” روحًا خرجتْ من الإبرة “

صورة الكاتب
بقلم: رشا هشام
التاريخ: 26 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 3219
” روحًا خرجتْ من الإبرة “

 روحًا خرجتْ من الإبرة 

في البيتِ الذي يشبهها أكثرَ ممّا يشبهني
كانت أُمّي
تتقن خياطة القسوة كما
تنظّمُ غرز قماشٍ لا ينسى
تمسكُ الإبرةَ كأنّها تمسكُ حكمًا نافذًا
وتقول : هكذا تصبحينَ صالحةً للعالم
ولا أدري لِمَ كان العالم دائمًا
يشبهُ وخزةً مؤجّلة
أقربَ إلى إبرةٍ ،من أن يكونَ حياة
علّمتني الكروشية والخياطة
كطريقةٍ لإحصاءِ ما يتسرّبُ منّي ..
أن أدخلَ الخيط في فراغٍ صغير
وأبتسم
كأنّ الفراغ قد التئم
بينما كان يتّسعُ بهدوءٍ لا يرى
كانت الحياكة عندها
طقسًا دقيقًا لترويضِ ما لا يروّض
أن أتقنَ إغلاقَ الثقوبِ في القماش
وفي الصدر
وفي اللغة
حتى ابتسامتها !!
كانت تعلّقُ على وجهي كغرزةٍ أخيرة
تُعلّمني أن الوجعَ قد يبدو مهذّبًا
إذا أجيدَ ترتيبه على الشفاه
بعد رحيلها
بقيت الإبرة في يدي
باردةً ، كأنّها تبحثُ عن جسدٍ
لم يعد يؤمنُ بأنّ الرتقَ خلاص
اليوم !!
لم أعد تلك التي تُخاطُ لتنجو
أنا التي تفكُّ الخيوطَ واحدًا واحدًا
عن كلِّ ما حاولَ أن يعيدني إلى شكلِ الألم
ومن اقتربَ من قلبي بأذى
أعدتُ له ما تعلّمتُه كاملًا :
غرزةً لا تنسى
حدودًا لا تخترق
وروحًا خرجت من الإبرة !

عن الکاتب / الکاتبة

رشا هشام
رشا هشام
شاعرة وکاتبة/ سوریة

مقالات أخرى للكاتب

“بقلبٍ متعَبٍ”

“بقلبٍ متعَبٍ”

بقلبٍ متعَبٍ من انتظاركَ ، أستيقظ كلَّ صباحٍ كأنّي أخرج من روحي لا من نومي…

صورة الكاتب رشا هشام
7 أبريل 2026
اقرأ المزيد
“كثيرًا ما”

“كثيرًا ما”

كثيرًا ما كنتُ أزرع أزرارًا ملوّنةً في التربة خلف البيت وأنتظر أن تنمو لي فساتين…

صورة الكاتب رشا هشام
30 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


” روحًا خرجتْ من الإبرة “

بقلم: رشا هشام | التاريخ: 26 يوليو 2026

التصنيف: الشعر والنصوص الادبیة

 روحًا خرجتْ من الإبرة 

في البيتِ الذي يشبهها أكثرَ ممّا يشبهني
كانت أُمّي
تتقن خياطة القسوة كما
تنظّمُ غرز قماشٍ لا ينسى
تمسكُ الإبرةَ كأنّها تمسكُ حكمًا نافذًا
وتقول : هكذا تصبحينَ صالحةً للعالم
ولا أدري لِمَ كان العالم دائمًا
يشبهُ وخزةً مؤجّلة
أقربَ إلى إبرةٍ ،من أن يكونَ حياة
علّمتني الكروشية والخياطة
كطريقةٍ لإحصاءِ ما يتسرّبُ منّي ..
أن أدخلَ الخيط في فراغٍ صغير
وأبتسم
كأنّ الفراغ قد التئم
بينما كان يتّسعُ بهدوءٍ لا يرى
كانت الحياكة عندها
طقسًا دقيقًا لترويضِ ما لا يروّض
أن أتقنَ إغلاقَ الثقوبِ في القماش
وفي الصدر
وفي اللغة
حتى ابتسامتها !!
كانت تعلّقُ على وجهي كغرزةٍ أخيرة
تُعلّمني أن الوجعَ قد يبدو مهذّبًا
إذا أجيدَ ترتيبه على الشفاه
بعد رحيلها
بقيت الإبرة في يدي
باردةً ، كأنّها تبحثُ عن جسدٍ
لم يعد يؤمنُ بأنّ الرتقَ خلاص
اليوم !!
لم أعد تلك التي تُخاطُ لتنجو
أنا التي تفكُّ الخيوطَ واحدًا واحدًا
عن كلِّ ما حاولَ أن يعيدني إلى شكلِ الألم
ومن اقتربَ من قلبي بأذى
أعدتُ له ما تعلّمتُه كاملًا :
غرزةً لا تنسى
حدودًا لا تخترق
وروحًا خرجت من الإبرة !