نقد النقد: صمت النص وهمس المعنى

صورة الكاتب
بقلم: أ.م. أزهار سهيل عطية
التاريخ: 12 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 3331
نقد النقد: صمت النص وهمس المعنى

نقد النقد: صمت النص وهمس المعنى

رأيت المعري يطرد نقاده من قصيدته:
لست أعمى لأبصر ما تبصرون،
فإن البصيرة نور يؤدي إلى عدم، أو جنون.
— محمود درويش

قد يختلف المبدعون في الرأي، لكنهم لا يفرّطون في الجوهر؛ فالجوهر يبقى، بينما تأخذ الأيام كل زائف. إنّ النتاج الثقافي في حركة مستمرة لا تتوقف، غير أنّ ذلك لا يعني هدم القديم أو استبداله، فالمبدعون لا يتخلّون عمّا بين أيديهم، بل إنّ العبقرية هي التي تخلق أنماطًا جديدة وتحتضن المستجدات. ومن هنا، يصبح لزامًا على النقاد ودارسي الأدب التعامل مع المناهج النقدية المختلفة دون الانحياز إلى أيديولوجية أو فكرة واحدة.
الأدب تعبير عن الأشياء، أمّا النقد فهو دراسة دقيقة وثقافية لهذا التعبير؛ فالأدب إنتاج، والنقد تحليل وتأويل لذلك الإنتاج. إذن، لا شكّ في إمكانية اجتماعهما في شخص واحد، إذ يوجد داخل كل مبدع ناقدٌ يرافقه في بناء عمله، ويوجّهه داخليًا في كيفية التعامل مع ما يبدعه. فإذا كان للمبدع رسالة واحدة، فإنّ للناقد رسالتين: إحداهما تُضيء العمل الإبداعي، والأخرى تصنع طريق الإبداع نفسه. لذلك، يتعيّن على النقاد الخوض في مجالات الفلسفة، وعلم النفس، والتاريخ، والعلوم المختلفة.
ويرى بينيديتو كروتش، الفيلسوف والناقد الأدبي الإيطالي، أنّه لا يمكن الفصل بين المظهر والجمال، فهما مفهوم واحد لا ينفصل. ويؤكّد أنّ استخدام مستوى واحد في التحليل الجمالي يتطلّب معرفة سائر المستويات الأخرى، كما يرى أنّ العمل الفني كالعقل، لا يقبل الانقسام، فالفن هو الشكل والمضمون في آنٍ واحد.
كما صاغ الفيلسوف والناقد الأدبي الروسي ميخائيل باختين نظريته حول الارتباط بين السمات الفنية الأدبية والعناصر الأيديولوجية في الرواية، ملغيًا بذلك التقسيم بين الشكل والمضمون. ولم يُغفل الأبعاد التاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية المحيطة بالنص الروائي، بل رأى أنّ هذه الأبعاد هي التي تشكّل الحوار داخل الرواية، وتحقق تعدد الأصوات، واختلاف الأيديولوجيات التي تقود إلى بؤرة الصراع.
ونظرًا إلى أنّ بعض مناهج النقد المختلفة تسعى إلى تهميش التمثلات الجمالية أو إنكار الرؤية الذاتية، تبرز مجموعة من القضايا عند التعامل مع النصوص الأدبية. أولًا، لا يوجد منهج نقدي واحد قادر على الإحاطة بجميع الظواهر الأدبية، سواء أكان قائمًا على معطيات علمية دقيقة أم غير ذلك. ثانيًا، تقع بعض المناهج النقدية الحديثة في مآزق العجز عن تفكيك الظاهرة الأدبية، إذ قد لا تكون النظرية النقدية قادرة على تحليل النص، أو قد لا يكون المنهج نفسه مناسبًا لطبيعته. وبوجه عام، تُعدّ المناهج السياقية، والنصية، والأكاديمية، والتأثيرية مكملةً لبعضها بعضًا، غير أنّ الوصول الكامل إلى الظاهرة الأدبية يظل أمرًا معقّدًا، لأنه يتطلّب فهمًا عميقًا لأساسيات النقد، وبناءً معرفيًا يمكّن الناقد من الإحاطة بمحيط النص، مع ضرورة إخضاعه لرؤية ناقد مسؤول وموثوق.
في كل منهج مركز حركة يدور حول جوهر العمل الإبداعي، وقد يميل أحيانًا إلى الإفراط في التركيز على بنية النص. ومن هنا، تبقى عملية النقد موضع نقاش في تحديد نقطة الدخول إلى الظاهرة الأدبية. ويزعم معارضو النقد أنهم يحبّون الأدب ويدافعون عنه، غير أنّ الصمت تجاه العمل الفني لا يشكّل حماية له. فالنقد الدقيق يدافع عن العمل الفني ضدّ الأعمال غير المكتملة، ويسهم في الكشف عن أفكار قد تبقى خفيّة عن القارئ العادي. وبذلك، لا يوجد منهج كامل أو نهائي لتفسير النص الأدبي تفسيرًا شاملًا يحقق معناه بكل إجراءات تكوينه، كما أنّ التطرّف في اعتماد منهج واحد واعتباره الطريق الأمثل يُعدّ موقفًا غير علمي وغير أخلاقي.
إنّ النقد الأدبي، بوصفه فعلًا معرفيًا، لا يمكن أن يُختزل في منهج واحد أو رؤية مغلقة، لأنّ النص الأدبي بطبيعته كيان مركّب ومتعدّد الأبعاد. ومن هنا، يغدو النقد التكاملي خيارًا واعيًا يتجاوز محدودية الأحادية المنهجية، ويؤسس لقراءة أكثر اتساعًا ومرونة. فالتعامل المسؤول مع النص يقتضي الإفادة من المناهج المختلفة دون الوقوع في أسر أيٍّ منها. إنّ الانفتاح المنهجي لا يُضعف النقد، بل يمنحه قدرته الحقيقية على الكشف، ويجعل منه ممارسة علمية وأخلاقية في آنٍ واحد.

