“القصيدة الناقصة “

صورة الكاتب
بقلم: عدنان الصائغ
التاريخ: 2 ديسمبر 2025 عدد المشاهدات: 3214
“القصيدة الناقصة “

….. وما أخذَ ديوجين Diogenes من ظلمةِ الفضَّةِ أقلُّ ما أخذَهُ المعريُّ Al-Ma’arri من فضَّةِ الظلمةِ، مُشرِّقاً بما لمْ يأخذْهُ ابن بطوطة Ibn Battuta من ضَيِّ وفيءِ دنياه، ومُغرِّباً بما يسرحُ اليمُّ في مَدِّهِ وجَزْرِهِ ومناه. ودنياي ورقٌ وريحُ. فمتى نستريحُ. ودينُك دنياكَ يا سقراطُ Socrates تشربَ دَنَّكَ نَشوانَ كما لمْ يشربْها النوّاسيُّ Abu Nuwas ولمْ يرتوِ من الطِلا والطلا وماتَ هَيْفانَ صَدْيانَ. وما رُويتْ إيميلي Emily Dickinson الخلاسيةُ ولمْ تفطمْنا الحياةُ للآنَ. ولمْ يرتوِ هولاكو Hulegu Khan من الدمِ حَيرانَ، أَنْ لا حدودَ له. لا حدودَ للكلمةِ يا ترانسترومر Tomas Tranströmer. لا حدودَ لهذا النردِ الذي يموجُ في روحي وهو يمضي بي إلى تخومِ القطبِ Pole أو قاعِ الجُبِّ أو فاراناسي Varanasi. فلا وصلتُ

ولا توصَّلتُ

أينَ كوزُكِ يا عشتارُ Ishtar أينَ طاسَاتُكُنَّ يا نساءً مجهولاتٍ يركضنَ وراءَ شمس الدين التبريريِّ Shams Tabrizi خالعاً جُبَّتَهُ وعِمَّتَهُ من السُكْر وهو يركضُ وراءَ بِشْر الحافي Bishr al-Ḥāfī الذي يركضُ وراءَ ولادة بنت المستكفي Wallada bint al-Mustakfi التي تركضُ وراءَ روميو  Romeo الذي يركضُ وراءَ سافو Sappho التي تركضُ وراءَ اِنخيدوانا Enheduanna التي تركض وراءَ قيس بن الملوّح Qays Ibn al-Mulawwah الذي يركضُ وراءَ إميلي برونتي Emily Brontë التي تركضُ وراءَ السهرورديِّ Al-Suhrawardi  الذي يركضُ وراءَ إليزابيث باريت براونينغ  Elizabeth Barrett Browning التي تركضُ وراءَ رامبو  Arthur Rimbaud الذي تركضُ وراءَ أوفيد Ovid الذي يركضُ وراءَ الرومي Rumi الذي يركضُ وراءَ المُطْلقِ وشمسِ المحبوبِ.. حتى عُميتْ أعينُهم فأبصروا الحُجُبَ والعُجْبَ

وما حُجبتُ

وما تعجَّبتُ

وخلْفَهمُ رأيتُ الربَّ عن قربٍ. جالساً إلى طاولتِهِ عَتْبانَ حَيْرانَ مما صنعَ خلقُهُ في الأرضِ. قلتُ يا خالقُ ليسَ لكَ أَلَّا تخلقَ الخلائقَ. وكيفَ أعرفُكَ لولا خَلْقُكَ لي. أوجدتني فوجدتُكَ. وجودي وجودُكَ. وجودُكَ وجودي.  وبعدمي لا وجودَ لكَ فيَّ لكنْ فيكَ. وبعدمِكَ لا وجودَ لي فيكَ وفيَّ. فلا وجودي عدمٌ. ولا وجودُكَ بعدمي عدمٌ. ولا عدمي وجودٌ. وبالمعرفةِ يُعرفُ الوجودُ والموجودُ والواجدُ. وبالواجدِ والوجودِ والمعرفةِ انْوجدتُ

وما وجدتُ

 

وقلتَ إنْ ليسَ لي إلَّا أنْ أدنو لأكونَ. فقلتُ إنْ ليسَ لكَ إلَّا أنْ تمحو لتكونَ. وكيفَ لكَ أنْ تكونَ الرحيمَ إنْ لمْ أعصِ وترحمَ. وكيفَ لي أن أكونَ المخلوقَ أنْ لمْ أكنِ العاصي وأندمُ. كوَّنتني فكنتُ

