“شُعلَةٌ في فَتحَةِ الخَيمَةِ”

صورة الكاتب
بقلم: زاهر الأسعد
التاريخ: 6 يناير 2026 عدد المشاهدات: 1940
“شُعلَةٌ في فَتحَةِ الخَيمَةِ”

شعلة في فتحة الخيمة

 

يحلّ الغياب

كقِدرٍ من سكون لم نعترف به

سكون يذيب أطراف الكلام

ندى على زجاج بارد

تقرع الخيام أبوابها

يقرع الخشب بنَفَس قلب متعب

وجوه الأطفال خرائط ودموع

خرائط تشم خبزًا قديمًا وتعرف طعم الجوع

الوجع يخط أسماءه على الملامح

يكتب بحبر لا يجف قبل النطق بالحياة

الليل محكمة سرية تحاكم البراءة بلسان الظلال

وشاح ممزق من بياض قاس يقرع الأسنان بردًا

والظلام يدون محاضر اتهام بمداد خوف لا يُرى

الزمن شريك في المؤامرة يمد يده بصمت ويغتال اللحظة

الهواء يتواطأ ويضغط الصدور

فتتحول الأنفاس إلى ارتجاف، نَفَس واحد

وتر يرن في صدر المخيم

الطيف يبتلع الأصوات

تصير صمتًا متراكمًا في الفراغ

كطبقات غبار على نافذة مهجورة

نحن أبناء النكبة نحفظ أسماء القرى المحروقة

الذاكرة وطن على راحتي الطين

نرسم البيوت المهدمة ونعد الطين شاهدًا

أحتفظ بالأسماء وبدفء الخطوات

تسكن البيوت أرواحنا أيقونات لا تموت

تضيء في العتمة كنجوم لا تنطفئ

الذاكرة جرح يتجدد كل صباح

يفتح فمه على رائحة قهوة باردة وصوت بعيد

المنفى غياب يتجسّد في الهواء

اللغة صمت متراكم يثقل الحروف

الضوء ينكسر، رماد مترع بالخذلان

يلتصق بالأظافر كغبار نسيان

الأرض صامتة وصمتها يفضح الدخان والقدمين المتعبة

تشهد دون أن تتكلم وتبكي دون أن ترى دموعها

أطفال المخيم يتعلمون الموت قبل الأبجدية

يخطون على الجدران قصائد احتجاج يومية

قصائدهم خطوط يد على زجاج متصدّع

الكتابة تبقى لهم آخر معنى للنجاة

بأصابع متيبّسة يطالبون بدفء بسيط

دفء يليق بإنسان وُلد ولم يرتكب ذنبًا سوى الوجود

دفء يليق بذاكرة لا تنطفئ

إنسان يصر أن يبقى إنسانًا ولو ضاقت به الأرض

في زاوية الخيمة طفل واحد

عيناه قنديلان لا يعرفان الليل

يزرع ساعة مكسورة في التراب كل صباح

الطفل ينقّب عن اسمه تحت ساعة مكسورة

علّ الزمن ينبت دفئًا أو اسمًا

الأنواء السوداء تطفئ كل محاولة للدفء

الشتاء يتآمر مع الغياب ليختبر صبر القلوب

صبر ينهار كقشرة خبز تحت اللسان

الصقيع استعارة للخذلان

وجه آخر للمنفى يأتي بلا موعد ويغادر بلا اعتذار

جدران تتكاثر من بياض قاس ونسيان وصمت العالم

تتراكم كجسد واحد اسمه اللامبالاة

وسؤال يتردد في هوامش العتمة

كيف يظل الإنسان إنسانًا بين جدران تحاصر ظلاله

يمد يده نحو دفء يتوارى في البعيد

طفل يبحث عن اسمه في ذاكرة منهكة

ذاكرة تذوب كقطعة شمع تحت لهب صغير

صرخة تتجمّد في فم الليل وتبقى معلّقة كقلب لا ينبض

شعلة صغيرة تتشبّث بفتحة الخيمة

نور لا يطفئه البرد ولا يبتلعه الصمت

عن الکاتب / الکاتبة

زاهر الأسعد
زاهر الأسعد
شاعر/ فلسطین

مقالات أخرى للكاتب

“مآتم الضوء”

“مآتم الضوء”

مآتم الضوء في محراب الصمت تنفض الأبجدية أقنعتها ما بال حطابي الخواء يطحنون الريح ويظنون…

صورة الكاتب زاهر الأسعد
16 أبريل 2026
اقرأ المزيد
“مـراثـي الـقـيـامـة”

