في المساءِ، حينَ يرتدُّ الضوءُ إلى عتمتِهِ الأولى، وتنسحبُ المدينةُ من نوافذنا كضيفٍ أثقلَهُ الانتظار، كنّا نجلسُ على تلكَ الطاولةِ الخشبيةِ الصغيرة، حيثُ للشاي طقوسٌ لا تشبهُ شيئًا مما عرفَهُ البشر. لم يكنِ الشايُ عندنا مشروبًا، بل كانَ لغةً أخرى للحب، لغةً تصعدُ مع البخار، وتتكثفُ على زجاجِ النافذة، فتصيرُ قصائدَ ماءٍ لا يقرؤها إلا قلبانِ اتسعا للكونِ ثم ضاقا ببعضهما حتى التصقا.
كنتُ أراقبُ يدَها وهي تمسكُ الإبريقَ كأنها تمسكُ بمصيرِ المساء، تسكبُ الشايَ ببطءٍ متعمد، كأنها توقظُ في الكأسِ ذاكرةً غافية، فينهضُ البخارُ متكاسلًا كعاشقٍ يستفيقُ من حلمٍ ثقيل، ويتلوى في الهواءِ كأفعى من عطر، ثم يتلاشى، تاركًا في صدري أثرَ صعودِهِ المحموم. كانتِ الرشفةُ الأولى عندها كالقبلةِ الأولى؛ تذوقٌ خائفٌ، وترددٌ لذيذ، ثم انحدارٌ بطيءٌ إلى قرارِ الروح. أما أنا فكنتُ أؤجلُ رشفتي، لا بخلاً، بل لأني كنتُ أجدُ في الانتظارِ متعةً أعمق، متعةَ أن أرى شفتيها تلمسانِ حافةَ الفنجان، فأشعرَ أن للفنجانِ حظًّا لا أناله، وأن للشايِ سرًّا لا أفهمه، وأن ثمةَ غيرةً حلوةً تسكنُ صدري كقطٍّ صغيرٍ يخمشُ بلطف.
كان السكرُ يذوبُ في كأسِها على مهل، كأنه يتعلمُ منها فنَّ الاختفاء، بينما يظلُّ شاييَ مرًّا كحنينٍ قديم، لأني كنتُ أومنُ أن المرارةَ وحدها تليقُ بمن عرفوا أن الفرحَ لا يكتملُ إلا إذا شابَهُ شيءٌ من الخوف. وكنّا نتبادلُ الكؤوسَ أحيانًا، فتشربُ من كأسي وتتركُ حلاوتَها على شفتي، فأذوقُ في مرارتي عسلًا ما أنزلَ اللهُ به من سلطان، عسلًا مصنوعًا من ريقِ المحبوبةِ وسكرِ الروح.
أتدري ما الشاي؟ إنه ذريعةُ العاشقينَ للصمتِ المشترك، ذاكَ الصمتُ الذي يقولُ فيه القلبُ للقلبِ ما لا تطيقُه اللغة، صمتٌ مملوءٌ حتى الحوافِ بالمعاني، ككأسٍ ممتلئةٍ لا تفيض. كنّا نصمتُ طويلًا، فلا يقطعُ السكينةَ إلا صوتُ الملعقةِ وهي تدورُ في الفنجان، ذلكَ الصوتُ الرتيبُ الذي يشبهُ دقاتِ ساعةٍ تدورُ عقاربُها إلى الوراء، إلى زمنٍ لا يشبهُ زمنَنا، زمنٍ لا يفنى فيه العشاقُ ولا يبردُ فيه الشاي.