وأَرَيْتَنِي فرَأيتُ وطَمَّعتني فطمعتُ

وما طُعِمْتُ

.. وخَلَقتَ. وخَلَقَ عبدُكَ مايكل أنجلو Michelangelo داوودَهُ  David، ودافنشي Leonardo da Vinci موناليزتَهُ Mona Lisa. فمَنْ الخالقُ؟ .. وصنعَ السلطانُ مصطفى باشا العثمانيُّ من رؤوسِ الفُرْسِ تلَّاً وصنعَ الملكُ محمد القاجاريُّ من رؤوسِ الأتْراكِ تلَّاً. فمَنْ الباني ومَنْ الفاني، ومَنْ الخالقُ ومَنْ الماحقُ؟ وبينهما ظلَّ الرافديون يحملون تلكَ التلالَ والسلالَ والمآل، على رؤوسهم الحليقة حتى ساعتِنا هذه. هكذا رووا ورويتُ. وأردتَ ورأيتَ وما

رأيتُ

وما أردتُ

 

أمامي حصانُ طروادة Trojan Horse. وخلفي الأفعى

التي سرقتْ عشبةَ گلگامش Gilgamesh. ومراكبي ترتعشُ في بحارِكَ وقِفارِكَ وقد لاكتِ الرياحُ اشرعَتها، وشموعي دموعي. فما الذي لا أراهُ خلفَ هذا الحجابِ وقُفْلِ البابِ. وما كنتُ جافيتُ

وما كنتُ آليتُ

وأرى دانتي Dante Alighieri ببابِ الجنةِ فلمْ يلجْها ولمْ يبرحْها. وأغبطُهُ. ورأى بابَ الجحيمِ فلمْ يبرحْها ولمْ يدخلْها. فغبطهُ الدراويش Dervishes. ورأيتُ بابَكِ فدخلتُها دونَ استئذانٍ ودونَ أنْ أعرفَ ما ينتظرُني. فغبطني الحبُّ ولامتني الحكمةُ. وكانتِ الكتبُ والأهوالُ والآمالُ. وكانتِ الموسيقى في زاويةٍ تصدحُ وسكارى ومتيَّمون يترنحون بين قولٍ وقولٍ ولا قولٍ، وأخذٍ وردٍّ ولا أخذٍ ولا ردٍّ، وردٍّ ولا أخذَ وأخذٍ ولا ردَّ ولا قولَ. ولا قولَ ولا فولَ ولا خبزَ. وأردتُ أن أغلقَ بابَ التاريخِ فهجمتْ عليَّ الأفاعي والسياطُ والشعاراتُ والعناكبُ فهرعتُ إلى زقاقٍ ضيِّقٍ فرأيتُ ابن رشد Ibn Rushd(Averroes) فأشارَ إلى كتبهِ المحروقةِ في ساحات قرطبةَ Córdoba فأشارتْ إلى غاليليو Galileo فأشار إلى نيوتن Newton بباحة المكتبة البريطانيةِ British Library مُفكِّراً يبكي ويضحكُ وبيدِهِ غربالٌ. وفرجالٌ. وعندما رأوهُ توقَّفوا وتوقَّفَ قلبي عن الخفقانِ. فصعدتُ إلى العرفانِ. فوجدتُ قمةً لا متناهيةً من النورِ والأقواسِ. وفوقَها عرشٌ عظيمٌ من النورِ، خالٍ لا أحدَ يصطرعُ عليه. وملائكةً بجمعِهم يسجدون لي. ولا أحدَ منهم يعترضُ. فاعترضتُ على صنيعهم هذا فشكرني إِبْلِيسُ فلمْ ألتفتْ إليه. وتحسَّستُ رأسي فوجدتُهُ كبركانٍ على وشكِ الانفجارِ. فانْسَدَحتُ تحتَ ظلِّه رَدَحَاً وحينَ فتحتُ عينيَّ ثانيةً لمْ أَجدْني ولمْ أجدِ البركانَ ولا الزمانَ والمكانَ ولا الملائكةَ ولا إِبْلِيسَ. ووجدتُ طرساً قديماً مدعوكاً كتبتُهُ قبل هجعتي وكان باللغةِ السومريةِ. صحتُ بـ طه باقر Taha Baqir واندريه جورج Andrew George أنْ يفكَّا رموزَهُ فعجزا. حملتُهُ وذهبتُ إلى حنُّون  Nail Hannon فلمْ يدركْهُ. فـ لويس Jenny Lewis  فَلَمْ. فـ مُحْي الدين بن عربي Ibn Arabi فَلَمْ. فـ بورخس Jorge Luis Borges فَلَمْ. فـ البرتو ايكو Umberto Eco فَلَمْ. فـ العطَّار Farid al-Din Attar والتوحيدي Abu Hayyan al-Tawhidi فَلَمْ. فتمسَّكتُ بثوبِ قرويةٍ تجرُّ ثوراً هائجاً فأشاحتْ ببصرِها عني: أَنْ ابعدْ طرسَكَ عنْ نْ غرسِكَ وغرسَك عنْ نْ نفسِكَ ونفسَكَ عنْ نْ

