“تراتيل الغياب”

صورة الكاتب
بقلم: مهند آل لطيف
التاريخ: 10 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2626
“تراتيل الغياب”

تراتيل الغياب

وَحيداً.. أحتسي الشاي
أُقلّبُ مِلعقتي في فَراغِ الكأسِ، في فَرَاغِ الرُّوح
أَعُدُّ فُقاقيعَ الوَقتِ وهي تَنفجرُ في وجهِ الصَّمت
أراقبُ البخارَ يَتصاعدُ كأرواحٍ هاربة
كأنّ المدفأةَ تَزفرُ أنفاسَ الراحلينَ في غرفتي.
لا أحدَ مَعي..
سوى ظِلِّي المَصلوبِ فوقَ جدارِ الوَحشة
وهذا السكونِ الذي ينهشُ أركانَ القصيدة.
أكتُبُ الشِّعرَ لِنفسي
لا لِأحدٍ سِواي..
فالكلماتُ عُكازي في زِحامِ الصَّمتِ الكثيف
والورقُ الأبيضُ مَقبرةٌ تَليقُ ببوحي
أصلبُ الحروفَ فوقَ السطورِ كي لا تفرَّ الذاكرة.
أرسمُ لوحةً سرياليةً لا مَعنى لها
مجردُ خُطىً تائهةٍ وألوانٍ جامحة:
حمراءُ.. كجُرحٍ يرفضُ الالتِئام
تنزفُ مِن ريشةٍ خَانها بَيانُ التعبير.
صفراءُ.. كخريفِ عُمرٍ تذروهُ الرياح.
زرقاءُ.. كبحرٍ غريقٍ في مائه.
خضراءُ.. كحُلمٍ ذابلٍ على رصيفِ الانتظار.
وخيوطٌ سوداءُ.. تُحاصرُ المدى
تغزلُ لي كفناً من وَهمٍ وضياعٍ مَميت
تخنقُ عنقَ الضوءِ قبلَ أن يولدَ الصباح.
أبعثرُ الألوانَ فوقَ بياضِ الأيامِ الكسيحة
أتكلمُ مع نفسي..
أسألها عن طريقٍ لا يؤدّي إليّ
أسمعُ صدى صوتي يَرتدُّ غريباً كبومةِ ليل
كأني غريبٌ يطرقُ بابَ بيتِهِ القديم.
أغازلُ غصون تلك الشجرةِ اليابسة
لعلَّ في جفافِها مِرآةً لكبريائي
أهديها قطرةً من مائي.. ومن نَزفِ عُمري.
أبكي بلا سببٍ يُذكر
أضحكُ على هَشاشةِ نفسي
أصنعُ من خيباتي نكتةً سَمجةً ومُرّة
أقهقهُ حتى يرتجفَ اليقينُ في صدري.
أسقي تلك الزهرةَ البيضاء
أهمسُ لها عن عِطرٍ شدَّ الرحالَ ومضى
عن يدٍ كانت تلامسُ بتلاتِها بحنانٍ مُقدّس
عن أصابعَ صارت الآنَ عروقاً في جوفِ التراب.
ثمَّ أُطفئُ الضوء..
أتركُ الظلامَ يُرتّبُ فوضى ذكرياتي
أتحسسُ جدرانَ الغرفةِ بقلبٍ كفيف
وأنامُ لثلاثِ ساعاتٍ مسروقة
أطاردُ فيها طيفاً يأبى المجيء
أغرقُ في كابوسٍ مَتاهتُه بلا نهاية
أستجيرُ بالنومِ من صحوٍ يجلدُ الروح.
أستيقظُ على صَوتِ العصافير
تلك التي لا تدركُ مِقدارَ حُزني
تزقزقُ فوقَ شباكِ حظي العاثرِ كحَجر.
أنظرُ إلى صورةِ حبيبتي.. التي اغتالها الرصاص
كانت تبتسمُ للموتِ وللحياةِ معاً
وما زالَ عِطرُها عالقاً ببروازِ الذكرى
كأنّ الزجاجَ يَحبسُ أنفاسَها عن الرَحيل.
تبّاً لهذا الموت!
الذي استحالَ حوتاً جائعاً
يبتلعُ جميعَ الأحباب
ويقذفُ بهم في غياهبِ الأرضِ السحيقة
يتركُ لنا الثيابَ.. والعِطرَ.. والوجعَ المقيم
ويورثُنا جبالاً من الأسى والندم.
فالموتُ جبانٌ..
يقتطفُ الورودَ النضرةَ ويتركُ لنا الشوك
يسرقُ الضوءَ ويحكمُ علينا بالعمى.
ألفَ مرةٍ تقدمتُ نَحوه..
فتحتُ له أبوابَ صدري المشرعةَ كجُرح
ناديتُه باسمِه لعلّهُ يُريحُ عذابي
لكنهُ مَلِكٌ يأنفُ النزولَ لعندِ العبيد.
لكنه يهربُ مني.. كظِلٍّ مراوغ
يريدُني سجيناً في زنزانةِ الحنينِ المظلمة
يقيدُني بأغلالِ الغيابِ القاتل.
يخشى أن تنتهي أحزاني..
يرفضُ أن أكونَ مجردَ ذكرى عابرة
يريدُني شاهداً حَيّاً على فجيعةِ الوقت
على مدينةٍ نخرَ السوسُ جَسدَها واستوطنها الرماد
مدينةٍ صارَ نُواحُ الأراملِ فيها هو النشيد.
لقد طلبتُ منه ذاتَ انكسار:
إما أن يفكَّ أسرَ حبيبتي..
لتشرقَ الشمسُ من عينَيها مجدداً
أو يمنحَني نسياناً يشبهُ غيبوبةَ النوم
يمحو من لوحِ صدري وشومَ القهرِ والقلق.
أو يأخذَني إليها.. إلى بَاطنِ الأرضِ الرؤوم
فالعيشُ فوقها.. محضُ موتٍ مُؤجل
وكلُّ دروبي.. لا تقودُ إلا إلى الرحيل.
والرحيلُ.. هو الموعدُ الوحيدُ الذي لا يخون.

