مدارات: مُفارَقة الحداثةالشِّعرية

صورة الكاتب
بقلم: د.یونس حمید السراي
التاريخ: 18 فبراير 2026 عدد المشاهدات: 2711
مدارات: مُفارَقة الحداثةالشِّعرية

 

شكّل الشِّعر الحديث منعطفاً في تاريخ الشِّعر العربي على مستوى اللغة والمعنى والإيقاع وكل ما يعيد تشكيل علاقة النصّ بالمتلقي، وذلكَ منذُ تجارب رواده مثل، بدر شاكر السيّاب و نازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وغيرهم، ولم يعدّ الشِّعر قائماً على المباشرة والبيان؛ بل على التّوتر والانزياح وكسر أفق التّوقع، وفي هذا السياق برزت المفارَقة بوصفها وسيلة أسلوبيّة تُنتج الدّلالة عبرَ التّضاد الظاهري والتّوازي الخفي..
ومن هنا، يغدو تحليل البِنية النّصية ضرورة منهجية؛ لرصد تمفصلات المفارقة، وكيفية تشكّلها من خلال مستويات القول المختلفة.
المفارَقة ظاهرة دلالية و أسلوبيّة مُركّبة، تقوم على التوتر بين مستويين مِنَ المعنى، ظاهر و مضمر، وهي عدول(انزياح)، مقصود عن التعبير المباشر حيثُ يُبنى المعنى على تعارض ظاهري بين طرفي المفارقة،وليست تضاداً لغوياً وحسب؛ بل حركة داخل البِنية النصية تثير الدهشة وتفتح أفق التأويل.

ومن خصائص المفارقة كسر أفق التوقع،إذْ أنّها تفاجىء القارىء بانقلاب الدلالة حين يتوقع مساراً معيناً،يجد نفسه أمام انعطاف غير مُتوقع، وبذلك تخلخل العلاقة التقليدية بين الدال والمدلول،فتصبح اللغة فضاءً لاحتمالات متعددة.
وتعمل المفارقة على تكثيف التجربة الشِّعرية بعيداً عن الشرح المطوّل والتفسير الواسع، وإنّما تعتمد الإشارة الموحية و التقابل الضمني، وهي اقتصاد لغوي يولّد كثافة دلالية تثير تفاعل القارىء بكشف التناقضات، السياسية والاجتماعية بأسلوب ساخر(أحياناً) وتمنح النصّ أبعاداً درامية وتأويلية متعددة..

إنّ التعبير بالمفارقة:( يكاد يكون أكثر الأبنية انتشاراً في شعر الحداثة، وذلك أنّ الشِّعر القديم في مجمله كانت له نظرة وحيدة البعد في هذه الناحية، بمعنى إدراك جانب واحد من وجهي العملة..أي أنّ الشّاعر يرصد وجهاً معيناً، ثم يعود مرّة أخرى ليرصد الوجه الآخر، بينما الشّاعر الحداثي يستطيع بامكاناته التعبيرية أن يُعاين الوجهين على صعيد واحد..):محمد عبد المطلب- الشّعر العربي عند نهاية القرن العشرين،ص154، نقلاً عن د.إيمان ،محمد أمين، الكيلاني- بدر شاكر السيّاب، دراسة أسلوبيّة لشعره:ص48. ولذلكَ فالمفارقة مِنَ الوسائل الأسلوبيّة التي وظفها الشّعراء قديماً وحديثاً، وإن اتسعت طرائق استعمالها في الشِّعر العربي الحديث .

و فيما يأتي شواهد مُفارِقة من شعر(بدر شاكر السيّاب)، مع الإشارة إلى دورها الأسلوبي.
من قصيدة (غريب على الخليج): الأعمال الكاملة: ص269، يقول السيّاب:
الشّمسُ أجملُ في بلادي من سواها، والظّلامْ
حتى الظّلام، هناكَ أجملُ، فهو يحتضن العراق.
المفارقة: تفضيل الظّلام؛ لأنّه يحتضن العراق.
وبذلكَ أعاد توزيع القيم، حيثُ تحوّل(الظّلام) بدلالته المعروفة إلى دلالة ايجابية حين أسند إليه معنى الانتماء، فتبدو مفارقة الاغتراب، الحنين للوطن.
ويقول:.
أتعلمين أيّ حزنٍ يبعث المطر؟:ص254.
المفارقة: المعروف عن المطر رمز الخير والخصب لكنّه ينتج حزناً، حيثُ قلبَ الدّلالة المعروفة، فصار الخصب يقترن بالألم ويكشف حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار.
وترى د. إيمان الكيلاني:( أنّ السيّاب لا يحفل كثيراً بالمفارقات التصويرية المبنية على الصور المركّبة، وإنّما تكثر في الصور المفردة لديه إلّا في مطولتيه: (المومس العمياء)و(حفار القبور)، حيثُ تُبنى القصيدتان أصلاً على مفارقات جزئية تتلاحق لتكوّن صوراً مُركّبة، ثم صور كلية):د. إيمان الكيلاني،ص49.
يقول السيّاب من قصيدة(المومس العمياء):ص269.
هي المدينةُ وليل زادَ لها عماها.
هذا مقطع يصوّر العمى في قلب مدينة مبصرة
والمفارقة: العمى استعارة لبصيرة كاشفة،والمدينة المضيئة معتمة أخلاقياً وانعدمت فيها القيم الإنسانية، وفي ذلكَ نقد عنيف للواقع الاجتماعي والسياسي..

