“على الحافة”

صورة الكاتب
بقلم: مؤيد الشاوي
التاريخ: 26 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2754
“على الحافة”

على الحافة

أنا الذي لم يصل.. ولم يعد،
خُلقتُ لأكون فاصلةً قلقة، لا نقطة ختام.
الطريق خلفي يتقلص كلما التفتُّ،
كذكرى منهكة تفرّ من صاحبها..
وأمامي، يمتد الفراغ بلا وعود،
كفكرةٍ شاسعة.. لا تصلح للسكن.
الزمن هنا لا يمضي معي، بل يرقبني،
يعدّ أنفاسي بدقة جلّادٍ لا يعجله شيء.
كل دقيقةٍ، ينتزع مني خصلةً من الروح،
يرميها على الهامش.. ويمضي صامتاً.
على الحافة، أدركتُ أن الأشياء لا تتلاشى،
إنها تُستنزف؛
الصوت يبهت، الرغبة تذوي،
والأمل.. يتحول إلى عادةٍ ثقيلة،
نمارسها فقط.. كي لا نهوي دفعةً واحدة.
أمشي.. والخطوة لا تثق بي،
تتقدم بحذر، ثم تلتفت خلفها،
كأنها تخشى أن أتركها وحيدةً في هذا المدى.
العابرون لا يرون وقوفي هنا شجاعة،
يرونه “تأخيراً” بلا مبرر،
ولا يدركون.. أن بعض السقوط،
يحتاج تفكيراً أعمق من القفز.
أحادث نفسي، فتأتيني أصوات قديمة،
ظننتُ أني وأدتها.. لكنها تعود،
كلما ضاق الممر، واتسعت الأسئلة.
بي جوعٌ ليس للخبز، بل للسكينة؛
ذلك الشعور البسيط الذي يجعل النهار..
جُرحاً قابلاً للالتئام.
وفي منتصف التيه،
حين استسلمتُ لرتابة الدائرة،
توقف الهواء.
رأيتُ في قلب الطريق فردة حذاءٍ وحيدة،
موضوعةً بعنايةٍ مريبة،
لا توحي بالفقد.. بل بالقرار.
لا أثر لصراع، ولا غبار لاستعجال،
كأنّ أحدهم “خلع” وجوده هناك..
وغادر المشهد بكامل هدوئه.
دنوتُ منها.. فتباطأت الأرض تحت قدمي.
شعرتُ أن في لمسها حقيقةً لا تُحتمل،
وأن بعض المعرفة.. خسارةٌ إضافية.
سألتُ الطريق: من الذي فهم السرّ واختفى؟
هل نجا؟
أم أدرك قبلي أن النهايات ليست ضرورة؟
لم يجبني الصمت، لكنه كان بليغاً.
هناك، انكسر وهم الاستمرارية في صدري؛
ذلك الظن الساذج بأن الطريق يشرح نفسه.
تركتُ الحذاء في سكونه، ومضيت..
صار في صدري ثقبٌ يشبه نافذة.. لا تُغلق.
الجوع الآن أقل قسوة، كأنه تعلّم الانتظار،
والأمل لم يعد زائفاً.. صار أكثر صدقاً لأنه جريح.
أحياناً أظنني من ترك الحذاء،
وأحياناً أخشى أنني من سيتركه غداً،
والطريق.. يرفض أن يصحح لي هذا الالتباس.
أنا الآن على الحافة،
لا أدّعي وصولاً، ولا أغري أحداً بالعودة.
أقف وأمشي في آنٍ واحد،
كمن أدرك أن البقاء ليس حالة ساكنة،
بل فعلٌ يومي.. نختلقه من العدم.
وإن تعبتُ..
استندتُ إلى دهشة قديمة سقطت في منتصف الطريق،
وقلتُ لقلبي:
ليس كل من غاب خاسراً،
وليس كل من يواصل.. ناجياً.
ما زلتُ هنا، على الحافة،
لأنها الوحيدة.. التي لم تخدعني بالوصول.