أَمسِكَ وأمسَكْ عني. فما مسكتُ

ولا سكتُّ

 

ورأيتُ طوابيرَ من الآهِ واقفةً ببابي فتبلعمتُ وارتبكَ فمي وجفَّ حتى رأيتهُ شحاذاً يستجدي القطرةَ والفكرةَ. وحملتُ جراري كان البحرُ قريباً يموجُ ولا ماءَ ولا رملَ. وتحلَّقَ العطاشى حولي حتى نسيتُ عطشي. ونسيتُ  Samuel Taylor Coleridge

وذكرتُ:

                                          – Water, water, everywhere,

                                                                      nor any drop to drink([1])

وتذكَّرتُ

 

والآنَ جالسٌ على رصيفِ النيرفانا Nirvana أَلتمسُ المعرفةَ والعرفانَ. ماذا ببالي وحالي. صفوفٌ طويلةٌ من آلهاتٍ وآلهةٍ ورهبانٍ وأئمةٍ وأبقارٍ وخرفانٍ وأباعر يستعرضون أمامي بلاغاتِهم وشفاعاتِهم. وأنا حائرُ بخبزي وخمري وعيالي. وبالجموعِ. ونفختُ في نار بوذا Buddha حتى تطايرتِ النيازكُ من فتحاتِ الغارِ. وخرجتُ فصاحَ الملأُ: ماذا أنتَ صانعٌ بنا. فَقُدْتُهم إلى

 

……………………………………

[1]ماءٌ، ماء،ٌ في كلِّ مكانٍ، ولا ثمَّةَ قطرة للشربِ الشاعر انكليزي صامويل تايلر كولريدج (1772- 1834).

عن الکاتب / الکاتبة

عدنان الصائغ
عدنان الصائغ
شاعر وکاتب/ العراق. لندن

مقالات أخرى للكاتب

الرؤوس والفلوس في حركة التاريخ

الرؤوس والفلوس في حركة التاريخ

“إن الظالمين بعضهم أولياء بعض”. القرآن   إن لي علاقات بصدام حسين الذي فرض الآن…

صورة الكاتب عدنان الصائغ
30 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“القصيدة الناقصة “

بقلم: عدنان الصائغ | التاريخ: 2 ديسمبر 2025

التصنيف: الشعر

….. وما أخذَ ديوجين Diogenes من ظلمةِ الفضَّةِ أقلُّ ما أخذَهُ المعريُّ Al-Ma’arri من فضَّةِ الظلمةِ، مُشرِّقاً بما لمْ يأخذْهُ ابن بطوطة Ibn Battuta من ضَيِّ وفيءِ دنياه، ومُغرِّباً بما يسرحُ اليمُّ في مَدِّهِ وجَزْرِهِ ومناه. ودنياي ورقٌ وريحُ. فمتى نستريحُ. ودينُك دنياكَ يا سقراطُ Socrates تشربَ دَنَّكَ نَشوانَ كما لمْ يشربْها النوّاسيُّ Abu Nuwas ولمْ يرتوِ من الطِلا والطلا وماتَ هَيْفانَ صَدْيانَ. وما رُويتْ إيميلي Emily Dickinson الخلاسيةُ ولمْ تفطمْنا الحياةُ للآنَ. ولمْ يرتوِ هولاكو Hulegu Khan من الدمِ حَيرانَ، أَنْ لا حدودَ له. لا حدودَ للكلمةِ يا ترانسترومر Tomas Tranströmer. لا حدودَ لهذا النردِ الذي يموجُ في روحي وهو يمضي بي إلى تخومِ القطبِ Pole أو قاعِ الجُبِّ أو فاراناسي Varanasi. فلا وصلتُ

