية فكل انتقال جغرافي يحمل معه انتقالا داخليا.

فسوريا تحيل إلى الحب الأول والذاكرة.

العراق يحضر محملا بالحرب والمأساة وآثار العنف.

والسويد تظهر بوصفها الحلم بمكان أكثر أمانا وعدالة، لكنها سرعان ما تتحول إلى فضاء جديد للصراع…وهنا تقدم الرواية الهجرة لا باعتبارها رحلة من بلد إلى بلد وإنما باعتبارها رحلة من خوف إلى خوف آخر اشد وطئة فالشخصيات مهما حاولت ان تغير وجهتها وتهاجر بحثا عن حياة جديدة افضل من الواقع المعاش تحمل معها تاريخها وأوجاعها وعلاقاتها المكسورة وهذا بالفعل ينسجم بعمق مع جوهر العنوان لان مدن الثلج لا تستطيع أن تمحو ذاكرة مدن الحليب اي هو بمثابة اصطدام مفهوم الأسرة بمفهوم المؤسسة! تدخل الرواية في مساحة شائكة حين تضع الأسرة العربية المهاجرة أمام مؤسسة الرعاية الاجتماعية في السويد وهنا لا تعود القضية قضية لولوة وحدها وإنما تصبح قضية رأي عام قضية تمس الأسرة العربية وحدود قدرة الأسرة على الدفاع عن خصوصيتها وثقافتها وطريقتها في التربية. واللافت أن الرواية لا تجعل الصراع خارجيا بالكامل ولا تظهر الجانب المثالي لكل شخصية فهناك أخطاء حدثت داخل الأسرة نفسها… وهناك تاريخ نفسي معقد لجمان، وهناك تحول في شخصية عصام، وهناك سوء فهم متبادل بين الاطراف وبذلك يصبح الصراع أكثر تعقيداً و تركيباً من ثنائية بسيطة بين الخير والشر وتبلغ الرواية ذروتها المأساوية حين تنقطع أخبار جمان بعد أخذها من أمها هنا يتغير معنى الغياب فيصبح اكبر من غياب الاب وغياب الامان وغياب الأم ليتحول الى فقد نهائي لا يمكن اصلاحه . ان تعرض جمان (الابنة) للاعتداء ثم موتها إثر جرعة زائدة من المخدرات لا يأتي بوصفه حدثا صادما فحسب بل بوصفه اكتمالا لدائرة الألم التي بدأت منذ طفولة لولوة(الام) المرأة التي دفعتها الحياة إلى الزواج طفلة، والتي عاشت العنف، والتي حاولت أن تمنح ابنتها حياة أفضل، تجد نفسها في النهاية أمام جثمان ابنتها. وهنا تبلغ الرواية أقصى درجات المفارقة فلقد أمضت لولوة حياتها كلها تحاول حماية جمان من الموت لكنها لم تستطع حمايتها من الحياة المشرحة… مواجهة متأخرة مع الحقيقة

يعد مشهد المشرحة من أكثر المشاهد قابلية للتأويل في الرواية لولوة تقف أمام ابنتها الميتة، وتحمل في داخلها عتابا وأسئلة وندما لكن المفاجأة الحقيقية لا تأتي من الجثمان، وإنما من مقتنيات جمان ومذكراتها فما لم تستطع الابنة قوله لأمها في حياتها، تقوله بعد موتها وهنا تتحول المذكرات إلى صوت سردي مضاد، أو إلى حقيقة مؤجلة تكتشف لولوة أن جمان لم تكن مجرد ابنة متمردة ابتعدت عنها وإنما إنسانة تحمل حبها ووجعها وندمها الخاص إنها لحظة شديدة القسوة، لأن المعرفة وصلت متأخراً في الوقت الذي لم يعد فيه الاعتذار ممكنا وكأن الروائية تحاول ان تقول:أحيانا لا نعرف حقيقة من نحب إلا بعد أن نفقد القدرة على سؤاله. و تتحدث جوليا كريستيفا المفكرة والناقدة الادبية  البلغارية عن (الحزن العميق بوصفه هوة داخلية، وعن الفقد الذي يمكن أن يصبح حضورا داخليا مستمرا للغائب وتربط بين الكتابة وتجربة الحزن، وترى أن الكتابة عن الحزن تنبع أحيانا من قلب التجربة نفسها) فالغياب عند كريستيفيا لايكون غائبا تماما إذ يمكن أن يتحول الفقد إلى حضور داخلي دائم ومن هذا المنظور يمكن قراءة جمان بعد موتها في الرواية فغيابها الجسدي لا ينهي حضورها المعنوي بل يعيدها إلى لولوة من خلال مقتنياتها ومذكراتها، وكأن الابنة التي عجزت الأم عن فهمها في حياتها تستعيد صوتها بعد الموت.

