“الليلُ”

صورة الكاتب
بقلم: أفین حمو
التاريخ: 31 ديسمبر 2025 عدد المشاهدات: 1415
“الليلُ”

الليلُ يتسلّلُ إليّ بلا استئذان؛كقريبٍ ثقيلِ الدمِ لا يحملُ هديةً سوى الأسئلة.
أسئلةٌ مكررة، أسمعها كطبولٍ تُقرَعُ قبل اندلاعِ الحرب.
لم أعد أفرّقُ بين صدري وغرفةٍ بلا نوافذ،ولا بين قلبي وساعةٍ معلّقةٍ على جدارٍ مائل.
كلُّ شيءٍ في داخلي صار يطرقُ بلا صوت،ويصرخُ بلا حنجرة.
أشعر باختناقٍ رهيب،كأن يداً لا مرئيةً خرجت من العتمة لتقبض على روحي لا على عنقي.
لا شيء يؤلمني بقدر هذا الهواء الذي لا يصل،وهذا القلب الذي يتعلّم كيف يموت ببطءٍ أنيق،بلا ضجيج، بلا جنازة.
لستُ على ما يرام.
أقولها كما تُلقى رسالةٌ في بئرٍ عميقة،على أمل أن تمرّ يدٌ مجهولةٌ وتنتشلها من الغرق.
جدّتي، رحمها الله،تتردّد في رأسي هذه الأيام أكثر من اسمي.
أتذكّر صمتها الأخير،ذلك الصمت الذي كان أعلى من كل الصراخ.
كانت تجلس وحدها، بعيدةً عنّا،كأنها تودّع اللغة،
وكأن الكلمات خانتها فقرّرت أن تتركها معلّقة في أفواهنا إلى الأبد.
وأنا الآن أمرّ في الممر ذاته؛أراكمُ الصمت طبقةً فوق طبقة،وأتظاهر بالقوّة كما يتظاهر الغريق بالسباحة.
لا أدري أيّ تشابهٍ يجمعني بها،لكنني أعرف أنّني أتعفّن بالبطء نفسه،وأن هذا الاختناق ليس طارئاً
إنه سكني الجديد.
تتّصل صديقتي،تنصحني أن أتّصل بالطوارئ أو بأيّ شخصٍ أثق به.
لكنّ الظروف خانتني،والعالم خذلني،ولم أعد أنتظر نصيحةً من أحد.
ربما لا أموت اليوم،وربما لا أموت غداً،لكنني أتعلّم كل ليلة كيف أودّع نفسي
من دون أن أقول كلمة واحدة.

عن الکاتب / الکاتبة

أفین حمو
أفین حمو
شاعرة وکاتبة / سوریة

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“الليلُ”

بقلم: أفین حمو | التاريخ: 31 ديسمبر 2025

التصنيف: الشعر

الليلُ يتسلّلُ إليّ بلا استئذان؛كقريبٍ ثقيلِ الدمِ لا يحملُ هديةً سوى الأسئلة.
أسئلةٌ مكررة، أسمعها كطبولٍ تُقرَعُ قبل اندلاعِ الحرب.
لم أعد أفرّقُ بين صدري وغرفةٍ بلا نوافذ،ولا بين قلبي وساعةٍ معلّقةٍ على جدارٍ مائل.
كلُّ شيءٍ في داخلي صار يطرقُ بلا صوت،ويصرخُ بلا حنجرة.
أشعر باختناقٍ رهيب،كأن يداً لا مرئيةً خرجت من العتمة لتقبض على روحي لا على عنقي.
لا شيء يؤلمني بقدر هذا الهواء الذي لا يصل،وهذا القلب الذي يتعلّم كيف يموت ببطءٍ أنيق،بلا ضجيج، بلا جنازة.
لستُ على ما يرام.
أقولها كما تُلقى رسالةٌ في بئرٍ عميقة،على أمل أن تمرّ يدٌ مجهولةٌ وتنتشلها من الغرق.
جدّتي، رحمها الله،تتردّد في رأسي هذه الأيام أكثر من اسمي.
أتذكّر صمتها الأخير،ذلك الصمت الذي كان أعلى من كل الصراخ.
كانت تجلس وحدها، بعيدةً عنّا،كأنها تودّع اللغة،
وكأن الكلمات خانتها فقرّرت أن تتركها معلّقة في أفواهنا إلى الأبد.
وأنا الآن أمرّ في الممر ذاته؛أراكمُ الصمت طبقةً فوق طبقة،وأتظاهر بالقوّة كما يتظاهر الغريق بالسباحة.
لا أدري أيّ تشابهٍ يجمعني بها،لكنني أعرف أنّني أتعفّن بالبطء نفسه،وأن هذا الاختناق ليس طارئاً
إنه سكني الجديد.
تتّصل صديقتي،تنصحني أن أتّصل بالطوارئ أو بأيّ شخصٍ أثق به.
لكنّ الظروف خانتني،والعالم خذلني،ولم أعد أنتظر نصيحةً من أحد.
ربما لا أموت اليوم،وربما لا أموت غداً،لكنني أتعلّم كل ليلة كيف أودّع نفسي
من دون أن أقول كلمة واحدة.