عن الکاتب / الکاتبة

مؤيد الشاوي
مؤيد الشاوي
قاص وكاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

أثر الملك السومري

أثر الملك السومري

أنا حسن، ولدتُ في قرية صغيرة على ضفاف الفرات. حيث يبدو النهر كأنه لا يتحرك…

صورة الكاتب مؤيد الشاوي
26 أكتوبر 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“على الحافة”

بقلم: مؤيد الشاوي | التاريخ: 26 أبريل 2026

التصنيف: الشعر والنصوص الادبیة

على الحافة

أنا الذي لم يصل.. ولم يعد،
خُلقتُ لأكون فاصلةً قلقة، لا نقطة ختام.
الطريق خلفي يتقلص كلما التفتُّ،
كذكرى منهكة تفرّ من صاحبها..
وأمامي، يمتد الفراغ بلا وعود،
كفكرةٍ شاسعة.. لا تصلح للسكن.
الزمن هنا لا يمضي معي، بل يرقبني،
يعدّ أنفاسي بدقة جلّادٍ لا يعجله شيء.
كل دقيقةٍ، ينتزع مني خصلةً من الروح،
يرميها على الهامش.. ويمضي صامتاً.
على الحافة، أدركتُ أن الأشياء لا تتلاشى،
إنها تُستنزف؛
الصوت يبهت، الرغبة تذوي،
والأمل.. يتحول إلى عادةٍ ثقيلة،
نمارسها فقط.. كي لا نهوي دفعةً واحدة.
أمشي.. والخطوة لا تثق بي،
تتقدم بحذر، ثم تلتفت خلفها،
كأنها تخشى أن أتركها وحيدةً في هذا المدى.
العابرون لا يرون وقوفي هنا شجاعة،
يرونه “تأخيراً” بلا مبرر،
ولا يدركون.. أن بعض السقوط،
يحتاج تفكيراً أعمق من القفز.
أحادث نفسي، فتأتيني أصوات قديمة،
ظننتُ أني وأدتها.. لكنها تعود،
كلما ضاق الممر، واتسعت الأسئلة.
بي جوعٌ ليس للخبز، بل للسكينة؛
ذلك الشعور البسيط الذي يجعل النهار..
جُرحاً قابلاً للالتئام.
وفي منتصف التيه،
حين استسلمتُ لرتابة الدائرة،
توقف الهواء.
رأيتُ في قلب الطريق فردة حذاءٍ وحيدة،
موضوعةً بعنايةٍ مريبة،
لا توحي بالفقد.. بل بالقرار.
لا أثر لصراع، ولا غبار لاستعجال،
كأنّ أحدهم “خلع” وجوده هناك..
وغادر المشهد بكامل هدوئه.
دنوتُ منها.. فتباطأت الأرض تحت قدمي.
شعرتُ أن في لمسها حقيقةً لا تُحتمل،
وأن بعض المعرفة.. خسارةٌ إضافية.
سألتُ الطريق: من الذي فهم السرّ واختفى؟
هل نجا؟
أم أدرك قبلي أن النهايات ليست ضرورة؟
لم يجبني الصمت، لكنه كان بليغاً.
هناك، انكسر وهم الاستمرارية في صدري؛
ذلك الظن الساذج بأن الطريق يشرح نفسه.
تركتُ الحذاء في سكونه، ومضيت..
صار في صدري ثقبٌ يشبه نافذة.. لا تُغلق.
الجوع الآن أقل قسوة، كأنه تعلّم الانتظار،
والأمل لم يعد زائفاً.. صار أكثر صدقاً لأنه جريح.
أحياناً أظنني من ترك الحذاء،
وأحياناً أخشى أنني من سيتركه غداً،
والطريق.. يرفض أن يصحح لي هذا الالتباس.
أنا الآن على الحافة،
لا أدّعي وصولاً، ولا أغري أحداً بالعودة.
أقف وأمشي في آنٍ واحد،
كمن أدرك أن البقاء ليس حالة ساكنة،
بل فعلٌ يومي.. نختلقه من العدم.
وإن تعبتُ..
استندتُ إلى دهشة قديمة سقطت في منتصف الطريق،
وقلتُ لقلبي:
ليس كل من غاب خاسراً،
وليس كل من يواصل.. ناجياً.
ما زلتُ هنا، على الحافة،
لأنها الوحيدة.. التي لم تخدعني بالوصول.