(وحدة الوجود) من محي الدين ابن عربي إلىٰ باروخ سبينوزا ..

صورة الكاتب
بقلم: د. علي أحمد جديد
التاريخ: 11 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 3560
(وحدة الوجود) من محي الدين ابن عربي إلىٰ باروخ سبينوزا ..

(وحدة الوجود) من
محي الدين ابن عربي
إلىٰ باروخ سبينوزا ..

لأنّ ظاهرة التصوّف ظاهرة عالميّة عابرة للأديان وللزمان والمكان ، فهي تجربة ذاتيّة فرديّة ، كمذهب روحيّ يتمثّل في كلّ الديانات ، وفيها يسعى المتصوِّف لاكتشاف المعرفة الغنوصية ليكون (العارف) لحقيقية الوجود وجوهره من خلال تصفية القلب ، والتأمّل ، والتخلّي عن رغبات الجسد وشهواته ، وعن كلّ العيوب الإنسانية والنقائص الأخلاقيّة ، للتحلّي بالفضائل والتواضع ، والتقشّف ، والزهد .
وباستعراض عناصر التشابه ، والاختلاف في التصوّف المعرفي (الغنوصي) عند الديانات السماوية الثلاث ، نَجِدُ مُشتَرَكاً موجوداً عند متصوّفي الديانات الثلاث ، ويظهر ذلك من خلال ممارسة بعض الطقوس من الناحية الظاهرية ، سواء في طقوس الذِكر والإنشاد التي يركّز فيها الشخص المتصوّف علىٰ كلمات معينّة ، ويردّدها تكراراً حتّىٰ يصل إلىٰ ذروة الشعور .
أو في طقوس التأمّل الذي يتمّ بالتركيز على ترديد كلمةٍ معيّنة وتكرارها وفق نغمات معيّنة . فمتصوّفة الديانة اليهودية ، مثلاً ، يركّزون علىٰ اسم الرب (يَهْوَه) ، ومتصوّفة الديانة المسيحيّة يركّزون علىٰ اسم السيدة(مريم العذراء) ، أو علىٰ عبارة (أبانا الذى في السموات) ، أمّا المتصوّفة من المسلمين فيركّزون علىٰ اسم (الله) أو علىٰ (الصلاة على محمّد وآل محمّد) مع استخدام التنفّس العميق المنتظم في شهيقه وزفيره . وقد يكون التركيز التأمّليّ علىٰ الصِدقية الروحيّة عند المتصوّفين اليهود في (القَبّالة الحسيدية) ، أو تلك التي يتمّ التركيز فيها لدىٰ غير اليهود علىٰ المشاعر التي يثيرها وجود الربّ ، أو السيد المسيح عليه السلام ، أو حضرة الرسول الأكرم (محمّد صلّى الله عليه وآله) .
وفي طقوس التلاوة ، ثمّة اشتراك ، أيضاً ، بين متصوّفي الديانات الثلاث في قراءة الأذكار ، أو تلاوة الكتب المقدّسة ، علىٰ أن تكون القراءة صامتة أو بصوت جهوريّ ، وعلىٰ تكرار كلمة واحدة أو عبارة واحدة أثناء القراءة أو التلاوة . وهناك ما يشبه الاتّفاق الضمني علىٰ أنّ القراءة الصامتة هي الطريق الأسلم إلىٰ القلب وإلىٰ تنمية الحسّ الذي من خلاله يمكن الحصول علىٰ النور والتقرّب من الربِّ الأعلىٰ .
ومن خلال استعراض جوانب الطقوس نجد تجانساً بين متصوّفي الديانات الثلاث علىٰ مستوى ممارسة فعل الطقوس ، ولكنّه يختلف علىٰ مستوى الكيفيّات ، إذْ يتفرّع عن ذلك عدّة مفاهيم :
* – مفهوم الخلوة :
لأنّ مفهوم الخلوة ذو أصلٍ دينيّ عند متصوّفي الديانات الثلاث ، فقد اعتكف الأنبياء بعيداً عن أعين الناس للتأمل والصلاة ، ومناجاة الله ، سواء (موسىٰ) في طور سيناء ، أو السيد (المسيح) علىٰ جبل الزيتون ، أو النبي (محمد) في غار حراء . وبذلك ينسجم مفهوم الخلوة لدىٰ المتصوّفين ، وغالباً ما يدّل إلىٰ رمزيّة تعني الانعزال عن الناس ، والتأمّل في ذات الله وفي خلقه . وباعتبار أنّ لها منافع عديدة ، فهي تُنعش الروح وعلىٰ قَدر اتّساع الصحارىٰ والجبال ، تتّسع آفاق النفس ومعها القلب والفكر ، وهي الدلالة التي نجدها ماثلة عند مُتصوّفي الديانات الثلاث .
* – مفهوم (وحدة الوجود) الذي يعني المماثلة بين الله وبين الوجود ، فالله والوجود هما واحد ، الله هو كلّ شيء وكلّ شيء هو الله ، والله هو الكون والكون هو الله ، ووجود الله يسري في كلّ شيء . وهذا المفهوم متّفق عليه من قبل المتصوّفين في الديانات الثلاث ، وبصورة خاصة عند “سبينوزا” و و”ابن عربي” ، وكذلك عند “الحلّاج” ، كما هي عند “ليكهارت” الذي يؤكّد على أنّ اللـٰه هو المتعالي فوق الوجود . ويحاول المتصوّفون استحضار ذلك الموجود المتعالي الذي هو (اللـٰه) ، ولكن تختلف النظرة إلى (وحدة الوجود) باعتبار أنّ اللـٰه ماثل في الطبيعة على سبيل الدوام ، أو أنه قد يكون مفارقاً للطبيعة لكنّه يتجلى للموجودات ، وتلك هي نظرة المتصوّفين المسلمين .
* – في مفهوم الحبّ أو العشق الإلهيّ فإنَّ اللـٰه هو الموضوع الأوّل لفضيلة المحبّة عند متصوّفي الديانات الثلاث ، باعتباره واجب الوجود ، و ذي الصفات الكماليّة الثبوتيّة والسلبيّة غير المتناهية ، التي تكشف لنا عن الجمال والرحمة والعدالة الإلهيّة ، ولذلك فهو المحبوب و نور الأنوار وأصل الموجودات ، والكلّ يتّجه إليه . فالعشق الإلهيّ له طابع فرديّ داخليّ في التجربة الصوفيّة الإسلاميّة تحديداً ، وهو الحبّ المتسامي بين الإنسان والوجود ، وهو الفناء في ذات اللـٰه ، والاتّحاد فيه والاتّصال بنوره ، والوصول لمقام الشهود . أما العشق الإلهيّ في التجربة الصوفيّة المسيحيّة فهو المحبّة ، والإيمان والرجاء ، والوصول إلى نور اللـٰه . والعشق الإلـٰهيّ عند (القَبّالة) اليهود المتصوّفين يرتكز على أنّهم قَبّاليون مخلوقون من روح الربّ ، التي تؤكد على حلول الربّ في شعبه (المختار) .

وبالتالي فإن الكلّ يتّجه إلى الربّ (يَهْوَه) نور الأنوار ، يتوحد به ويشاركه في المعرفة وفي وضع أقدار الآخرين ، وبذلك يكون المتصوّف الحقيقي في الديانة اليهودية غنوصيـاً قَبَّـاليـاً (عـارفـاً) ، إلّا أنّها تبدو نظرة متعالية لأنّهم وطبقاً لتعاليم “التـلمـود” اليهودي المُقَدَّس بأنّهم من روح الربّ ، وبقية الأرواح هي من أرواح الشياطين (الأغيـار) .
ومفهوم حلولية الرَبّ في اليهودي المختار أو الاتّحاد مع الرَبّ فهو هدف المتصوّفين اليهود ، وأغلب المسيحيّين ، ولكنّه يمرُّ عند المتصوّفين المسيحيّين عبر ثلاث فضائل أساسيّة التي هي (الإيمان ، والمحبّة ، والرجاء) ، إذ يقول “المونسينيور غي” :
“بالإيمان يصبح نـور اللـٰه نـورنا ، وحـكـمتـه حـكـمـتنا ، وعمـلـه عمـلـنا ، وروحـه روحـنا” .
ويكون الاتّحاد باللـٰه في التصوّف المسيحيّ من خلال الاتّحاد بالأقانيم الثلاثة التي تقوم عليها أسس الديانة المسيحية :
“الآب ، والابن ، والروح القدس”
وقد يكون الاتّحاد مع اللـٰه بعيداً عن هذه الأقانيم الثلاثة ، وإنّما هو اتّحاد واحد بسيط يتعالىٰ على قسمة الأقانيم طبقاً لأقوال “ليكهارت” .
أمّا الاتصال باللـٰه تعالىٰ في التصوّف الإسلاميّ فهو اتصال شهوديّ “عرفانيّ” ، حسب القاعدة الغنوصية ، وعبر الأنوار والإشراقات والفيوضات التي فيها تجليّات الصفات الإلـٰهيّة ، وعبر الحب الإلـٰهيّ . من هنا نجد أنّ مفهوم الحب الإلـٰهيّ قد يتّفق من جانب ، ويختلف من جانب آخر بالنسبة للمتصوّفين المسيحيّين والمسلمين .
والتجربة الصوفيّة في بحثها عن الإلـٰه المقدّس ، وتجليّاته في الكون وفي الإنسان ، لا تختلف كثيراً بين المتصوّفين من الديانات السماويّة الثلاث ، إذ نجدها متشابهةً في التجارب الروحيّة تبعاً لثقافات دينيّة وإشراقيّة هنديّة وفارسية ، وهي ذات طابع فرديّ داخليّ و وجدانيّ ، حيث أنّ العاطفة الجيّاشة تمثّل أساس التجربة الصوفيّة ، فتتجلّى نار العشق الإلـٰهيّ في أبهىٰ صورها عند متصوّفي العشق الإلـٰهي الخالص والمتجرد عن البحث أو المعرفة الفلسفية أمثال رابعة العدوية التي يقول عنها المستشرق الفرنسي “ماسينيون” :
“كانت السابقة إلى وضع قواعد الحب والحزن في هيكل التصوف الإسلامي ، وهي التي تركت في الآثار الباقية نفثات صادقة في التعبير عن محبتها وعن حزنها” .