ثم جاءتِ اللحظةُ التي يتنفسُ فيها الشايُ أنفاسَهُ الأخيرة، حينَ يرسبُ آخرُ ما في الكأسِ من أوراق، فتصمتُ الملعقةُ كأنها أتمتْ صلاتَها. هناكَ، عندَ القاع، كنّا نقرأُ طالعَنا في الورقِ المتناثر، فترى هي غدًا مشرقًا، وأرى أنا يدَها تمتدُّ نحوي، فتمحو بالتفسيرِ ما خطّتْهُ الأيام. وكنتُ أصدقُها، لا لأنها تُحسنُ قراءةَ الغيب، بل لأنها حينَ تبتسمُ وأصابعُها تلمسُ كفي، يتحولُ الغدُ كله إلى كأسِ شايٍ دافئٍ نشربُه معًا.
يا لأناقةِ الحبِّ حينَ يلبسُ ثوبَ التفاصيل! فالشايُ عندنا لم يكن شايًا، بل كانَ موعدًا متجددًا للبوح، ومرآةً نرى فيها وجوهَنا أكثرَ وضوحًا، ومذبحًا صغيرًا نقدمُ فيه القرابينَ من سكينةٍ ودفء، ونغتسلُ فيه من برودةِ الخارج، من قسوةِ الطرقات، من وحشةِ الناس. كانَ طقسًا مقدسًا، وكنّا كاهنينِ صغيرينِ في معبدٍ من زجاجٍ وخزفٍ ودخان، نتعبدُ فيه لإلهٍ واحدٍ اسمُه التفاصيل.
واليومَ، وقد مرّتِ السنون، ما زلتُ كلَّ مساءٍ أجلسُ وحدي أمامَ كأسٍ من شايٍ بارد، أرفعُه إلى شفتي فلا أذوقُ شيئًا، لأني أدركتُ متأخرًا أنني لم أكن أشربُ الشايَ يومًا، بل كنتُ أشربُ وجودَها، وأتنفسُ قربَها، وأرتشفُ من عينيها ما لا يرتشفُه الظمأُ من ماء. فحينَ رحلت، رحلَ معها طعمُ كلِّ شيء، وبقيَ الشايُ مرًّا كعمرٍ لا حبيبَ فيه، ينتظرُ يدًا لن تعودَ لتسكبَ فيه من جديد.
طقوسُ الشاي المُقدَّسة
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
طقوسُ الشاي المُقدَّسة
في المساءِ، حينَ يرتدُّ الضوءُ إلى عتمتِهِ الأولى، وتنسحبُ المدينةُ من نوافذنا كضيفٍ أثقلَهُ الانتظار، كنّا نجلسُ على تلكَ الطاولةِ الخشبيةِ الصغيرة، حيثُ للشاي طقوسٌ لا تشبهُ شيئًا مما عرفَهُ البشر. لم يكنِ الشايُ عندنا مشروبًا، بل كانَ لغةً أخرى للحب، لغةً تصعدُ مع البخار، وتتكثفُ على زجاجِ النافذة، فتصيرُ قصائدَ ماءٍ لا يقرؤها إلا قلبانِ اتسعا للكونِ ثم ضاقا ببعضهما حتى التصقا.
كنتُ أراقبُ يدَها وهي تمسكُ الإبريقَ كأنها تمسكُ بمصيرِ المساء، تسكبُ الشايَ ببطءٍ متعمد، كأنها توقظُ في الكأسِ ذاكرةً غافية، فينهضُ البخارُ متكاسلًا كعاشقٍ يستفيقُ من حلمٍ ثقيل، ويتلوى في الهواءِ كأفعى من عطر، ثم يتلاشى، تاركًا في صدري أثرَ صعودِهِ المحموم. كانتِ الرشفةُ الأولى عندها كالقبلةِ الأولى؛ تذوقٌ خائفٌ، وترددٌ لذيذ، ثم انحدارٌ بطيءٌ إلى قرارِ الروح. أما أنا فكنتُ أؤجلُ رشفتي، لا بخلاً، بل لأني كنتُ أجدُ في الانتظارِ متعةً أعمق، متعةَ أن أرى شفتيها تلمسانِ حافةَ الفنجان، فأشعرَ أن للفنجانِ حظًّا لا أناله، وأن للشايِ سرًّا لا أفهمه، وأن ثمةَ غيرةً حلوةً تسكنُ صدري كقطٍّ صغيرٍ يخمشُ بلطف.