ولا توصَّلتُ

أينَ كوزُكِ يا عشتارُ Ishtar أينَ طاسَاتُكُنَّ يا نساءً مجهولاتٍ يركضنَ وراءَ شمس الدين التبريريِّ Shams Tabrizi خالعاً جُبَّتَهُ وعِمَّتَهُ من السُكْر وهو يركضُ وراءَ بِشْر الحافي Bishr al-Ḥāfī الذي يركضُ وراءَ ولادة بنت المستكفي Wallada bint al-Mustakfi التي تركضُ وراءَ روميو  Romeo الذي يركضُ وراءَ سافو Sappho التي تركضُ وراءَ اِنخيدوانا Enheduanna التي تركض وراءَ قيس بن الملوّح Qays Ibn al-Mulawwah الذي يركضُ وراءَ إميلي برونتي Emily Brontë التي تركضُ وراءَ السهرورديِّ Al-Suhrawardi  الذي يركضُ وراءَ إليزابيث باريت براونينغ  Elizabeth Barrett Browning التي تركضُ وراءَ رامبو  Arthur Rimbaud الذي تركضُ وراءَ أوفيد Ovid الذي يركضُ وراءَ الرومي Rumi الذي يركضُ وراءَ المُطْلقِ وشمسِ المحبوبِ.. حتى عُميتْ أعينُهم فأبصروا الحُجُبَ والعُجْبَ

وما حُجبتُ

وما تعجَّبتُ

وخلْفَهمُ رأيتُ الربَّ عن قربٍ. جالساً إلى طاولتِهِ عَتْبانَ حَيْرانَ مما صنعَ خلقُهُ في الأرضِ. قلتُ يا خالقُ ليسَ لكَ أَلَّا تخلقَ الخلائقَ. وكيفَ أعرفُكَ لولا خَلْقُكَ لي. أوجدتني فوجدتُكَ. وجودي وجودُكَ. وجودُكَ وجودي.  وبعدمي لا وجودَ لكَ فيَّ لكنْ فيكَ. وبعدمِكَ لا وجودَ لي فيكَ وفيَّ. فلا وجودي عدمٌ. ولا وجودُكَ بعدمي عدمٌ. ولا عدمي وجودٌ. وبالمعرفةِ يُعرفُ الوجودُ والموجودُ والواجدُ. وبالواجدِ والوجودِ والمعرفةِ انْوجدتُ

وما وجدتُ

 

وقلتَ إنْ ليسَ لي إلَّا أنْ أدنو لأكونَ. فقلتُ إنْ ليسَ لكَ إلَّا أنْ تمحو لتكونَ. وكيفَ لكَ أنْ تكونَ الرحيمَ إنْ لمْ أعصِ وترحمَ. وكيفَ لي أن أكونَ المخلوقَ أنْ لمْ أكنِ العاصي وأندمُ. كوَّنتني فكنتُ

وأَرَيْتَنِي فرَأيتُ وطَمَّعتني فطمعتُ

وما طُعِمْتُ

.. وخَلَقتَ. وخَلَقَ عبدُكَ مايكل أنجلو Michelangelo داوودَهُ  David، ودافنشي Leonardo da Vinci موناليزتَهُ Mona Lisa. فمَنْ الخالقُ؟ .. وصنعَ السلطانُ مصطفى باشا العثمانيُّ من رؤوسِ الفُرْسِ تلَّاً وصنعَ الملكُ محمد القاجاريُّ من رؤوسِ الأتْراكِ تلَّاً. فمَنْ الباني ومَنْ الفاني، ومَنْ الخالقُ ومَنْ الماحقُ؟ وبينهما ظلَّ الرافديون يحملون تلكَ التلالَ والسلالَ والمآل، على رؤوسهم الحليقة حتى ساعتِنا هذه. هكذا رووا ورويتُ. وأردتَ ورأيتَ وما

رأيتُ

وما أردتُ

 

أمامي حصانُ طروادة Trojan Horse. وخلفي الأفعى

التي سرقتْ عشبةَ گلگامش Gilgamesh. ومراكبي ترتعشُ في بحارِكَ وقِفارِكَ وقد لاكتِ الرياحُ اشرعَتها، وشموعي دموعي. فما الذي لا أراهُ خلفَ هذا الحجابِ وقُفْلِ البابِ. وما كنتُ جافيتُ