يا طبيب القلب يا كل المنىٰ
جُدْ بوَصلٍ منك يشفي مهجتي
يا سروري وحياتي دائماً
نشأتي منك وأيضاً نشوتي
قد هجرت الخلق جميعاً أرتجي
منك وصلاً فهل أقضي أمنيتي

والعشق الإلـٰهي غير قابل للصياغة في تصوّرات الصوفيين الآخرين لأن التجربة الصوفيّة يصعب وصفها وصفاً دقيقاً باللغة المتداولة ، حسب القول :
(إذا اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة). ولذلك يستخدم المتصوّفون الرمز أو المجاز في تخاطباتهم الصوفيّة ، لأن الصوفيّة تتجاوز حدود المكان والزمان ، وشعور المتصوّف بالخلود أثناء تجربته الصوفيّة يكون في لحظة غير زمانيّة ، لأنّ النفس لا تبلغ حالة الاستغراق والتصوّف إلا بعد أن تتجاوز الزمان الآنيّ الأزليّ . وفي هذا الصدد يقول “ليكهارت” :
“النفس كلّما ارتقت إلى الأعلى ، واتّحدت بالرَبّ ، لا تَعي الأمس أو اليوم أو الغد ، فالأزل لا يوجد فيه إلّا (آن) فقط” .
كما تتمثل السِمة المشترَكة عند المتصوّفين في إنكارهم الأدلّة والبراهين على وجود حقيقة خارجيّة تتجاوز ذاتيتهم . وفكرة التوحدية أو (وحدة الوجود) مذهب فلسفي عند كثيرين من فلاسفة الصوفية أشهرهم (محي الدين بن عربي) الذي يعتمد المذهب القائل :
“إن الله والطبيعة حقيقة واحدة ، وإن الله هو الوجود الحق”
ويعتبر الله صورة هذا العالم المخلوق ، أما مجموع المظاهر المادية فهي تعلن عن وجود الله دون أن يكون لها وجود قائم بذاته .
وهي الفكرة التي تبدأ بالفلسفة الأفلاطونية المُحدَثَة وفلسفة الرواقيين . ويَعتبرُ بعض علماء أهل السنة والجماعة وعلى رأسهم (ابن تيمية) :
“أن من يعتقد بوحدة الوجود زنديق خارج من دين الإسلام” .
ولما نادى بعض فلاسفة الغرب بوحدة الوجود من أمثال (سبينوزا وهيغيل) ، كان أهل فكرة (وحدة الوجود) يعتقدون أنه لا وجود إلا الوجود الواجب ، وهو وجود واحد لا يتعدد ، أما العالم فهو موجودٌ بنفس وجود الله تعالى ، لا بإيجاده . بمعنى أن العالم إنما هو صورة ومظهر للوجود الإلـٰهي ، ولا يمكن أن يحدث وجود العالم بعد عدمه ، بل الحادث عندهم إنما هو صورة العالم بعد عدمها ، والصورة عين المظهر الإلـٰهي ، ولذلك يقولون :
“إن اللـٰه تعالى لا يتجلىٰ لغير نفسه” .
وفكرة (الواحدية أو وحدة الوجود) هي الاعتقاد أن الكون الموجود والألوهية حقيقة واحدة . والواحدية هي ترجمة للمصطلح اليوناني “Pantheism” الذي يعني :

“الـكـل هو اللـٰه”
إذاً ، فإن (الواحدية) ترمز إلى فكرة واحدية “اللـٰه” سبحانه وتعالىٰ كعملية مرتبطة بالكون . وقد تعددت مذاهب الواحدية وكان منها على سبيل المثال لا الحصر “الواحدية المادية ، والواحدية الروحية , والواحدية المتجلية ..” .
إلا أن الأفكار المشتركة عند (سبينوزا) تنظر إلىٰ العالم ككل واحد مع نظرةِ توقيرٍ له وتَقديسٍ للكون وللطبيعة . وقال بفكرة (وحدة الوجود) فلاسفة قدماء مثل الفيلسوف اليوناني “هيراقليطس” الذي يرى بأن اللـٰه – سبحانه وتعالى – نهار وليل ، صيف وشتاء ، وِفرَة وقِلَّة ، جامد وسائل ، وهو كالنار المعطَّرة التي تسمىٰ باسم العطر الذي يفوح منها . والنار هي النور والتطهير
– كما يرى سبينوزا – وهـٰذا مايعتمده “عبدة الشيطان” الذين يقولون :
” إن الشيطان مَخلوقٌ من نار ولايموت ، وذلك يعني أنه هو الذي ينشر النور بناره الذاتية ، وأنه خالد لايُقهَر وعَصيّ على الموت . رفض السجود لمخلوق أدنىٰ منه (آدم) المخلوق من طين ، والمقهور بالموت” .
وتقول الديانة الهندوسية الهندية عن الوجود :
” إن الكونَ كله ليس إلا ظهوراً للوجود الحقيقي ، وإن الروح البشرية جزء من الروح العليا وهي كالآلهة ، سرمديةٌ غير مخلوقة” . كما يقول (محي الدين بن عربي) بفكرة وحدة الوجود .
وفي القرن السابع عشر الميلادي ظهرت مقولة “وحدة الوجود” لدى الفيلسوف اليهودي (سبينوزا) ، الذي أخذها عن آراء (ابن عربي) في وحدة الوجود من خلال اطِّلاعه على أعمال الطبيب والفيلسوف اليهودي مؤسِّس فكر القَبَّالَة اليهودية وفيلسوف المعرفة الغنوصية (موسى بن ميمون) . ولا يخفي (سبينوزا) اليهودي الهولندي إعجابه بأفكار الفيلسوف الإيطالي (برونو) المسيحي الذي مات حرقاً في مرحلة “محاكم التفتيش” وخاصة تلك الأفكار التي تتعلق بوحدة الوجود .
وفي القرن التاسع عشر الميلادي عادت تنتشر فكرة (وحدة الوجود) على ألسنة بعض الشعراء الغربيين مثل (بيرس شيلي 1792 – 1822م الذي يقول بأن الرَبَّ ، كما يراه في رأيه :
“هو البسمة الجميلة على شفتيّ طفل جميل باسم ، وهو النسائم العليلة التي تنعشنا ساعة الأصيل ، وهو الإشراقة المتألقة بالنجم الهادي في ظلمات الليل ، وهو هذه الورود اليانعة تتفتح وكأنها ابتسامات شفاه جميلة . إن الربّ هو الجمال أينما وُجِد ..” .
وهذا يؤكد أن فلسفة (وحدة الوجود) قديمة جداً ، وأنها كانت قائمة بشكل عند اليونانيين القدماء ، كما كانت في الهندوسية الهندية ، وفي الفلسفة الزارادشتية ، وانتقلت بعد ذلك إلى بعض المتصوّفة المسلمين كان من أبرزهم (محي الدين ابن عربي ، وشرف الدين ، وابن سبعين ، وعفيف الدين التلمساني ، وابن الفارض) ، ثم انتشرت في الغرب الأوروبي على يد فيلسوف الغنوصية المسيحية (برونو) ، و(سبينوزا) اليهودي . وكان من أبرز الشخصيات الشيخ (محي الدين بن عربي) 560هـ – 638هـ الذي هو أحد أبرز مشاهير الصوفية ، وقد عُرِفَ بلقب الشيخ الأكبر بعد مَرَضٍ أَلَمَّ به فكان تَحوّلَ حياته وانقلابه إلىٰ زاهدٍ منقطعٍ للعبادة والخلوة ، مُتنقٌِلٍ بين مدن الأندلس المختلفة وبين شمالي إفريقية بصحبة عدد من شيوخ الصوفية ، حيث كتب كتابه (الإسراء إلى مقام الأسرى) ، ثم لزم البيت الحرام لعدد من السنوات ، وألَّف في تلك الفترة كتابه التصوفي (تاج الرسائل وروح القدس) ، ليبدأ سنة 598 هـ بكتابة مُؤلَّفِه الضخم (الفتوحات المكية).
واستقر في دمشق لدى عائلة (ابن الزكي) عند الأسرة الأيوبية الحاكمة بعد أن وَجَّهَ إليه الفقهاء سهام النقد والتجريح ، والاتهام بالكفر والزندقة . وفي تلك الفترة ألّف كتابه (فصوص الحِكَم) وأكمل كتابه (الفتوحات المكية) ، وتوفي في دار القاضي (ابن الزكي) سنة 638هـ ليُدفَن في مقبرة العائلة علىٰ سفح جبل قاسيون .
تتلخص نظرية (ابن عربي) في (وحدة الوجود) بإنكاره لعالَم الظاهر ولا يعترف بالوجود الحقيقي إلا للـٰه تعالىٰ ، ويرىٰ الخلق مجرد ظلال للوجود الحق فلا موجود إلا اللـٰه سبحانه وهو وحده الوجود الحق :
“سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها” .
ويقول مبيناً في إثبات (وحدة الوجود) وفي أن اللـٰه يحوي في ذاته كل المخلوقات :