العراق/ البصرة/٨/ ٤/ ٢٠٢٦م

عن الکاتب / الکاتبة

مهند آل لطيف
مهند آل لطيف
شاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“سيد الشعراء”

“سيد الشعراء”

سيد الشعراء   فِي حَضْرَةِ القَلَمِ والأوراقِ جَلَسْتُ بِحَذَرٍ أَتَرَقَّبُ، أُحَاصِرُ الصَّمْتَ فِي زَوَايَا الحِبْرِ…

صورة الكاتب مهند آل لطيف
3 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“تراتيل الغياب”

بقلم: مهند آل لطيف | التاريخ: 10 أبريل 2026

التصنيف: الشعر

تراتيل الغياب

وَحيداً.. أحتسي الشاي
أُقلّبُ مِلعقتي في فَراغِ الكأسِ، في فَرَاغِ الرُّوح
أَعُدُّ فُقاقيعَ الوَقتِ وهي تَنفجرُ في وجهِ الصَّمت
أراقبُ البخارَ يَتصاعدُ كأرواحٍ هاربة
كأنّ المدفأةَ تَزفرُ أنفاسَ الراحلينَ في غرفتي.
لا أحدَ مَعي..
سوى ظِلِّي المَصلوبِ فوقَ جدارِ الوَحشة
وهذا السكونِ الذي ينهشُ أركانَ القصيدة.
أكتُبُ الشِّعرَ لِنفسي
لا لِأحدٍ سِواي..
فالكلماتُ عُكازي في زِحامِ الصَّمتِ الكثيف
والورقُ الأبيضُ مَقبرةٌ تَليقُ ببوحي
أصلبُ الحروفَ فوقَ السطورِ كي لا تفرَّ الذاكرة.
أرسمُ لوحةً سرياليةً لا مَعنى لها
مجردُ خُطىً تائهةٍ وألوانٍ جامحة:
حمراءُ.. كجُرحٍ يرفضُ الالتِئام
تنزفُ مِن ريشةٍ خَانها بَيانُ التعبير.
صفراءُ.. كخريفِ عُمرٍ تذروهُ الرياح.
زرقاءُ.. كبحرٍ غريقٍ في مائه.
خضراءُ.. كحُلمٍ ذابلٍ على رصيفِ الانتظار.
وخيوطٌ سوداءُ.. تُحاصرُ المدى
تغزلُ لي كفناً من وَهمٍ وضياعٍ مَميت
تخنقُ عنقَ الضوءِ قبلَ أن يولدَ الصباح.
أبعثرُ الألوانَ فوقَ بياضِ الأيامِ الكسيحة
أتكلمُ مع نفسي..
أسألها عن طريقٍ لا يؤدّي إليّ
أسمعُ صدى صوتي يَرتدُّ غريباً كبومةِ ليل
كأني غريبٌ يطرقُ بابَ بيتِهِ القديم.
أغازلُ غصون تلك الشجرةِ اليابسة
لعلَّ في جفافِها مِرآةً لكبريائي
أهديها قطرةً من مائي.. ومن نَزفِ عُمري.
أبكي بلا سببٍ يُذكر
أضحكُ على هَشاشةِ نفسي
أصنعُ من خيباتي نكتةً سَمجةً ومُرّة
أقهقهُ حتى يرتجفَ اليقينُ في صدري.