و المفارقة عند بدر شاكر السيّاب، تكسر أفق التوقع من خلال قلب الدّلالات المألفة..

يتبيّن أنّ المفارَقة تُشكّل في الشِّعر الحديث آليّة بنائية وليس مجرد وسيلة أسلوبيّة؛ حيثُ تكشف عن وعي متقدّم بقضايا الواقع وتناقضاته، و تؤسس خطاباً شعرياً يقوم على إنتاج الدّلالة عبرَ التوتّر والتضاد، بما يجعل القراءة فعلاً تأويلياً مُشاركاً لا تلقياً محايداً.

المراجع:
1- الأعمال الشِّعرية الكاملة- بدر شاكر السياب- دار الحرية-ط4- بغداد-2008.

2- بدر شاكر السياب- دراسة أسلوبيّة لشعره-د. إيمان، محمد أمين، الكيلاني-دار وائل للنشر-الأردن. عمان-2006.

عن الکاتب / الکاتبة

د.یونس حمید السراي
د.یونس حمید السراي
باحث وکاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

أسلوبيّة الانزياح الدّلاليّ التّصويريّ

أسلوبيّة الانزياح الدّلاليّ التّصويريّ

  أسلوبيّة الانزياح الدّلاليّ التّصويريّ اللغة الشِّعرية لا تقف عند وظيفتها التّواصلية بنقل المعنى في…

صورة الكاتب د.یونس حمید السراي
11 مارس 2026
اقرأ المزيد
الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش

الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش

  الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش. مفهوم الانزياح مِنَ المفاهيم الأساسيّة في الدّراسات الأسلوبيّة…

صورة الكاتب د.یونس حمید السراي
4 مارس 2026
اقرأ المزيد
الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش.

الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش.

  الانزياح التّركيبي في شعر محمود درويش. مفهوم الانزياح مِنَ المفاهيم الأساسيّة في الدّراسات الأسلوبيّة…

صورة الكاتب د.یونس حمید السراي
3 مارس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


مدارات: مُفارَقة الحداثةالشِّعرية

بقلم: د.یونس حمید السراي | التاريخ: 18 فبراير 2026

التصنيف: الأدب

 

شكّل الشِّعر الحديث منعطفاً في تاريخ الشِّعر العربي على مستوى اللغة والمعنى والإيقاع وكل ما يعيد تشكيل علاقة النصّ بالمتلقي، وذلكَ منذُ تجارب رواده مثل، بدر شاكر السيّاب و نازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وغيرهم، ولم يعدّ الشِّعر قائماً على المباشرة والبيان؛ بل على التّوتر والانزياح وكسر أفق التّوقع، وفي هذا السياق برزت المفارَقة بوصفها وسيلة أسلوبيّة تُنتج الدّلالة عبرَ التّضاد الظاهري والتّوازي الخفي..
ومن هنا، يغدو تحليل البِنية النّصية ضرورة منهجية؛ لرصد تمفصلات المفارقة، وكيفية تشكّلها من خلال مستويات القول المختلفة.
المفارَقة ظاهرة دلالية و أسلوبيّة مُركّبة، تقوم على التوتر بين مستويين مِنَ المعنى، ظاهر و مضمر، وهي عدول(انزياح)، مقصود عن التعبير المباشر حيثُ يُبنى المعنى على تعارض ظاهري بين طرفي المفارقة،وليست تضاداً لغوياً وحسب؛ بل حركة داخل البِنية النصية تثير الدهشة وتفتح أفق التأويل.