يا خالقَ الأشياء في نفسه
أنت لِما تَخلقُ جامِعُ
تخلق ما لا ينتهي كونُهُ
فيكَ فأنتَ الضيِّقُ الواسِعُ

وبناءً على هـٰذا التصور فقد فسّرَ خصومُه ذلك بأنه :
“ليس هناك خَلْقٌ ولا موجودٌ من عدم ، بل مجرد فيضٍ وتجلٍّ . ومادام الأمر كذلك ، فلا مجال للحديث عن عِلّة أو غاية ، وإنما يسير العالم وِفقَ ضرورةٍ مطلَقَة ، ويخضع لحتمية وجبرية صارمة . وهذا العالَم ليس فيه خير وشر ، ولا قضاء وقَدَر ، ولا حرية أو إرادة . ومن ثم لا حساب ولا مسؤولية ، ولا ثواب ولا عقاب ، بل الجميع في نعيم مقيم . والفرق بين الجنة والنار إنما هو في المرتبة فقط لا في النوع . وأكّدوا على تفسيرهم بقوله في الجبر الذي هو من نتائج فساد مذهبه :

“الـكـل هو اللـٰه”
إذاً ، فإن (الواحدية) ترمز إلى فكرة واحدية “اللـٰه” سبحانه وتعالىٰ كعملية مرتبطة بالكون . وقد تعددت مذاهب الواحدية وكان منها على سبيل المثال لا الحصر “الواحدية المادية ، والواحدية الروحية , والواحدية المتجلية ..” .
إلا أن الأفكار المشتركة عند (سبينوزا) تنظر إلىٰ العالم ككل واحد مع نظرةِ توقيرٍ له وتَقديسٍ للكون وللطبيعة . وقال بفكرة (وحدة الوجود) فلاسفة قدماء مثل الفيلسوف اليوناني “هيراقليطس” الذي يرى بأن اللـٰه – سبحانه وتعالى – نهار وليل ، صيف وشتاء ، وِفرَة وقِلَّة ، جامد وسائل ، وهو كالنار المعطَّرة التي تسمىٰ باسم العطر الذي يفوح منها . والنار هي النور والتطهير
– كما يرى سبينوزا – وهـٰذا مايعتمده “عبدة الشيطان” الذين يقولون :
” إن الشيطان مَخلوقٌ من نار ولايموت ، وذلك يعني أنه هو الذي ينشر النور بناره الذاتية ، وأنه خالد لايُقهَر وعَصيّ على الموت . رفض السجود لمخلوق أدنىٰ منه (آدم) المخلوق من طين ، والمقهور بالموت” .
وتقول الديانة الهندوسية الهندية عن الوجود :
” إن الكونَ كله ليس إلا ظهوراً للوجود الحقيقي ، وإن الروح البشرية جزء من الروح العليا وهي كالآلهة ، سرمديةٌ غير مخلوقة” . كما يقول (محي الدين بن عربي) بفكرة وحدة الوجود .
وفي القرن السابع عشر الميلادي ظهرت مقولة “وحدة الوجود” لدى الفيلسوف اليهودي (سبينوزا) ، الذي أخذها عن آراء (ابن عربي) في وحدة الوجود من خلال اطِّلاعه على أعمال الطبيب والفيلسوف اليهودي مؤسِّس فكر القَبَّالَة اليهودية وفيلسوف المعرفة الغنوصية (موسى بن ميمون) . ولا يخفي (سبينوزا) اليهودي الهولندي إعجابه بأفكار الفيلسوف الإيطالي (برونو) المسيحي الذي مات حرقاً في مرحلة “محاكم التفتيش” وخاصة تلك الأفكار التي تتعلق بوحدة الوجود .
وفي القرن التاسع عشر الميلادي عادت تنتشر فكرة (وحدة الوجود) على ألسنة بعض الشعراء الغربيين مثل (بيرس شيلي 1792 – 1822م الذي يقول بأن الرَبَّ ، كما يراه في رأيه :
“هو البسمة الجميلة على شفتيّ طفل جميل باسم ، وهو النسائم العليلة التي تنعشنا ساعة الأصيل ، وهو الإشراقة المتألقة بالنجم الهادي في ظلمات الليل ، وهو هذه الورود اليانعة تتفتح وكأنها ابتسامات شفاه جميلة . إن الربّ هو الجمال أينما وُجِد ..” .
وهذا يؤكد أن فلسفة (وحدة الوجود) قديمة جداً ، وأنها كانت قائمة بشكل عند اليونانيين القدماء ، كما كانت في الهندوسية الهندية ، وفي الفلسفة الزارادشتية ، وانتقلت بعد ذلك إلى بعض المتصوّفة المسلمين كان من أبرزهم (محي الدين ابن عربي ، وشرف الدين ، وابن سبعين ، وعفيف الدين التلمساني ، وابن الفارض) ، ثم انتشرت في الغرب الأوروبي على يد فيلسوف الغنوصية المسيحية (برونو) ، و(سبينوزا) اليهودي . وكان من أبرز الشخصيات الشيخ (محي الدين بن عربي) 560هـ – 638هـ الذي هو أحد أبرز مشاهير الصوفية ، وقد عُرِفَ بلقب الشيخ الأكبر بعد مَرَضٍ أَلَمَّ به فكان تَحوّلَ حياته وانقلابه إلىٰ زاهدٍ منقطعٍ للعبادة والخلوة ، مُتنقٌِلٍ بين مدن الأندلس المختلفة وبين شمالي إفريقية بصحبة عدد من شيوخ الصوفية ، حيث كتب كتابه (الإسراء إلى مقام الأسرى) ، ثم لزم البيت الحرام لعدد من السنوات ، وألَّف في تلك الفترة كتابه التصوفي (تاج الرسائل وروح القدس) ، ليبدأ سنة 598 هـ بكتابة مُؤلَّفِه الضخم (الفتوحات المكية).
واستقر في دمشق لدى عائلة (ابن الزكي) عند الأسرة الأيوبية الحاكمة بعد أن وَجَّهَ إليه الفقهاء سهام النقد والتجريح ، والاتهام بالكفر والزندقة . وفي تلك الفترة ألّف كتابه (فصوص الحِكَم) وأكمل كتابه (الفتوحات المكية) ، وتوفي في دار القاضي (ابن الزكي) سنة 638هـ ليُدفَن في مقبرة العائلة علىٰ سفح جبل قاسيون .
تتلخص نظرية (ابن عربي) في (وحدة الوجود) بإنكاره لعالَم الظاهر ولا يعترف بالوجود الحقيقي إلا للـٰه تعالىٰ ، ويرىٰ الخلق مجرد ظلال للوجود الحق فلا موجود إلا اللـٰه سبحانه وهو وحده الوجود الحق :
“سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها” .
ويقول مبيناً في إثبات (وحدة الوجود) وفي أن اللـٰه يحوي في ذاته كل المخلوقات :

يا خالقَ الأشياء في نفسه
أنت لِما تَخلقُ جامِعُ
تخلق ما لا ينتهي كونُهُ
فيكَ فأنتَ الضيِّقُ الواسِعُ

