يوميات ناقد ثقافي…العلاسة و الصكاكة

صورة الكاتب
بقلم: أ.د حسين القاصد
التاريخ: 19 مارس 2026 عدد المشاهدات: 3311
يوميات ناقد ثقافي…العلاسة و الصكاكة

يوميات ناقد ثقافي

العلاسة و الصكاكة
حسين القاصد
مثلما أصل اللفظ هو طرد الشيء أو التخلص منه، قبل أن يتسق دلاليا مع النطق ليصبح المنطوق ملفوظاً، ومثلما شاع لدى العراقيين مفردتا الواشي والنمام بمعنى واحد لا سيما في الشعر الشعبي الدارمي، إلى الحد الذي غضضنا تفكيرنا عما يشي بالفرح، مرت كلمة ( علس يعلس) التي تعني مضغ الطعام وهضمه بشيء من التحولات الدلالية لتصبح دالة على الغدر، ومثلها الفعل ( صك) التي تعني أغلق ثم صار استغراقا في الغلق ليصبح موتا ويصبح الصكاك قاتلا بعد أن يصك فم .
والمهضوم حزين لدى العراقيين لأن أحدهم علس حقه، أما عند اللبنانيين فهو لذيذ ( تئبر ئلبي شو مهضوم) وكلاهما تعرض للأكل.
ودليلي على أن العلس يعني مضغ الطعام وهضمه بقسوة، تحولت إلى ما يؤدي القتل نلمسه في قوله تعالى ( أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ)
والعلس يتم بين شخصين تجمعهما مودة ونقمة، لأن الغريب تتم مواجهته لا علسه، وأما المودة فمادتها الرغبة في الهضم والطمع في ذلك وأما النقمة فهي مما جبل عليه البشر كما قال أبو الطيب المتنبي:
الظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عفة فلعلة لا يظلم
والعلة هنا من التعليل أو التسويغ الثقافي، والعلل المانعة للظلم قد تكون ديناً أو فكراً أو خلقا نبيلا أو خوفاً.
وقد تعرض قيامة الشعر أبو الطيب لعلاسة لذيذة بقناعته حين قال:
لهوى النُفوسِ سَريرَةٌ لا تُعلَمُ
عَرَضاً نَظَرتُ وَخِلتُ أَنّي أَسلَمُ
ومنه نعرف أن العلاس هو الواشي ولأن السر مغرٍ جدا لذلك يكون البوح به ضاغطا جدا، فإذا كان مدفوع الثمن يدخل في العلاسة التي تسلمه إلى الصكاك.
وخوفا من العلس و الصك قال ابن الشبل البغدادي:
إحفظ لسانك لا تبح بثلاثةٍ
سرٍ ومالٍ ما استطعت ومذهبِ
فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثةٍ
بمكفرٍ وبحاسدٍ ومكذبِ
ولكاتب هذه السطور بيت اطمأن من العلاسة فقال:
لا تخش سرك كلب الخوف يحرسه
على شفاه سلالات من الورم.
*من كتابي: نظرية اللسانيات الثقافية

عن الکاتب / الکاتبة

أ.د حسين القاصد
أ.د حسين القاصد
الناقد والشاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

يوميات ناقد ثقافي…. حسين أحمديان والحجاج الثقافي

يوميات ناقد ثقافي…. حسين أحمديان والحجاج الثقافي

يوميات ناقد ثقافي حسين أحمديان والحجاج الثقافي بغض النظر عن موقفك من إيران، وبغض النظر…

صورة الكاتب أ.د حسين القاصد
14 أبريل 2026
اقرأ المزيد
يوميات ناقد ثقافي…  شعر الخدم أم أدب القيادة؟

يوميات ناقد ثقافي… شعر الخدم أم أدب القيادة؟

يوميات ناقد ثقافي شعر الخدم أم أدب القيادة؟ ارتكب النقد الأدبي جناية عظمى بحق الأدب…

صورة الكاتب أ.د حسين القاصد
13 أبريل 2026
اقرأ المزيد
يوميات ناقد ثقافي….الهوية الزرقاء

يوميات ناقد ثقافي….الهوية الزرقاء

يوميات ناقد ثقافي الهوية الزرقاء كانت الحروب سابقا لتحرير فلسطين.. أقمنا الدنيا ولم نقعهدها من…

صورة الكاتب أ.د حسين القاصد
23 مارس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


يوميات ناقد ثقافي…العلاسة و الصكاكة

بقلم: أ.د حسين القاصد | التاريخ: 19 مارس 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

يوميات ناقد ثقافي

العلاسة و الصكاكة
حسين القاصد
مثلما أصل اللفظ هو طرد الشيء أو التخلص منه، قبل أن يتسق دلاليا مع النطق ليصبح المنطوق ملفوظاً، ومثلما شاع لدى العراقيين مفردتا الواشي والنمام بمعنى واحد لا سيما في الشعر الشعبي الدارمي، إلى الحد الذي غضضنا تفكيرنا عما يشي بالفرح، مرت كلمة ( علس يعلس) التي تعني مضغ الطعام وهضمه بشيء من التحولات الدلالية لتصبح دالة على الغدر، ومثلها الفعل ( صك) التي تعني أغلق ثم صار استغراقا في الغلق ليصبح موتا ويصبح الصكاك قاتلا بعد أن يصك فم .
والمهضوم حزين لدى العراقيين لأن أحدهم علس حقه، أما عند اللبنانيين فهو لذيذ ( تئبر ئلبي شو مهضوم) وكلاهما تعرض للأكل.
ودليلي على أن العلس يعني مضغ الطعام وهضمه بقسوة، تحولت إلى ما يؤدي القتل نلمسه في قوله تعالى ( أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ)
والعلس يتم بين شخصين تجمعهما مودة ونقمة، لأن الغريب تتم مواجهته لا علسه، وأما المودة فمادتها الرغبة في الهضم والطمع في ذلك وأما النقمة فهي مما جبل عليه البشر كما قال أبو الطيب المتنبي:
الظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عفة فلعلة لا يظلم
والعلة هنا من التعليل أو التسويغ الثقافي، والعلل المانعة للظلم قد تكون ديناً أو فكراً أو خلقا نبيلا أو خوفاً.
وقد تعرض قيامة الشعر أبو الطيب لعلاسة لذيذة بقناعته حين قال:
لهوى النُفوسِ سَريرَةٌ لا تُعلَمُ
عَرَضاً نَظَرتُ وَخِلتُ أَنّي أَسلَمُ
ومنه نعرف أن العلاس هو الواشي ولأن السر مغرٍ جدا لذلك يكون البوح به ضاغطا جدا، فإذا كان مدفوع الثمن يدخل في العلاسة التي تسلمه إلى الصكاك.
وخوفا من العلس و الصك قال ابن الشبل البغدادي:
إحفظ لسانك لا تبح بثلاثةٍ
سرٍ ومالٍ ما استطعت ومذهبِ
فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثةٍ
بمكفرٍ وبحاسدٍ ومكذبِ
ولكاتب هذه السطور بيت اطمأن من العلاسة فقال:
لا تخش سرك كلب الخوف يحرسه
على شفاه سلالات من الورم.
*من كتابي: نظرية اللسانيات الثقافية