 

عن الکاتب / الکاتبة

أ.م. أزهار سهيل عطية
أ.م. أزهار سهيل عطية
كاتبة وناقدة/ العراق . الكلية التربوية المفتوحة. مركز الانبار الدراسي

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نقد النقد: صمت النص وهمس المعنى

بقلم: أ.م. أزهار سهيل عطية | التاريخ: 12 أبريل 2026

التصنيف: الأدب

نقد النقد: صمت النص وهمس المعنى

رأيت المعري يطرد نقاده من قصيدته:
لست أعمى لأبصر ما تبصرون،
فإن البصيرة نور يؤدي إلى عدم، أو جنون.
— محمود درويش

قد يختلف المبدعون في الرأي، لكنهم لا يفرّطون في الجوهر؛ فالجوهر يبقى، بينما تأخذ الأيام كل زائف. إنّ النتاج الثقافي في حركة مستمرة لا تتوقف، غير أنّ ذلك لا يعني هدم القديم أو استبداله، فالمبدعون لا يتخلّون عمّا بين أيديهم، بل إنّ العبقرية هي التي تخلق أنماطًا جديدة وتحتضن المستجدات. ومن هنا، يصبح لزامًا على النقاد ودارسي الأدب التعامل مع المناهج النقدية المختلفة دون الانحياز إلى أيديولوجية أو فكرة واحدة.
الأدب تعبير عن الأشياء، أمّا النقد فهو دراسة دقيقة وثقافية لهذا التعبير؛ فالأدب إنتاج، والنقد تحليل وتأويل لذلك الإنتاج. إذن، لا شكّ في إمكانية اجتماعهما في شخص واحد، إذ يوجد داخل كل مبدع ناقدٌ يرافقه في بناء عمله، ويوجّهه داخليًا في كيفية التعامل مع ما يبدعه. فإذا كان للمبدع رسالة واحدة، فإنّ للناقد رسالتين: إحداهما تُضيء العمل الإبداعي، والأخرى تصنع طريق الإبداع نفسه. لذلك، يتعيّن على النقاد الخوض في مجالات الفلسفة، وعلم النفس، والتاريخ، والعلوم المختلفة.
ويرى بينيديتو كروتش، الفيلسوف والناقد الأدبي الإيطالي، أنّه لا يمكن الفصل بين المظهر والجمال، فهما مفهوم واحد لا ينفصل. ويؤكّد أنّ استخدام مستوى واحد في التحليل الجمالي يتطلّب معرفة سائر المستويات الأخرى، كما يرى أنّ العمل الفني كالعقل، لا يقبل الانقسام، فالفن هو الشكل والمضمون في آنٍ واحد.
كما صاغ الفيلسوف والناقد الأدبي الروسي ميخائيل باختين نظريته حول الارتباط بين السمات الفنية الأدبية والعناصر الأيديولوجية في الرواية، ملغيًا بذلك التقسيم بين الشكل والمضمون. ولم يُغفل الأبعاد التاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية المحيطة بالنص الروائي، بل رأى أنّ هذه الأبعاد هي التي تشكّل الحوار داخل الرواية، وتحقق تعدد الأصوات، واختلاف الأيديولوجيات التي تقود إلى بؤرة الصراع.