وبناءً على هـٰذا التصور فقد فسّرَ خصومُه ذلك بأنه :
“ليس هناك خَلْقٌ ولا موجودٌ من عدم ، بل مجرد فيضٍ وتجلٍّ . ومادام الأمر كذلك ، فلا مجال للحديث عن عِلّة أو غاية ، وإنما يسير العالم وِفقَ ضرورةٍ مطلَقَة ، ويخضع لحتمية وجبرية صارمة . وهذا العالَم ليس فيه خير وشر ، ولا قضاء وقَدَر ، ولا حرية أو إرادة . ومن ثم لا حساب ولا مسؤولية ، ولا ثواب ولا عقاب ، بل الجميع في نعيم مقيم . والفرق بين الجنة والنار إنما هو في المرتبة فقط لا في النوع . وأكّدوا على تفسيرهم بقوله في الجبر الذي هو من نتائج فساد مذهبه :

الحكمُ حكمُ الجبرِ والاضطرار
ما ثَمَّ حكمٌ يقتضي الاختيار
إلا الذي يُعزىٰ إلينا ففي
ظاهره بأنّهُ عن خَيار
لو فكّر الناظرُ فيه رأى
بأنّه المختار عـن اضطرار

فإذا كان قد ترتب على قول (ابن عربي) بوحدة الوجود قَوْلُه بالجبر ونفي الحساب والثواب والعقاب . فإنه يترتب على مذهبه أيضاً قوله بوحدة الديانات ، لأن الدين عند اللـٰه واحد ، ولأنه لو تَعدَّدت الأديان لتَعدَّدَت الأرباب ، حيثُ يؤكد (ابن عربي) على أن مَن يعبد اللـٰه الواحد في مسجد أو في كنيسة أو في معبد كلهم سواء لأنهم في الحقيقة ما عبدوا إلا اللـٰه إذ ليس ثمة فرق بين خالق ومخلوق . ويقول في ذلك :

لقد صار قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ
فمرعى لغزلانٍ وديرٌ لرهبانْ
وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ
وألواحُ توراةٍ ومصحفٌ قرآنْ

وفسَّروا فلسفة (وحدة الوجود) التي يقول بها (ابن عربي) بأنه يجعل الخالق والمخلوق وحدةً واحدةً وسَواءً بسَواء ، ويترتب على هذه الفلسفة نتائج باطلة قال بها (ابن عربي) وأكّدها في قوله بالجبر ، وفي نفيه الثواب والعقاب ، وكذا قوله بوحدة الديانات في دِينٍ واحِد .
وقد تابع فلسفةَ (ابنَ عربي) وقولَه بـ(وحدة الوجود) تلاميذٌ له أُعجبوا بآرائه وعرضوا لتلك الفلسفة في أشعارهم وكتبهم وكان من أشهَر هؤلاء (ابن الفارض وابن سبعين والتلمساني) .
أما (ابن الفارض) فيؤكد “وحدة الوجود” بقوله في قصيدته التائية المشهورة :
لها صَلاتي بالمقام أُقيمُها
وأشهدُ أنها لي صَلَّتْ
كلانا مُصَلٍّ عابِدٌ ساجِدٌ إلىٰ
حقيقةِ الجَمْعِ في كلٍّ سجدَتْ
وما كان لي صلىٰ سواي فلم تكن
صلاتي لغيري في أداءٍ كلٌ ركَعَتْ
ومازالت إياها وإياي لم تزل
ولا فرق بـل ذاتي لذاتي أحبَّتْ

وترىٰ أن أغلب المتصوّفين معجبون بهذه القصيدة التائية ويُسَمّون صاحبها (ابن الفارض) بتسمية سلطان العاشقين .
أما (التلمساني) فيقول عنه (ابن تيمية) :
“من أعظم هؤلاء كفراً وهو أحذقهم في الكفر والزندقة . فهو لا يفرق بين الكائنات وخالقها ، إنما الكائنات أجزاء منه ، وأبعاض له بمنزلة أمواج البحر في البحر ، وأجزاء البيت من البيت ، ومن ذلك قوله :
البحر لا شك عندي في تَوَحده
وإن تـعـدد بالأمـواج والزَبـدِ
فلا يغرَّنَك ما شاهدتَ من صُوَرٍ
فالواحد الرَبُّ ساري العين في العددِ

والوجود عند (التلمساني) واحد ، وليس هناك فرق بين الخالق والمخلوق ، بل كل المخلوقات إنما هي اللـٰه ذاته” .
وقد وجد هذا الفكر الفلسفي صدىً في الغرب بعد أن انتقل إليه على يد المسيحي الإيطالي (برونو) ورَوّج له اليهودي الهولندي (سبينوزا) .
والفيلسوف (جيور وانو برونو) ، كان قد درس الفلسفة واللاهوت في الكنيسة ، ولما رأىٰ الكنسيون بأنه خرج على تعاليم الكنيسة في فلسفته عن (وحدة الوجود) اتّهموه بالزندقة ، فَفرَّ من إيطاليا ، وتنقل طريداً في البلدان الأوروبية . وبعد عودته إلى إيطاليا وُشيَ به إلى محاكم التفتيش فحُكِم عليه بالموت حرقاً .
أما(باروخ سبينوزا) فهو فيلسوف هولندي يهودي الديانة ، هاجر أبواه من البرتغال في فترة الاضطهاد الديني لليهود ودرس الديانة اليهودية والفلسفة كما هي عند (موسى بن ميمون) الفيلسوف اليهودي والطبيب المولود في الأندلس وانتقل إلى الشام ، وصار الطبيب الخاص للسلطان (صلاح الدين الأيوبي) ومستشاره الذي استحصل منه على مرسوم سلطاني يبيح لليهود العمل والإقامة في مدينة (القدس) بعد تحريرها لأن الصليبيين كانوا يُحَرِّمون عليهم دخولها ، وكذلك كان (ابن جبريل) وهو أيضاً فيلسوف يهودي عاش في الأندلس أيضاً .
ومن أقوال (سبينوزا) التي تؤكد على اعتقاده في (وحدة الوجود) :
“ما في الوجود إلا الرَبّ ، فالرَبّ هو الوجود الحق ، ولا وجود معه يماثله لأنه لا يصح أن يكون هناك وجودان مختلفان متماثلان” .
“إن قوانين الطبيعة وأوامر الرَبّ الخالدة شيء واحد بعينه ، وإن كل الأشياء تنشأ من طبيعة الرَبّ الخالدة” .
“الرَبّ هو القانون الذي تسير وفقه ظواهر الوجود جميعاً بغير استثناء أو شذوذ”.
“إن للطبيعة عالماً واحداً هو الطبيعة والرَبّ في آن واحد وليس في هذا العالم مكان لما فوق الطبيعة”.
ويقول (ابن تيمية) بعد أن ذكر كثيراً من أقوال أصحاب فلسفة (وحدة الوجود) :
“يقولون إن الوجود واحد كما يقول ابن عربي – صاحب الفتوحات – وابن سبعين و ابن الفارض والتلمساني وأمثالهم – عليهم من الله ما يستحقونه – فإنهم لا يجعلون للخالق سبحانه وجوداً مبايناً لوجود المخلوق . وهو جامع كل شرّ في العالم ، ومبدأ ضلالهم من حيث لم يثبتوا للخالق وجوداً مبايناً لوجود المخلوق وهم يأخذون من كلام الفلاسفة شيئاً ومن القول الفاسد من كلام المتصوّفة والمتكلمين شيئاً ، ومن كلام القرامطة والباطنية شيئاً ، فيطوفون على أبواب المذاهب ويفوزون بأخَسِّ المطالب ، ويثنون على ما يذكر من كلام التصوّف المخلوط بالفلسفة”

.
أي أنه يُنكِرُ عليهم استخدام العقل والتأمل للوصول إلى حقيقة الدين وإلى مقاصد الرسالات السماوية .
وتقوم نظرية (وحدة الوجود) على أن الكون عين أعيان الثابتة (صورة العلمية) وأعيان الثابتة عين علم اللـٰه سبحانه وتعالى . ويقول الشيخ (محيي الدين بن عربي) :
“إن أسماء الواجب و صفاته جَلَّ و عَلا عين ذات الواجب سبحانه و كذلك بعضها عين بعض الآخر مثل العلم و القدرة كما أنهما عين ذاته تعالىٰ كذلك كل منهما عين الآخر أيضاً فلا يكون في ذلك الموطن” .

ـ يتبع ـ
==============
مراجع البحث :
* ـ محي الدين بن عربي لـ طـٰه عبد الباقي سرور .
* ـ ابن الفارض والحب الإلـٰهي للدكتور محمد مصطفىٰ حلمي
* ـ لسان الميزان لابن حجر العسقلاني
* ـ سبينوزا فلسفة علمية لـ جيل دولوز
* ـ رسالة في اللاهوت والسياسة لـ باروخ سبينوزا .