ومن خصائص المفارقة كسر أفق التوقع،إذْ أنّها تفاجىء القارىء بانقلاب الدلالة حين يتوقع مساراً معيناً،يجد نفسه أمام انعطاف غير مُتوقع، وبذلك تخلخل العلاقة التقليدية بين الدال والمدلول،فتصبح اللغة فضاءً لاحتمالات متعددة.
وتعمل المفارقة على تكثيف التجربة الشِّعرية بعيداً عن الشرح المطوّل والتفسير الواسع، وإنّما تعتمد الإشارة الموحية و التقابل الضمني، وهي اقتصاد لغوي يولّد كثافة دلالية تثير تفاعل القارىء بكشف التناقضات، السياسية والاجتماعية بأسلوب ساخر(أحياناً) وتمنح النصّ أبعاداً درامية وتأويلية متعددة..

إنّ التعبير بالمفارقة:( يكاد يكون أكثر الأبنية انتشاراً في شعر الحداثة، وذلك أنّ الشِّعر القديم في مجمله كانت له نظرة وحيدة البعد في هذه الناحية، بمعنى إدراك جانب واحد من وجهي العملة..أي أنّ الشّاعر يرصد وجهاً معيناً، ثم يعود مرّة أخرى ليرصد الوجه الآخر، بينما الشّاعر الحداثي يستطيع بامكاناته التعبيرية أن يُعاين الوجهين على صعيد واحد..):محمد عبد المطلب- الشّعر العربي عند نهاية القرن العشرين،ص154، نقلاً عن د.إيمان ،محمد أمين، الكيلاني- بدر شاكر السيّاب، دراسة أسلوبيّة لشعره:ص48. ولذلكَ فالمفارقة مِنَ الوسائل الأسلوبيّة التي وظفها الشّعراء قديماً وحديثاً، وإن اتسعت طرائق استعمالها في الشِّعر العربي الحديث .

و فيما يأتي شواهد مُفارِقة من شعر(بدر شاكر السيّاب)، مع الإشارة إلى دورها الأسلوبي.
من قصيدة (غريب على الخليج): الأعمال الكاملة: ص269، يقول السيّاب:
الشّمسُ أجملُ في بلادي من سواها، والظّلامْ
حتى الظّلام، هناكَ أجملُ، فهو يحتضن العراق.
المفارقة: تفضيل الظّلام؛ لأنّه يحتضن العراق.
وبذلكَ أعاد توزيع القيم، حيثُ تحوّل(الظّلام) بدلالته المعروفة إلى دلالة ايجابية حين أسند إليه معنى الانتماء، فتبدو مفارقة الاغتراب، الحنين للوطن.
ويقول:.
أتعلمين أيّ حزنٍ يبعث المطر؟:ص254.
المفارقة: المعروف عن المطر رمز الخير والخصب لكنّه ينتج حزناً، حيثُ قلبَ الدّلالة المعروفة، فصار الخصب يقترن بالألم ويكشف حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار.
وترى د. إيمان الكيلاني:( أنّ السيّاب لا يحفل كثيراً بالمفارقات التصويرية المبنية على الصور المركّبة، وإنّما تكثر في الصور المفردة لديه إلّا في مطولتيه: (المومس العمياء)و(حفار القبور)، حيثُ تُبنى القصيدتان أصلاً على مفارقات جزئية تتلاحق لتكوّن صوراً مُركّبة، ثم صور كلية):د. إيمان الكيلاني،ص49.
يقول السيّاب من قصيدة(المومس العمياء):ص269.
هي المدينةُ وليل زادَ لها عماها.
هذا مقطع يصوّر العمى في قلب مدينة مبصرة
والمفارقة: العمى استعارة لبصيرة كاشفة،والمدينة المضيئة معتمة أخلاقياً وانعدمت فيها القيم الإنسانية، وفي ذلكَ نقد عنيف للواقع الاجتماعي والسياسي..

و المفارقة عند بدر شاكر السيّاب، تكسر أفق التوقع من خلال قلب الدّلالات المألفة..

يتبيّن أنّ المفارَقة تُشكّل في الشِّعر الحديث آليّة بنائية وليس مجرد وسيلة أسلوبيّة؛ حيثُ تكشف عن وعي متقدّم بقضايا الواقع وتناقضاته، و تؤسس خطاباً شعرياً يقوم على إنتاج الدّلالة عبرَ التوتّر والتضاد، بما يجعل القراءة فعلاً تأويلياً مُشاركاً لا تلقياً محايداً.

المراجع:
1- الأعمال الشِّعرية الكاملة- بدر شاكر السياب- دار الحرية-ط4- بغداد-2008.

2- بدر شاكر السياب- دراسة أسلوبيّة لشعره-د. إيمان، محمد أمين، الكيلاني-دار وائل للنشر-الأردن. عمان-2006.