“بيك اب”

صورة الكاتب
بقلم: محمد مهدي السويراوي
التاريخ: 19 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2868
“بيك اب”

بيك اب

يقولون ساخرين -ولا أدري أين مكمن السخرية- إن “الحوسمجية” منحوا لأنفسهم إجازةً عن الله في ذلك الوقت (نيسان/2003). لم تكن إجازةً على شواطئ “ميامي” بين شقراوات “المايوهات” وأجسادهنَّ المبللة كما كان يتخيلها كثيرون في ذلك الوقت، وهم يشاهدون صور شقراوات الشواطئ على صفحات المجلات، بل كانت عطلةً أفتوا بها لأنفسهم بأن الوقت قد حان لتطبيق قاعدة “الضروريات تبيح المحظورات”، حتى وإن لم يكن حينها ثمة ما هو ضروري حقاً؛ هكذا أرادوا مبرراً لأنفسهم وحسب.

بهذه الفتوى، قرر صاحبنا أن يغزو المعسكر القريب منهم، معتبراً محتوياته تعويضاً عن سنين الحصار. انطلق بكتيبته المؤلفة من ثلاثة رجال و(حصان وعربانة) في وضح النهار. هناك، وجد المعسكر وقد تحول إلى وليمةٍ تنهشها الضباع؛ الأقوياء فازوا بالأسلحة الثقيلة، أما صاحبنا فقد رضي بـ (بوش الصواريخ). حملوا الأسطوانات النحاسية الفارغة وفروا بها عبر أزقة بغداد الغارقة هي الأخرى في إجازتها.

في الطريق، وعلى بعد مسافة منهم، خرجت سيارة (بيك آب) من أحد الأفرع الجانبية أمامهم، يعلوها مكبر صوت يصرخ بالوعظ ويذكّر بالحلال والحرام، ويبدو أنها لم تفتِ لنفسها بأحقية تلك القاعدة، غير أنها ولحسن حظهم انعطفت بالاتجاه الذي أدارت به ظهرها إليهم، ولم تنتبه إلى صاحبنا ومجموعته، ثم انعطفت مرة أخرى إلى أحد الأفرع الجانبية، فتخلصوا من فقرة النصائح والموعظة التي كانوا خائفين من إضاعة وقتهم فيها.

واصلت المجموعة سيرها حتى عتبة دار صاحبنا، وهناك وجد والده بانتظاره، ولأنه لم يجرِ بينهم حديث مسبق عما خطط له، فقد ترك الأمر تقرره لحظة الحقيقة، غير أنه لم يحصل ما كان يتمناه حينما رسم في مخيلته نظرات والده وهي جائعة للمزيد من الغنائم، بل استقبلته نظرات حادة بوجه ممتعض.

وبعد مشادة كلامية قصيرة حاول فيها صاحبنا إقناع والده، عاد صوت سيارة الـ (بيك آب) وهو يقترب شيئاً فشيئاً. كانت تلك النقطة التي أنهت النزاع؛ أوقف الوالد السيارة، ثم حمل (بوش الصواريخ) فيها، وراحت تكمل مسيرها تحت أنظار صاحبنا وهو يراقب بمضض ابتعاد غنيمته عنه. وعلى عكس ما كان متوقعاً، لم تتجه السيارة إلى المكان الذي انطلقت منه حيث الجامع القريب، بل انعطفت في أحد الشوارع حتى استقرت أخيراً في مكانها.. بجانب محل “العتاك”!

عن الکاتب / الکاتبة

محمد مهدي السويراوي
محمد مهدي السويراوي
كاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“بيك اب”

بقلم: محمد مهدي السويراوي | التاريخ: 19 أبريل 2026

التصنيف: قصة قصيرة

بيك اب

يقولون ساخرين -ولا أدري أين مكمن السخرية- إن “الحوسمجية” منحوا لأنفسهم إجازةً عن الله في ذلك الوقت (نيسان/2003). لم تكن إجازةً على شواطئ “ميامي” بين شقراوات “المايوهات” وأجسادهنَّ المبللة كما كان يتخيلها كثيرون في ذلك الوقت، وهم يشاهدون صور شقراوات الشواطئ على صفحات المجلات، بل كانت عطلةً أفتوا بها لأنفسهم بأن الوقت قد حان لتطبيق قاعدة “الضروريات تبيح المحظورات”، حتى وإن لم يكن حينها ثمة ما هو ضروري حقاً؛ هكذا أرادوا مبرراً لأنفسهم وحسب.

بهذه الفتوى، قرر صاحبنا أن يغزو المعسكر القريب منهم، معتبراً محتوياته تعويضاً عن سنين الحصار. انطلق بكتيبته المؤلفة من ثلاثة رجال و(حصان وعربانة) في وضح النهار. هناك، وجد المعسكر وقد تحول إلى وليمةٍ تنهشها الضباع؛ الأقوياء فازوا بالأسلحة الثقيلة، أما صاحبنا فقد رضي بـ (بوش الصواريخ). حملوا الأسطوانات النحاسية الفارغة وفروا بها عبر أزقة بغداد الغارقة هي الأخرى في إجازتها.

في الطريق، وعلى بعد مسافة منهم، خرجت سيارة (بيك آب) من أحد الأفرع الجانبية أمامهم، يعلوها مكبر صوت يصرخ بالوعظ ويذكّر بالحلال والحرام، ويبدو أنها لم تفتِ لنفسها بأحقية تلك القاعدة، غير أنها ولحسن حظهم انعطفت بالاتجاه الذي أدارت به ظهرها إليهم، ولم تنتبه إلى صاحبنا ومجموعته، ثم انعطفت مرة أخرى إلى أحد الأفرع الجانبية، فتخلصوا من فقرة النصائح والموعظة التي كانوا خائفين من إضاعة وقتهم فيها.

واصلت المجموعة سيرها حتى عتبة دار صاحبنا، وهناك وجد والده بانتظاره، ولأنه لم يجرِ بينهم حديث مسبق عما خطط له، فقد ترك الأمر تقرره لحظة الحقيقة، غير أنه لم يحصل ما كان يتمناه حينما رسم في مخيلته نظرات والده وهي جائعة للمزيد من الغنائم، بل استقبلته نظرات حادة بوجه ممتعض.

وبعد مشادة كلامية قصيرة حاول فيها صاحبنا إقناع والده، عاد صوت سيارة الـ (بيك آب) وهو يقترب شيئاً فشيئاً. كانت تلك النقطة التي أنهت النزاع؛ أوقف الوالد السيارة، ثم حمل (بوش الصواريخ) فيها، وراحت تكمل مسيرها تحت أنظار صاحبنا وهو يراقب بمضض ابتعاد غنيمته عنه. وعلى عكس ما كان متوقعاً، لم تتجه السيارة إلى المكان الذي انطلقت منه حيث الجامع القريب، بل انعطفت في أحد الشوارع حتى استقرت أخيراً في مكانها.. بجانب محل “العتاك”!