عن الکاتب / الکاتبة

د. علي أحمد جديد
د. علي أحمد جديد
باحث .كاتب .قاص / لندن

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


(وحدة الوجود) من محي الدين ابن عربي إلىٰ باروخ سبينوزا ..

بقلم: د. علي أحمد جديد | التاريخ: 11 أبريل 2026

التصنيف: الأدب

(وحدة الوجود) من
محي الدين ابن عربي
إلىٰ باروخ سبينوزا ..

لأنّ ظاهرة التصوّف ظاهرة عالميّة عابرة للأديان وللزمان والمكان ، فهي تجربة ذاتيّة فرديّة ، كمذهب روحيّ يتمثّل في كلّ الديانات ، وفيها يسعى المتصوِّف لاكتشاف المعرفة الغنوصية ليكون (العارف) لحقيقية الوجود وجوهره من خلال تصفية القلب ، والتأمّل ، والتخلّي عن رغبات الجسد وشهواته ، وعن كلّ العيوب الإنسانية والنقائص الأخلاقيّة ، للتحلّي بالفضائل والتواضع ، والتقشّف ، والزهد .
وباستعراض عناصر التشابه ، والاختلاف في التصوّف المعرفي (الغنوصي) عند الديانات السماوية الثلاث ، نَجِدُ مُشتَرَكاً موجوداً عند متصوّفي الديانات الثلاث ، ويظهر ذلك من خلال ممارسة بعض الطقوس من الناحية الظاهرية ، سواء في طقوس الذِكر والإنشاد التي يركّز فيها الشخص المتصوّف علىٰ كلمات معينّة ، ويردّدها تكراراً حتّىٰ يصل إلىٰ ذروة الشعور .
أو في طقوس التأمّل الذي يتمّ بالتركيز على ترديد كلمةٍ معيّنة وتكرارها وفق نغمات معيّنة . فمتصوّفة الديانة اليهودية ، مثلاً ، يركّزون علىٰ اسم الرب (يَهْوَه) ، ومتصوّفة الديانة المسيحيّة يركّزون علىٰ اسم السيدة(مريم العذراء) ، أو علىٰ عبارة (أبانا الذى في السموات) ، أمّا المتصوّفة من المسلمين فيركّزون علىٰ اسم (الله) أو علىٰ (الصلاة على محمّد وآل محمّد) مع استخدام التنفّس العميق المنتظم في شهيقه وزفيره . وقد يكون التركيز التأمّليّ علىٰ الصِدقية الروحيّة عند المتصوّفين اليهود في (القَبّالة الحسيدية) ، أو تلك التي يتمّ التركيز فيها لدىٰ غير اليهود علىٰ المشاعر التي يثيرها وجود الربّ ، أو السيد المسيح عليه السلام ، أو حضرة الرسول الأكرم (محمّد صلّى الله عليه وآله) .
وفي طقوس التلاوة ، ثمّة اشتراك ، أيضاً ، بين متصوّفي الديانات الثلاث في قراءة الأذكار ، أو تلاوة الكتب المقدّسة ، علىٰ أن تكون القراءة صامتة أو بصوت جهوريّ ، وعلىٰ تكرار كلمة واحدة أو عبارة واحدة أثناء القراءة أو التلاوة . وهناك ما يشبه الاتّفاق الضمني علىٰ أنّ القراءة الصامتة هي الطريق الأسلم إلىٰ القلب وإلىٰ تنمية الحسّ الذي من خلاله يمكن الحصول علىٰ النور والتقرّب من الربِّ الأعلىٰ .
ومن خلال استعراض جوانب الطقوس نجد تجانساً بين متصوّفي الديانات الثلاث علىٰ مستوى ممارسة فعل الطقوس ، ولكنّه يختلف علىٰ مستوى الكيفيّات ، إذْ يتفرّع عن ذلك عدّة مفاهيم :
* – مفهوم الخلوة :
لأنّ مفهوم الخلوة ذو أصلٍ دينيّ عند متصوّفي الديانات الثلاث ، فقد اعتكف الأنبياء بعيداً عن أعين الناس للتأمل والصلاة ، ومناجاة الله ، سواء (موسىٰ) في طور سيناء ، أو السيد (المسيح) علىٰ جبل الزيتون ، أو النبي (محمد) في غار حراء . وبذلك ينسجم مفهوم الخلوة لدىٰ المتصوّفين ، وغالباً ما يدّل إلىٰ رمزيّة تعني الانعزال عن الناس ، والتأمّل في ذات الله وفي خلقه . وباعتبار أنّ لها منافع عديدة ، فهي تُنعش الروح وعلىٰ قَدر اتّساع الصحارىٰ والجبال ، تتّسع آفاق النفس ومعها القلب والفكر ، وهي الدلالة التي نجدها ماثلة عند مُتصوّفي الديانات الثلاث .
* – مفهوم (وحدة الوجود) الذي يعني المماثلة بين الله وبين الوجود ، فالله والوجود هما واحد ، الله هو كلّ شيء وكلّ شيء هو الله ، والله هو الكون والكون هو الله ، ووجود الله يسري في كلّ شيء . وهذا المفهوم متّفق عليه من قبل المتصوّفين في الديانات الثلاث ، وبصورة خاصة عند “سبينوزا” و و”ابن عربي” ، وكذلك عند “الحلّاج” ، كما هي عند “ليكهارت” الذي يؤكّد على أنّ اللـٰه هو المتعالي فوق الوجود . ويحاول المتصوّفون استحضار ذلك الموجود المتعالي الذي هو (اللـٰه) ، ولكن تختلف النظرة إلى (وحدة الوجود) باعتبار أنّ اللـٰه ماثل في الطبيعة على سبيل الدوام ، أو أنه قد يكون مفارقاً للطبيعة لكنّه يتجلى للموجودات ، وتلك هي نظرة المتصوّفين المسلمين .
* – في مفهوم الحبّ أو العشق الإلهيّ فإنَّ اللـٰه هو الموضوع الأوّل لفضيلة المحبّة عند متصوّفي الديانات الثلاث ، باعتباره واجب الوجود ، و ذي الصفات الكماليّة الثبوتيّة والسلبيّة غير المتناهية ، التي تكشف لنا عن الجمال والرحمة والعدالة الإلهيّة ، ولذلك فهو المحبوب و نور الأنوار وأصل الموجودات ، والكلّ يتّجه إليه . فالعشق الإلهيّ له طابع فرديّ داخليّ في التجربة الصوفيّة الإسلاميّة تحديداً ، وهو الحبّ المتسامي بين الإنسان والوجود ، وهو الفناء في ذات اللـٰه ، والاتّحاد فيه والاتّصال بنوره ، والوصول لمقام الشهود . أما العشق الإلهيّ في التجربة الصوفيّة المسيحيّة فهو المحبّة ، والإيمان والرجاء ، والوصول إلى نور اللـٰه . والعشق الإلـٰهيّ عند (القَبّالة) اليهود المتصوّفين يرتكز على أنّهم قَبّاليون مخلوقون من روح الربّ ، التي تؤكد على حلول الربّ في شعبه (المختار) .

وبالتالي فإن الكلّ يتّجه إلى الربّ (يَهْوَه) نور الأنوار ، يتوحد به ويشاركه في المعرفة وفي وضع أقدار الآخرين ، وبذلك يكون المتصوّف الحقيقي في الديانة اليهودية غنوصيـاً قَبَّـاليـاً (عـارفـاً) ، إلّا أنّها تبدو نظرة متعالية لأنّهم وطبقاً لتعاليم “التـلمـود” اليهودي المُقَدَّس بأنّهم من روح الربّ ، وبقية الأرواح هي من أرواح الشياطين (الأغيـار) .
ومفهوم حلولية الرَبّ في اليهودي المختار أو الاتّحاد مع الرَبّ فهو هدف المتصوّفين اليهود ، وأغلب المسيحيّين ، ولكنّه يمرُّ عند المتصوّفين المسيحيّين عبر ثلاث فضائل أساسيّة التي هي (الإيمان ، والمحبّة ، والرجاء) ، إذ يقول “المونسينيور غي” :
“بالإيمان يصبح نـور اللـٰه نـورنا ، وحـكـمتـه حـكـمـتنا ، وعمـلـه عمـلـنا ، وروحـه روحـنا” .
ويكون الاتّحاد باللـٰه في التصوّف المسيحيّ من خلال الاتّحاد بالأقانيم الثلاثة التي تقوم عليها أسس الديانة المسيحية :
“الآب ، والابن ، والروح القدس”
وقد يكون الاتّحاد مع اللـٰه بعيداً عن هذه الأقانيم الثلاثة ، وإنّما هو اتّحاد واحد بسيط يتعالىٰ على قسمة الأقانيم طبقاً لأقوال “ليكهارت” .
أمّا الاتصال باللـٰه تعالىٰ في التصوّف الإسلاميّ فهو اتصال شهوديّ “عرفانيّ” ، حسب القاعدة الغنوصية ، وعبر الأنوار والإشراقات والفيوضات التي فيها تجليّات الصفات الإلـٰهيّة ، وعبر الحب الإلـٰهيّ . من هنا نجد أنّ مفهوم الحب الإلـٰهيّ قد يتّفق من جانب ، ويختلف من جانب آخر بالنسبة للمتصوّفين المسيحيّين والمسلمين .
والتجربة الصوفيّة في بحثها عن الإلـٰه المقدّس ، وتجليّاته في الكون وفي الإنسان ، لا تختلف كثيراً بين المتصوّفين من الديانات السماويّة الثلاث ، إذ نجدها متشابهةً في التجارب الروحيّة تبعاً لثقافات دينيّة وإشراقيّة هنديّة وفارسية ، وهي ذات طابع فرديّ داخليّ و وجدانيّ ، حيث أنّ العاطفة الجيّاشة تمثّل أساس التجربة الصوفيّة ، فتتجلّى نار العشق الإلـٰهيّ في أبهىٰ صورها عند متصوّفي العشق الإلـٰهي الخالص والمتجرد عن البحث أو المعرفة الفلسفية أمثال رابعة العدوية التي يقول عنها المستشرق الفرنسي “ماسينيون” :
“كانت السابقة إلى وضع قواعد الحب والحزن في هيكل التصوف الإسلامي ، وهي التي تركت في الآثار الباقية نفثات صادقة في التعبير عن محبتها وعن حزنها” .