أسقي تلك الزهرةَ البيضاء
أهمسُ لها عن عِطرٍ شدَّ الرحالَ ومضى
عن يدٍ كانت تلامسُ بتلاتِها بحنانٍ مُقدّس
عن أصابعَ صارت الآنَ عروقاً في جوفِ التراب.
ثمَّ أُطفئُ الضوء..
أتركُ الظلامَ يُرتّبُ فوضى ذكرياتي
أتحسسُ جدرانَ الغرفةِ بقلبٍ كفيف
وأنامُ لثلاثِ ساعاتٍ مسروقة
أطاردُ فيها طيفاً يأبى المجيء
أغرقُ في كابوسٍ مَتاهتُه بلا نهاية
أستجيرُ بالنومِ من صحوٍ يجلدُ الروح.
أستيقظُ على صَوتِ العصافير
تلك التي لا تدركُ مِقدارَ حُزني
تزقزقُ فوقَ شباكِ حظي العاثرِ كحَجر.
أنظرُ إلى صورةِ حبيبتي.. التي اغتالها الرصاص
كانت تبتسمُ للموتِ وللحياةِ معاً
وما زالَ عِطرُها عالقاً ببروازِ الذكرى
كأنّ الزجاجَ يَحبسُ أنفاسَها عن الرَحيل.
تبّاً لهذا الموت!
الذي استحالَ حوتاً جائعاً
يبتلعُ جميعَ الأحباب
ويقذفُ بهم في غياهبِ الأرضِ السحيقة
يتركُ لنا الثيابَ.. والعِطرَ.. والوجعَ المقيم
ويورثُنا جبالاً من الأسى والندم.
فالموتُ جبانٌ..
يقتطفُ الورودَ النضرةَ ويتركُ لنا الشوك
يسرقُ الضوءَ ويحكمُ علينا بالعمى.
ألفَ مرةٍ تقدمتُ نَحوه..
فتحتُ له أبوابَ صدري المشرعةَ كجُرح
ناديتُه باسمِه لعلّهُ يُريحُ عذابي
لكنهُ مَلِكٌ يأنفُ النزولَ لعندِ العبيد.
لكنه يهربُ مني.. كظِلٍّ مراوغ
يريدُني سجيناً في زنزانةِ الحنينِ المظلمة
يقيدُني بأغلالِ الغيابِ القاتل.
يخشى أن تنتهي أحزاني..
يرفضُ أن أكونَ مجردَ ذكرى عابرة
يريدُني شاهداً حَيّاً على فجيعةِ الوقت
على مدينةٍ نخرَ السوسُ جَسدَها واستوطنها الرماد
مدينةٍ صارَ نُواحُ الأراملِ فيها هو النشيد.
لقد طلبتُ منه ذاتَ انكسار:
إما أن يفكَّ أسرَ حبيبتي..
لتشرقَ الشمسُ من عينَيها مجدداً
أو يمنحَني نسياناً يشبهُ غيبوبةَ النوم
يمحو من لوحِ صدري وشومَ القهرِ والقلق.
أو يأخذَني إليها.. إلى بَاطنِ الأرضِ الرؤوم
فالعيشُ فوقها.. محضُ موتٍ مُؤجل
وكلُّ دروبي.. لا تقودُ إلا إلى الرحيل.
والرحيلُ.. هو الموعدُ الوحيدُ الذي لا يخون.

العراق/ البصرة/٨/ ٤/ ٢٠٢٦م