وما كنتُ آليتُ

وأرى دانتي Dante Alighieri ببابِ الجنةِ فلمْ يلجْها ولمْ يبرحْها. وأغبطُهُ. ورأى بابَ الجحيمِ فلمْ يبرحْها ولمْ يدخلْها. فغبطهُ الدراويش Dervishes. ورأيتُ بابَكِ فدخلتُها دونَ استئذانٍ ودونَ أنْ أعرفَ ما ينتظرُني. فغبطني الحبُّ ولامتني الحكمةُ. وكانتِ الكتبُ والأهوالُ والآمالُ. وكانتِ الموسيقى في زاويةٍ تصدحُ وسكارى ومتيَّمون يترنحون بين قولٍ وقولٍ ولا قولٍ، وأخذٍ وردٍّ ولا أخذٍ ولا ردٍّ، وردٍّ ولا أخذَ وأخذٍ ولا ردَّ ولا قولَ. ولا قولَ ولا فولَ ولا خبزَ. وأردتُ أن أغلقَ بابَ التاريخِ فهجمتْ عليَّ الأفاعي والسياطُ والشعاراتُ والعناكبُ فهرعتُ إلى زقاقٍ ضيِّقٍ فرأيتُ ابن رشد Ibn Rushd(Averroes) فأشارَ إلى كتبهِ المحروقةِ في ساحات قرطبةَ Córdoba فأشارتْ إلى غاليليو Galileo فأشار إلى نيوتن Newton بباحة المكتبة البريطانيةِ British Library مُفكِّراً يبكي ويضحكُ وبيدِهِ غربالٌ. وفرجالٌ. وعندما رأوهُ توقَّفوا وتوقَّفَ قلبي عن الخفقانِ. فصعدتُ إلى العرفانِ. فوجدتُ قمةً لا متناهيةً من النورِ والأقواسِ. وفوقَها عرشٌ عظيمٌ من النورِ، خالٍ لا أحدَ يصطرعُ عليه. وملائكةً بجمعِهم يسجدون لي. ولا أحدَ منهم يعترضُ. فاعترضتُ على صنيعهم هذا فشكرني إِبْلِيسُ فلمْ ألتفتْ إليه. وتحسَّستُ رأسي فوجدتُهُ كبركانٍ على وشكِ الانفجارِ. فانْسَدَحتُ تحتَ ظلِّه رَدَحَاً وحينَ فتحتُ عينيَّ ثانيةً لمْ أَجدْني ولمْ أجدِ البركانَ ولا الزمانَ والمكانَ ولا الملائكةَ ولا إِبْلِيسَ. ووجدتُ طرساً قديماً مدعوكاً كتبتُهُ قبل هجعتي وكان باللغةِ السومريةِ. صحتُ بـ طه باقر Taha Baqir واندريه جورج Andrew George أنْ يفكَّا رموزَهُ فعجزا. حملتُهُ وذهبتُ إلى حنُّون  Nail Hannon فلمْ يدركْهُ. فـ لويس Jenny Lewis  فَلَمْ. فـ مُحْي الدين بن عربي Ibn Arabi فَلَمْ. فـ بورخس Jorge Luis Borges فَلَمْ. فـ البرتو ايكو Umberto Eco فَلَمْ. فـ العطَّار Farid al-Din Attar والتوحيدي Abu Hayyan al-Tawhidi فَلَمْ. فتمسَّكتُ بثوبِ قرويةٍ تجرُّ ثوراً هائجاً فأشاحتْ ببصرِها عني: أَنْ ابعدْ طرسَكَ عنْ نْ غرسِكَ وغرسَك عنْ نْ نفسِكَ ونفسَكَ عنْ نْ

أَمسِكَ وأمسَكْ عني. فما مسكتُ

ولا سكتُّ

 

ورأيتُ طوابيرَ من الآهِ واقفةً ببابي فتبلعمتُ وارتبكَ فمي وجفَّ حتى رأيتهُ شحاذاً يستجدي القطرةَ والفكرةَ. وحملتُ جراري كان البحرُ قريباً يموجُ ولا ماءَ ولا رملَ. وتحلَّقَ العطاشى حولي حتى نسيتُ عطشي. ونسيتُ  Samuel Taylor Coleridge

وذكرتُ:

                                          – Water, water, everywhere,

                                                                      nor any drop to drink([1])

وتذكَّرتُ

 

والآنَ جالسٌ على رصيفِ النيرفانا Nirvana أَلتمسُ المعرفةَ والعرفانَ. ماذا ببالي وحالي. صفوفٌ طويلةٌ من آلهاتٍ وآلهةٍ ورهبانٍ وأئمةٍ وأبقارٍ وخرفانٍ وأباعر يستعرضون أمامي بلاغاتِهم وشفاعاتِهم. وأنا حائرُ بخبزي وخمري وعيالي. وبالجموعِ. ونفختُ في نار بوذا Buddha حتى تطايرتِ النيازكُ من فتحاتِ الغارِ. وخرجتُ فصاحَ الملأُ: ماذا أنتَ صانعٌ بنا. فَقُدْتُهم إلى

 

……………………………………

[1]ماءٌ، ماء،ٌ في كلِّ مكانٍ، ولا ثمَّةَ قطرة للشربِ الشاعر انكليزي صامويل تايلر كولريدج (1772- 1834).