يا طبيب القلب يا كل المنىٰ
جُدْ بوَصلٍ منك يشفي مهجتي
يا سروري وحياتي دائماً
نشأتي منك وأيضاً نشوتي
قد هجرت الخلق جميعاً أرتجي
منك وصلاً فهل أقضي أمنيتي

والعشق الإلـٰهي غير قابل للصياغة في تصوّرات الصوفيين الآخرين لأن التجربة الصوفيّة يصعب وصفها وصفاً دقيقاً باللغة المتداولة ، حسب القول :
(إذا اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة). ولذلك يستخدم المتصوّفون الرمز أو المجاز في تخاطباتهم الصوفيّة ، لأن الصوفيّة تتجاوز حدود المكان والزمان ، وشعور المتصوّف بالخلود أثناء تجربته الصوفيّة يكون في لحظة غير زمانيّة ، لأنّ النفس لا تبلغ حالة الاستغراق والتصوّف إلا بعد أن تتجاوز الزمان الآنيّ الأزليّ . وفي هذا الصدد يقول “ليكهارت” :
“النفس كلّما ارتقت إلى الأعلى ، واتّحدت بالرَبّ ، لا تَعي الأمس أو اليوم أو الغد ، فالأزل لا يوجد فيه إلّا (آن) فقط” .
كما تتمثل السِمة المشترَكة عند المتصوّفين في إنكارهم الأدلّة والبراهين على وجود حقيقة خارجيّة تتجاوز ذاتيتهم . وفكرة التوحدية أو (وحدة الوجود) مذهب فلسفي عند كثيرين من فلاسفة الصوفية أشهرهم (محي الدين بن عربي) الذي يعتمد المذهب القائل :
“إن الله والطبيعة حقيقة واحدة ، وإن الله هو الوجود الحق”
ويعتبر الله صورة هذا العالم المخلوق ، أما مجموع المظاهر المادية فهي تعلن عن وجود الله دون أن يكون لها وجود قائم بذاته .
وهي الفكرة التي تبدأ بالفلسفة الأفلاطونية المُحدَثَة وفلسفة الرواقيين . ويَعتبرُ بعض علماء أهل السنة والجماعة وعلى رأسهم (ابن تيمية) :
“أن من يعتقد بوحدة الوجود زنديق خارج من دين الإسلام” .
ولما نادى بعض فلاسفة الغرب بوحدة الوجود من أمثال (سبينوزا وهيغيل) ، كان أهل فكرة (وحدة الوجود) يعتقدون أنه لا وجود إلا الوجود الواجب ، وهو وجود واحد لا يتعدد ، أما العالم فهو موجودٌ بنفس وجود الله تعالى ، لا بإيجاده . بمعنى أن العالم إنما هو صورة ومظهر للوجود الإلـٰهي ، ولا يمكن أن يحدث وجود العالم بعد عدمه ، بل الحادث عندهم إنما هو صورة العالم بعد عدمها ، والصورة عين المظهر الإلـٰهي ، ولذلك يقولون :
“إن اللـٰه تعالى لا يتجلىٰ لغير نفسه” .
وفكرة (الواحدية أو وحدة الوجود) هي الاعتقاد أن الكون الموجود والألوهية حقيقة واحدة . والواحدية هي ترجمة للمصطلح اليوناني “Pantheism” الذي يعني :

“الـكـل هو اللـٰه”
إذاً ، فإن (الواحدية) ترمز إلى فكرة واحدية “اللـٰه” سبحانه وتعالىٰ كعملية مرتبطة بالكون . وقد تعددت مذاهب الواحدية وكان منها على سبيل المثال لا الحصر “الواحدية المادية ، والواحدية الروحية , والواحدية المتجلية ..” .
إلا أن الأفكار المشتركة عند (سبينوزا) تنظر إلىٰ العالم ككل واحد مع نظرةِ توقيرٍ له وتَقديسٍ للكون وللطبيعة . وقال بفكرة (وحدة الوجود) فلاسفة قدماء مثل الفيلسوف اليوناني “هيراقليطس” الذي يرى بأن اللـٰه – سبحانه وتعالى – نهار وليل ، صيف وشتاء ، وِفرَة وقِلَّة ، جامد وسائل ، وهو كالنار المعطَّرة التي تسمىٰ باسم العطر الذي يفوح منها . والنار هي النور والتطهير
– كما يرى سبينوزا – وهـٰذا مايعتمده “عبدة الشيطان” الذين يقولون :
” إن الشيطان مَخلوقٌ من نار ولايموت ، وذلك يعني أنه هو الذي ينشر النور بناره الذاتية ، وأنه خالد لايُقهَر وعَصيّ على الموت . رفض السجود لمخلوق أدنىٰ منه (آدم) المخلوق من طين ، والمقهور بالموت” .
وتقول الديانة الهندوسية الهندية عن الوجود :
” إن الكونَ كله ليس إلا ظهوراً للوجود الحقيقي ، وإن الروح البشرية جزء من الروح العليا وهي كالآلهة ، سرمديةٌ غير مخلوقة” . كما يقول (محي الدين بن عربي) بفكرة وحدة الوجود .
وفي القرن السابع عشر الميلادي ظهرت مقولة “وحدة الوجود” لدى الفيلسوف اليهودي (سبينوزا) ، الذي أخذها عن آراء (ابن عربي) في وحدة الوجود من خلال اطِّلاعه على أعمال الطبيب والفيلسوف اليهودي مؤسِّس فكر القَبَّالَة اليهودية وفيلسوف المعرفة الغنوصية (موسى بن ميمون) . ولا يخفي (سبينوزا) اليهودي الهولندي إعجابه بأفكار الفيلسوف الإيطالي (برونو) المسيحي الذي مات حرقاً في مرحلة “محاكم التفتيش” وخاصة تلك الأفكار التي تتعلق بوحدة الوجود .
وفي القرن التاسع عشر الميلادي عادت تنتشر فكرة (وحدة الوجود) على ألسنة بعض الشعراء الغربيين مثل (بيرس شيلي 1792 – 1822م الذي يقول بأن الرَبَّ ، كما يراه في رأيه :
“هو البسمة الجميلة على شفتيّ طفل جميل باسم ، وهو النسائم العليلة التي تنعشنا ساعة الأصيل ، وهو الإشراقة المتألقة بالنجم الهادي في ظلمات الليل ، وهو هذه الورود اليانعة تتفتح وكأنها ابتسامات شفاه جميلة . إن الربّ هو الجمال أينما وُجِد ..” .
وهذا يؤكد أن فلسفة (وحدة الوجود) قديمة جداً ، وأنها كانت قائمة بشكل عند اليونانيين القدماء ، كما كانت في الهندوسية الهندية ، وفي الفلسفة الزارادشتية ، وانتقلت بعد ذلك إلى بعض المتصوّفة المسلمين كان من أبرزهم (محي الدين ابن عربي ، وشرف الدين ، وابن سبعين ، وعفيف الدين التلمساني ، وابن الفارض) ، ثم انتشرت في الغرب الأوروبي على يد فيلسوف الغنوصية المسيحية (برونو) ، و(سبينوزا) اليهودي . وكان من أبرز الشخصيات الشيخ (محي الدين بن عربي) 560هـ – 638هـ الذي هو أحد أبرز مشاهير الصوفية ، وقد عُرِفَ بلقب الشيخ الأكبر بعد مَرَضٍ أَلَمَّ به فكان تَحوّلَ حياته وانقلابه إلىٰ زاهدٍ منقطعٍ للعبادة والخلوة ، مُتنقٌِلٍ بين مدن الأندلس المختلفة وبين شمالي إفريقية بصحبة عدد من شيوخ الصوفية ، حيث كتب كتابه (الإسراء إلى مقام الأسرى) ، ثم لزم البيت الحرام لعدد من السنوات ، وألَّف في تلك الفترة كتابه التصوفي (تاج الرسائل وروح القدس) ، ليبدأ سنة 598 هـ بكتابة مُؤلَّفِه الضخم (الفتوحات المكية).
واستقر في دمشق لدى عائلة (ابن الزكي) عند الأسرة الأيوبية الحاكمة بعد أن وَجَّهَ إليه الفقهاء سهام النقد والتجريح ، والاتهام بالكفر والزندقة . وفي تلك الفترة ألّف كتابه (فصوص الحِكَم) وأكمل كتابه (الفتوحات المكية) ، وتوفي في دار القاضي (ابن الزكي) سنة 638هـ ليُدفَن في مقبرة العائلة علىٰ سفح جبل قاسيون .
تتلخص نظرية (ابن عربي) في (وحدة الوجود) بإنكاره لعالَم الظاهر ولا يعترف بالوجود الحقيقي إلا للـٰه تعالىٰ ، ويرىٰ الخلق مجرد ظلال للوجود الحق فلا موجود إلا اللـٰه سبحانه وهو وحده الوجود الحق :
“سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها” .
ويقول مبيناً في إثبات (وحدة الوجود) وفي أن اللـٰه يحوي في ذاته كل المخلوقات :