الرواية تنفتح على أسئلة كثيرة:

من المسؤول عن الطفولة التي سلبت من لولوة؟

هل تستطيع الأم أن تمنح أبناءها حياة لم تحصل عليها؟

هل يكفي الحب كي تحمي الأسرة نفسها؟

هل الهجرة خلاص أم انتقال للألم؟

أين تنتهي سلطة المؤسسة وتبدأ سلطة الأسرة؟

ماذا يحدث للإنسان حين يعود من الحرب؟

وهل يمكن للابنة أن تسامح أمها على شيء لم تقصده؟

لهذا تبدو الرواية، في جوهرها، رواية تساؤلات وحنين وفقد، أكثر من كونها رواية أحداث سياسية أو اجتماعية فقط.

تستمد (مدن الحليب والثلج) قوتها الأساسية من كثافة مادتها الإنسانية فهي تجمع في فضائها قضايا المرأة والطفولة والعنف الأسري والهجرة واللجوء والحرب والهوية والأمومة وتفكك الأسرة ، غير أن هذا الاتساع نفسه يمثل تحديا فنياً فكلما اتسعت الأحداث و أصبح من الضروري أن يبقى الخيط النفسي للشخصيات واضحا حتى لا تتحول الرواية إلى سلسلة من الوقائع المتلاحقة وأرى أن لولوة وجمان هما الخيط الأكثر أهمية الذي ينبغي أن يقود القارئ وسط كل هذه التحولات؛ لأن قيمة الأحداث كلها تزداد حين نراها من خلال أثرها في الإنسان، لا باعتبارها أخبارا منفصلة…. في النهاية: امرأة تعود، لكن لا تعود كما كانت حيث تنتهي رحلة لولوة في البحرين، ومعها أبناؤها سيف وخالد، فيما يختفي عصام ويصبح حضوره مقتصرا على صور وأخبار عابرة، بينما تغيب جمان غيابا نهائيا  لولوة التي عادت ليست لولوة التي غادرت لقد اكتملت صورة الفقد في حياتها فقد فقدت الأب، والزوج، والحب، والوطن، ثم الابنة ومع ذلك بقيت وهنا تكمن المفارقة الأجمل والأكثر وجعاً في الرواية: أن النجاة ليست دائما حياة سعيدة أحيانا تكون مجرد القدرة على الاستمرار بعد أن يأخذ منك العالم الأشياء التي كنت تظن أنك لا تستطيع العيش من دونها.

انها ليست رواية امرأة واحدة فقط، ولا حكاية أسرة مهاجرة فحسب إنها رواية عن الإنسان حين يحاول أن يصنع وطنا من الأشخاص الذين يحبهم، ثم يكتشف أن الأشخاص، مثل الأوطان، معرضون للفقد … وفي النهاية، تبدو لولوة وكأنها تعود إلى البحرين لا لتجد الوطن، بل لتكتشف أن الوطن الذي بحثت عنه طويلا كان في الأصل ذاكرة أبيها، وحضن أمها، وطفولة جمان، وكل ما عجزت الحياة عن إبقائه إلى جوارها. وتكتسب الرواية ملامح تكاد تجعلها وثيقة أدبية للذاكرة إذ تحفظ عبر مصائر شخصياتها آثار مراحل وأحداث عاشها الإنسان العربي المعاصر وهذه إحدى نقاط قوة الرواية فالكاتبة لا تروي التاريخ بوصفه مادة جامدة، وإنما تجعله يمر عبر الجسد والبيت والعائلة والطفولة والمنفى. فالتاريخ الكبير يظهر من خلال أثره في الإنسان الصغير وهنا تتحقق معادلة فنية جميلة:الرواية توثق التاريخ، لكنها لا تكتبه من منظور المؤرخ وانما تكتبه من منظور الإنسان الذي عاش نتائجه اما على المستوى الأسلوبي تنتهج جليلة السيد لغة تقوم على اقتضاب الجملة وتكثيف المعنى، من دون أن تنزلق إلى الغموض أو التعقيد فالجمل القصيرة والمباشرة توجد في الکثير من المواضع لكنها تحمل وراء بساطتها مساحة واسعة من الدلالة، الأمر الذي يمنح السرد إيقاعا متحركا يتلاءم مع طبيعة الأحداث المتلاحقة فلا تحتاج الرواية إلى الإسهاب في وصف الانفعالات بقدر ما تترك للقارئ فرصة التقاطها من خلال الفعل والموقف والجملة الموحية وهذه التقنية تمنح النص سلاسة ووضوحا وتجعله قريبا من القارئ حتى حين يتناول موضوعات ثقيلة كالعنف، والفقد، والحرب، والهجرة، وتفكك الأسرة ومن الجدير بالاهتمام أن التكثيف اللغوي لا يأتي على حساب البعد الإنساني فالجملة المقتضبة كثيرا ما تترك أثرا يتجاوز حجمها وكأن الكاتبة تعمدت على تقليل الكلمات لتوسيع مساحة التأويل والشعور وهكذا يصبح اختزال اللغة وسيلة لاختزال المسافة الزمنية، فيما يبقى الأثر النفسي للأحداث ممتدا في وجدان الشخصية والقارئ معاً.