“مـراثـي الـقـيـامـة”

مـراثـي الـقـيـامـة   على مشارق الفناء يدوزن المجرم مقاصِله لا يشتهي جثثا ملّت من تكرار…

صورة الكاتب زاهر الأسعد
3 أبريل 2026
اقرأ المزيد
“مقام الندى”

“مقام الندى”

مقام الندى تـتـأمـلُ الآن كـفَّـيـك حيث يباغت النور عتمة المسام لا لـتـرقـبَ أثـرَ الـسـقـوط بـل…

صورة الكاتب زاهر الأسعد
21 مارس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“شُعلَةٌ في فَتحَةِ الخَيمَةِ”

بقلم: زاهر الأسعد | التاريخ: 6 يناير 2026

التصنيف: الشعر

شعلة في فتحة الخيمة

 

يحلّ الغياب

كقِدرٍ من سكون لم نعترف به

سكون يذيب أطراف الكلام

ندى على زجاج بارد

تقرع الخيام أبوابها

يقرع الخشب بنَفَس قلب متعب

وجوه الأطفال خرائط ودموع

خرائط تشم خبزًا قديمًا وتعرف طعم الجوع

الوجع يخط أسماءه على الملامح

يكتب بحبر لا يجف قبل النطق بالحياة

الليل محكمة سرية تحاكم البراءة بلسان الظلال

وشاح ممزق من بياض قاس يقرع الأسنان بردًا

والظلام يدون محاضر اتهام بمداد خوف لا يُرى

الزمن شريك في المؤامرة يمد يده بصمت ويغتال اللحظة

الهواء يتواطأ ويضغط الصدور

فتتحول الأنفاس إلى ارتجاف، نَفَس واحد

وتر يرن في صدر المخيم

الطيف يبتلع الأصوات

تصير صمتًا متراكمًا في الفراغ

كطبقات غبار على نافذة مهجورة

نحن أبناء النكبة نحفظ أسماء القرى المحروقة

الذاكرة وطن على راحتي الطين

نرسم البيوت المهدمة ونعد الطين شاهدًا

أحتفظ بالأسماء وبدفء الخطوات

تسكن البيوت أرواحنا أيقونات لا تموت

تضيء في العتمة كنجوم لا تنطفئ

الذاكرة جرح يتجدد كل صباح

يفتح فمه على رائحة قهوة باردة وصوت بعيد

المنفى غياب يتجسّد في الهواء

اللغة صمت متراكم يثقل الحروف

الضوء ينكسر، رماد مترع بالخذلان

يلتصق بالأظافر كغبار نسيان

الأرض صامتة وصمتها يفضح الدخان والقدمين المتعبة

تشهد دون أن تتكلم وتبكي دون أن ترى دموعها

أطفال المخيم يتعلمون الموت قبل الأبجدية

يخطون على الجدران قصائد احتجاج يومية

قصائدهم خطوط يد على زجاج متصدّع

الكتابة تبقى لهم آخر معنى للنجاة

بأصابع متيبّسة يطالبون بدفء بسيط

دفء يليق بإنسان وُلد ولم يرتكب ذنبًا سوى الوجود

دفء يليق بذاكرة لا تنطفئ

إنسان يصر أن يبقى إنسانًا ولو ضاقت به الأرض

في زاوية الخيمة طفل واحد

عيناه قنديلان لا يعرفان الليل

يزرع ساعة مكسورة في التراب كل صباح

الطفل ينقّب عن اسمه تحت ساعة مكسورة

علّ الزمن ينبت دفئًا أو اسمًا

الأنواء السوداء تطفئ كل محاولة للدفء

الشتاء يتآمر مع الغياب ليختبر صبر القلوب

صبر ينهار كقشرة خبز تحت اللسان

الصقيع استعارة للخذلان

وجه آخر للمنفى يأتي بلا موعد ويغادر بلا اعتذار

جدران تتكاثر من بياض قاس ونسيان وصمت العالم

تتراكم كجسد واحد اسمه اللامبالاة

وسؤال يتردد في هوامش العتمة

كيف يظل الإنسان إنسانًا بين جدران تحاصر ظلاله

يمد يده نحو دفء يتوارى في البعيد

طفل يبحث عن اسمه في ذاكرة منهكة

ذاكرة تذوب كقطعة شمع تحت لهب صغير

صرخة تتجمّد في فم الليل وتبقى معلّقة كقلب لا ينبض

شعلة صغيرة تتشبّث بفتحة الخيمة

نور لا يطفئه البرد ولا يبتلعه الصمت