يا خالقَ الأشياء في نفسه
أنت لِما تَخلقُ جامِعُ
تخلق ما لا ينتهي كونُهُ
فيكَ فأنتَ الضيِّقُ الواسِعُ

وبناءً على هـٰذا التصور فقد فسّرَ خصومُه ذلك بأنه :
“ليس هناك خَلْقٌ ولا موجودٌ من عدم ، بل مجرد فيضٍ وتجلٍّ . ومادام الأمر كذلك ، فلا مجال للحديث عن عِلّة أو غاية ، وإنما يسير العالم وِفقَ ضرورةٍ مطلَقَة ، ويخضع لحتمية وجبرية صارمة . وهذا العالَم ليس فيه خير وشر ، ولا قضاء وقَدَر ، ولا حرية أو إرادة . ومن ثم لا حساب ولا مسؤولية ، ولا ثواب ولا عقاب ، بل الجميع في نعيم مقيم . والفرق بين الجنة والنار إنما هو في المرتبة فقط لا في النوع . وأكّدوا على تفسيرهم بقوله في الجبر الذي هو من نتائج فساد مذهبه :

“الـكـل هو اللـٰه”
إذاً ، فإن (الواحدية) ترمز إلى فكرة واحدية “اللـٰه” سبحانه وتعالىٰ كعملية مرتبطة بالكون . وقد تعددت مذاهب الواحدية وكان منها على سبيل المثال لا الحصر “الواحدية المادية ، والواحدية الروحية , والواحدية المتجلية ..” .
إلا أن الأفكار المشتركة عند (سبينوزا) تنظر إلىٰ العالم ككل واحد مع نظرةِ توقيرٍ له وتَقديسٍ للكون وللطبيعة . وقال بفكرة (وحدة الوجود) فلاسفة قدماء مثل الفيلسوف اليوناني “هيراقليطس” الذي يرى بأن اللـٰه – سبحانه وتعالى – نهار وليل ، صيف وشتاء ، وِفرَة وقِلَّة ، جامد وسائل ، وهو كالنار المعطَّرة التي تسمىٰ باسم العطر الذي يفوح منها . والنار هي النور والتطهير
– كما يرى سبينوزا – وهـٰذا مايعتمده “عبدة الشيطان” الذين يقولون :
” إن الشيطان مَخلوقٌ من نار ولايموت ، وذلك يعني أنه هو الذي ينشر النور بناره الذاتية ، وأنه خالد لايُقهَر وعَصيّ على الموت . رفض السجود لمخلوق أدنىٰ منه (آدم) المخلوق من طين ، والمقهور بالموت” .
وتقول الديانة الهندوسية الهندية عن الوجود :
” إن الكونَ كله ليس إلا ظهوراً للوجود الحقيقي ، وإن الروح البشرية جزء من الروح العليا وهي كالآلهة ، سرمديةٌ غير مخلوقة” . كما يقول (محي الدين بن عربي) بفكرة وحدة الوجود .
وفي القرن السابع عشر الميلادي ظهرت مقولة “وحدة الوجود” لدى الفيلسوف اليهودي (سبينوزا) ، الذي أخذها عن آراء (ابن عربي) في وحدة الوجود من خلال اطِّلاعه على أعمال الطبيب والفيلسوف اليهودي مؤسِّس فكر القَبَّالَة اليهودية وفيلسوف المعرفة الغنوصية (موسى بن ميمون) . ولا يخفي (سبينوزا) اليهودي الهولندي إعجابه بأفكار الفيلسوف الإيطالي (برونو) المسيحي الذي مات حرقاً في مرحلة “محاكم التفتيش” وخاصة تلك الأفكار التي تتعلق بوحدة الوجود .
وفي القرن التاسع عشر الميلادي عادت تنتشر فكرة (وحدة الوجود) على ألسنة بعض الشعراء الغربيين مثل (بيرس شيلي 1792 – 1822م الذي يقول بأن الرَبَّ ، كما يراه في رأيه :
“هو البسمة الجميلة على شفتيّ طفل جميل باسم ، وهو النسائم العليلة التي تنعشنا ساعة الأصيل ، وهو الإشراقة المتألقة بالنجم الهادي في ظلمات الليل ، وهو هذه الورود اليانعة تتفتح وكأنها ابتسامات شفاه جميلة . إن الربّ هو الجمال أينما وُجِد ..” .
وهذا يؤكد أن فلسفة (وحدة الوجود) قديمة جداً ، وأنها كانت قائمة بشكل عند اليونانيين القدماء ، كما كانت في الهندوسية الهندية ، وفي الفلسفة الزارادشتية ، وانتقلت بعد ذلك إلى بعض المتصوّفة المسلمين كان من أبرزهم (محي الدين ابن عربي ، وشرف الدين ، وابن سبعين ، وعفيف الدين التلمساني ، وابن الفارض) ، ثم انتشرت في الغرب الأوروبي على يد فيلسوف الغنوصية المسيحية (برونو) ، و(سبينوزا) اليهودي . وكان من أبرز الشخصيات الشيخ (محي الدين بن عربي) 560هـ – 638هـ الذي هو أحد أبرز مشاهير الصوفية ، وقد عُرِفَ بلقب الشيخ الأكبر بعد مَرَضٍ أَلَمَّ به فكان تَحوّلَ حياته وانقلابه إلىٰ زاهدٍ منقطعٍ للعبادة والخلوة ، مُتنقٌِلٍ بين مدن الأندلس المختلفة وبين شمالي إفريقية بصحبة عدد من شيوخ الصوفية ، حيث كتب كتابه (الإسراء إلى مقام الأسرى) ، ثم لزم البيت الحرام لعدد من السنوات ، وألَّف في تلك الفترة كتابه التصوفي (تاج الرسائل وروح القدس) ، ليبدأ سنة 598 هـ بكتابة مُؤلَّفِه الضخم (الفتوحات المكية).
واستقر في دمشق لدى عائلة (ابن الزكي) عند الأسرة الأيوبية الحاكمة بعد أن وَجَّهَ إليه الفقهاء سهام النقد والتجريح ، والاتهام بالكفر والزندقة . وفي تلك الفترة ألّف كتابه (فصوص الحِكَم) وأكمل كتابه (الفتوحات المكية) ، وتوفي في دار القاضي (ابن الزكي) سنة 638هـ ليُدفَن في مقبرة العائلة علىٰ سفح جبل قاسيون .
تتلخص نظرية (ابن عربي) في (وحدة الوجود) بإنكاره لعالَم الظاهر ولا يعترف بالوجود الحقيقي إلا للـٰه تعالىٰ ، ويرىٰ الخلق مجرد ظلال للوجود الحق فلا موجود إلا اللـٰه سبحانه وهو وحده الوجود الحق :
“سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها” .
ويقول مبيناً في إثبات (وحدة الوجود) وفي أن اللـٰه يحوي في ذاته كل المخلوقات :

يا خالقَ الأشياء في نفسه
أنت لِما تَخلقُ جامِعُ
تخلق ما لا ينتهي كونُهُ
فيكَ فأنتَ الضيِّقُ الواسِعُ