ونظرًا إلى أنّ بعض مناهج النقد المختلفة تسعى إلى تهميش التمثلات الجمالية أو إنكار الرؤية الذاتية، تبرز مجموعة من القضايا عند التعامل مع النصوص الأدبية. أولًا، لا يوجد منهج نقدي واحد قادر على الإحاطة بجميع الظواهر الأدبية، سواء أكان قائمًا على معطيات علمية دقيقة أم غير ذلك. ثانيًا، تقع بعض المناهج النقدية الحديثة في مآزق العجز عن تفكيك الظاهرة الأدبية، إذ قد لا تكون النظرية النقدية قادرة على تحليل النص، أو قد لا يكون المنهج نفسه مناسبًا لطبيعته. وبوجه عام، تُعدّ المناهج السياقية، والنصية، والأكاديمية، والتأثيرية مكملةً لبعضها بعضًا، غير أنّ الوصول الكامل إلى الظاهرة الأدبية يظل أمرًا معقّدًا، لأنه يتطلّب فهمًا عميقًا لأساسيات النقد، وبناءً معرفيًا يمكّن الناقد من الإحاطة بمحيط النص، مع ضرورة إخضاعه لرؤية ناقد مسؤول وموثوق.
في كل منهج مركز حركة يدور حول جوهر العمل الإبداعي، وقد يميل أحيانًا إلى الإفراط في التركيز على بنية النص. ومن هنا، تبقى عملية النقد موضع نقاش في تحديد نقطة الدخول إلى الظاهرة الأدبية. ويزعم معارضو النقد أنهم يحبّون الأدب ويدافعون عنه، غير أنّ الصمت تجاه العمل الفني لا يشكّل حماية له. فالنقد الدقيق يدافع عن العمل الفني ضدّ الأعمال غير المكتملة، ويسهم في الكشف عن أفكار قد تبقى خفيّة عن القارئ العادي. وبذلك، لا يوجد منهج كامل أو نهائي لتفسير النص الأدبي تفسيرًا شاملًا يحقق معناه بكل إجراءات تكوينه، كما أنّ التطرّف في اعتماد منهج واحد واعتباره الطريق الأمثل يُعدّ موقفًا غير علمي وغير أخلاقي.
إنّ النقد الأدبي، بوصفه فعلًا معرفيًا، لا يمكن أن يُختزل في منهج واحد أو رؤية مغلقة، لأنّ النص الأدبي بطبيعته كيان مركّب ومتعدّد الأبعاد. ومن هنا، يغدو النقد التكاملي خيارًا واعيًا يتجاوز محدودية الأحادية المنهجية، ويؤسس لقراءة أكثر اتساعًا ومرونة. فالتعامل المسؤول مع النص يقتضي الإفادة من المناهج المختلفة دون الوقوع في أسر أيٍّ منها. إنّ الانفتاح المنهجي لا يُضعف النقد، بل يمنحه قدرته الحقيقية على الكشف، ويجعل منه ممارسة علمية وأخلاقية في آنٍ واحد.