كان السكرُ يذوبُ في كأسِها على مهل، كأنه يتعلمُ منها فنَّ الاختفاء، بينما يظلُّ شاييَ مرًّا كحنينٍ قديم، لأني كنتُ أومنُ أن المرارةَ وحدها تليقُ بمن عرفوا أن الفرحَ لا يكتملُ إلا إذا شابَهُ شيءٌ من الخوف. وكنّا نتبادلُ الكؤوسَ أحيانًا، فتشربُ من كأسي وتتركُ حلاوتَها على شفتي، فأذوقُ في مرارتي عسلًا ما أنزلَ اللهُ به من سلطان، عسلًا مصنوعًا من ريقِ المحبوبةِ وسكرِ الروح.
أتدري ما الشاي؟ إنه ذريعةُ العاشقينَ للصمتِ المشترك، ذاكَ الصمتُ الذي يقولُ فيه القلبُ للقلبِ ما لا تطيقُه اللغة، صمتٌ مملوءٌ حتى الحوافِ بالمعاني، ككأسٍ ممتلئةٍ لا تفيض. كنّا نصمتُ طويلًا، فلا يقطعُ السكينةَ إلا صوتُ الملعقةِ وهي تدورُ في الفنجان، ذلكَ الصوتُ الرتيبُ الذي يشبهُ دقاتِ ساعةٍ تدورُ عقاربُها إلى الوراء، إلى زمنٍ لا يشبهُ زمنَنا، زمنٍ لا يفنى فيه العشاقُ ولا يبردُ فيه الشاي.
ثم جاءتِ اللحظةُ التي يتنفسُ فيها الشايُ أنفاسَهُ الأخيرة، حينَ يرسبُ آخرُ ما في الكأسِ من أوراق، فتصمتُ الملعقةُ كأنها أتمتْ صلاتَها. هناكَ، عندَ القاع، كنّا نقرأُ طالعَنا في الورقِ المتناثر، فترى هي غدًا مشرقًا، وأرى أنا يدَها تمتدُّ نحوي، فتمحو بالتفسيرِ ما خطّتْهُ الأيام. وكنتُ أصدقُها، لا لأنها تُحسنُ قراءةَ الغيب، بل لأنها حينَ تبتسمُ وأصابعُها تلمسُ كفي، يتحولُ الغدُ كله إلى كأسِ شايٍ دافئٍ نشربُه معًا.
يا لأناقةِ الحبِّ حينَ يلبسُ ثوبَ التفاصيل! فالشايُ عندنا لم يكن شايًا، بل كانَ موعدًا متجددًا للبوح، ومرآةً نرى فيها وجوهَنا أكثرَ وضوحًا، ومذبحًا صغيرًا نقدمُ فيه القرابينَ من سكينةٍ ودفء، ونغتسلُ فيه من برودةِ الخارج، من قسوةِ الطرقات، من وحشةِ الناس. كانَ طقسًا مقدسًا، وكنّا كاهنينِ صغيرينِ في معبدٍ من زجاجٍ وخزفٍ ودخان، نتعبدُ فيه لإلهٍ واحدٍ اسمُه التفاصيل.
واليومَ، وقد مرّتِ السنون، ما زلتُ كلَّ مساءٍ أجلسُ وحدي أمامَ كأسٍ من شايٍ بارد، أرفعُه إلى شفتي فلا أذوقُ شيئًا، لأني أدركتُ متأخرًا أنني لم أكن أشربُ الشايَ يومًا، بل كنتُ أشربُ وجودَها، وأتنفسُ قربَها، وأرتشفُ من عينيها ما لا يرتشفُه الظمأُ من ماء. فحينَ رحلت، رحلَ معها طعمُ كلِّ شيء، وبقيَ الشايُ مرًّا كعمرٍ لا حبيبَ فيه، ينتظرُ يدًا لن تعودَ لتسكبَ فيه من جديد.
إحسان الموسوي البصري
التعليقات