وبناءً على هـٰذا التصور فقد فسّرَ خصومُه ذلك بأنه :
“ليس هناك خَلْقٌ ولا موجودٌ من عدم ، بل مجرد فيضٍ وتجلٍّ . ومادام الأمر كذلك ، فلا مجال للحديث عن عِلّة أو غاية ، وإنما يسير العالم وِفقَ ضرورةٍ مطلَقَة ، ويخضع لحتمية وجبرية صارمة . وهذا العالَم ليس فيه خير وشر ، ولا قضاء وقَدَر ، ولا حرية أو إرادة . ومن ثم لا حساب ولا مسؤولية ، ولا ثواب ولا عقاب ، بل الجميع في نعيم مقيم . والفرق بين الجنة والنار إنما هو في المرتبة فقط لا في النوع . وأكّدوا على تفسيرهم بقوله في الجبر الذي هو من نتائج فساد مذهبه :

الحكمُ حكمُ الجبرِ والاضطرار
ما ثَمَّ حكمٌ يقتضي الاختيار
إلا الذي يُعزىٰ إلينا ففي
ظاهره بأنّهُ عن خَيار
لو فكّر الناظرُ فيه رأى
بأنّه المختار عـن اضطرار

فإذا كان قد ترتب على قول (ابن عربي) بوحدة الوجود قَوْلُه بالجبر ونفي الحساب والثواب والعقاب . فإنه يترتب على مذهبه أيضاً قوله بوحدة الديانات ، لأن الدين عند اللـٰه واحد ، ولأنه لو تَعدَّدت الأديان لتَعدَّدَت الأرباب ، حيثُ يؤكد (ابن عربي) على أن مَن يعبد اللـٰه الواحد في مسجد أو في كنيسة أو في معبد كلهم سواء لأنهم في الحقيقة ما عبدوا إلا اللـٰه إذ ليس ثمة فرق بين خالق ومخلوق . ويقول في ذلك :

لقد صار قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ
فمرعى لغزلانٍ وديرٌ لرهبانْ
وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ
وألواحُ توراةٍ ومصحفٌ قرآنْ

وفسَّروا فلسفة (وحدة الوجود) التي يقول بها (ابن عربي) بأنه يجعل الخالق والمخلوق وحدةً واحدةً وسَواءً بسَواء ، ويترتب على هذه الفلسفة نتائج باطلة قال بها (ابن عربي) وأكّدها في قوله بالجبر ، وفي نفيه الثواب والعقاب ، وكذا قوله بوحدة الديانات في دِينٍ واحِد .
وقد تابع فلسفةَ (ابنَ عربي) وقولَه بـ(وحدة الوجود) تلاميذٌ له أُعجبوا بآرائه وعرضوا لتلك الفلسفة في أشعارهم وكتبهم وكان من أشهَر هؤلاء (ابن الفارض وابن سبعين والتلمساني) .
أما (ابن الفارض) فيؤكد “وحدة الوجود” بقوله في قصيدته التائية المشهورة :
لها صَلاتي بالمقام أُقيمُها
وأشهدُ أنها لي صَلَّتْ
كلانا مُصَلٍّ عابِدٌ ساجِدٌ إلىٰ
حقيقةِ الجَمْعِ في كلٍّ سجدَتْ
وما كان لي صلىٰ سواي فلم تكن
صلاتي لغيري في أداءٍ كلٌ ركَعَتْ
ومازالت إياها وإياي لم تزل
ولا فرق بـل ذاتي لذاتي أحبَّتْ

وترىٰ أن أغلب المتصوّفين معجبون بهذه القصيدة التائية ويُسَمّون صاحبها (ابن الفارض) بتسمية سلطان العاشقين .
أما (التلمساني) فيقول عنه (ابن تيمية) :
“من أعظم هؤلاء كفراً وهو أحذقهم في الكفر والزندقة . فهو لا يفرق بين الكائنات وخالقها ، إنما الكائنات أجزاء منه ، وأبعاض له بمنزلة أمواج البحر في البحر ، وأجزاء البيت من البيت ، ومن ذلك قوله :
البحر لا شك عندي في تَوَحده
وإن تـعـدد بالأمـواج والزَبـدِ
فلا يغرَّنَك ما شاهدتَ من صُوَرٍ
فالواحد الرَبُّ ساري العين في العددِ

والوجود عند (التلمساني) واحد ، وليس هناك فرق بين الخالق والمخلوق ، بل كل المخلوقات إنما هي اللـٰه ذاته” .
وقد وجد هذا الفكر الفلسفي صدىً في الغرب بعد أن انتقل إليه على يد المسيحي الإيطالي (برونو) ورَوّج له اليهودي الهولندي (سبينوزا) .
والفيلسوف (جيور وانو برونو) ، كان قد درس الفلسفة واللاهوت في الكنيسة ، ولما رأىٰ الكنسيون بأنه خرج على تعاليم الكنيسة في فلسفته عن (وحدة الوجود) اتّهموه بالزندقة ، فَفرَّ من إيطاليا ، وتنقل طريداً في البلدان الأوروبية . وبعد عودته إلى إيطاليا وُشيَ به إلى محاكم التفتيش فحُكِم عليه بالموت حرقاً .
أما(باروخ سبينوزا) فهو فيلسوف هولندي يهودي الديانة ، هاجر أبواه من البرتغال في فترة الاضطهاد الديني لليهود ودرس الديانة اليهودية والفلسفة كما هي عند (موسى بن ميمون) الفيلسوف اليهودي والطبيب المولود في الأندلس وانتقل إلى الشام ، وصار الطبيب الخاص للسلطان (صلاح الدين الأيوبي) ومستشاره الذي استحصل منه على مرسوم سلطاني يبيح لليهود العمل والإقامة في مدينة (القدس) بعد تحريرها لأن الصليبيين كانوا يُحَرِّمون عليهم دخولها ، وكذلك كان (ابن جبريل) وهو أيضاً فيلسوف يهودي عاش في الأندلس أيضاً .
ومن أقوال (سبينوزا) التي تؤكد على اعتقاده في (وحدة الوجود) :
“ما في الوجود إلا الرَبّ ، فالرَبّ هو الوجود الحق ، ولا وجود معه يماثله لأنه لا يصح أن يكون هناك وجودان مختلفان متماثلان” .
“إن قوانين الطبيعة وأوامر الرَبّ الخالدة شيء واحد بعينه ، وإن كل الأشياء تنشأ من طبيعة الرَبّ الخالدة” .
“الرَبّ هو القانون الذي تسير وفقه ظواهر الوجود جميعاً بغير استثناء أو شذوذ”.
“إن للطبيعة عالماً واحداً هو الطبيعة والرَبّ في آن واحد وليس في هذا العالم مكان لما فوق الطبيعة”.
ويقول (ابن تيمية) بعد أن ذكر كثيراً من أقوال أصحاب فلسفة (وحدة الوجود) :
“يقولون إن الوجود واحد كما يقول ابن عربي – صاحب الفتوحات – وابن سبعين و ابن الفارض والتلمساني وأمثالهم – عليهم من الله ما يستحقونه – فإنهم لا يجعلون للخالق سبحانه وجوداً مبايناً لوجود المخلوق . وهو جامع كل شرّ في العالم ، ومبدأ ضلالهم من حيث لم يثبتوا للخالق وجوداً مبايناً لوجود المخلوق وهم يأخذون من كلام الفلاسفة شيئاً ومن القول الفاسد من كلام المتصوّفة والمتكلمين شيئاً ، ومن كلام القرامطة والباطنية شيئاً ، فيطوفون على أبواب المذاهب ويفوزون بأخَسِّ المطالب ، ويثنون على ما يذكر من كلام التصوّف المخلوط بالفلسفة”

.
أي أنه يُنكِرُ عليهم استخدام العقل والتأمل للوصول إلى حقيقة الدين وإلى مقاصد الرسالات السماوية .
وتقوم نظرية (وحدة الوجود) على أن الكون عين أعيان الثابتة (صورة العلمية) وأعيان الثابتة عين علم اللـٰه سبحانه وتعالى . ويقول الشيخ (محيي الدين بن عربي) :
“إن أسماء الواجب و صفاته جَلَّ و عَلا عين ذات الواجب سبحانه و كذلك بعضها عين بعض الآخر مثل العلم و القدرة كما أنهما عين ذاته تعالىٰ كذلك كل منهما عين الآخر أيضاً فلا يكون في ذلك الموطن” .

ـ يتبع ـ
==============
مراجع البحث :
* ـ محي الدين بن عربي لـ طـٰه عبد الباقي سرور .
* ـ ابن الفارض والحب الإلـٰهي للدكتور محمد مصطفىٰ حلمي
* ـ لسان الميزان لابن حجر العسقلاني
* ـ سبينوزا فلسفة علمية لـ جيل دولوز
* ـ رسالة في اللاهوت والسياسة لـ باروخ سبينوزا .