احتفال في كيس الطّحين
لاتنسي صديقكِ وانتِ تقظمين البسكوت ، هشّا ، مقرمشا، ، دعي كِسرا منه تسقط على الارض، حصة النمل !
تسمع صوت خشخشة تحت التخت ، الغار في زاوية جدار الطين المتحجّر .
- ادخلْي معه ”
- ها انا ادخل…
انبوب معدني يأكله الزنجار ملقي في ركن الحجرة، حناء على هيئة كف مطبوعة على الحائط
، ادخلتْ رأسها في الغار ، الغار مظلم ، الغار ضيق لاتستطيع الدوران الى الخلف انها تختنق ، لم تزل كبيرة الحجم ، ترى صورتها بعيني مسعود ، تتنفّس الصعداء حين ترى حجمها صار صغيرا وجسدها متكوّرا ، شعرتْ بنشوة ، : ” دعنا نتحسس انفاس بعضنا ونسمع قرع الطبول تحت اضلاعنا ، دعنا نتعارف ، انا اسمي مسرورة وأنت؟
– انا اسمي مسعود”
غنيا معا ”لم نذق .. لم نذق ..طعم السعادة يوماً!
- لااحدا يتركنا بحالنا ، يحاولون قتلنا حيثما نكون؟
شعرتْ بالجوع فعلا ،ارادت الخروج في رابعة النهار للبحث عن كسرة خبز او قطعة جبنة فحذّرها ونهرها ،اخبرها ان تصبر حتى حلول الظلام ، حين يخلد البشر الى النوم .
انتظرتْ مسرورة خلف ثقب الجدار، ترتعد شواربها الجديدة تحت وطأة الصمت الثقيل الذي خيّم على الدار. وحين غطّت البشرية في شخيرها الجماعي، أعلن مسعود إشارة البدء بضربة ذيل رشيقة على قفاها.
انسلّا من “الغار” كظلين هاربين من ذاكرة قديمة. كان المطبخ وطناً شاسعاً، ومخزن الأطعمة يرتفع كقلعة أسطورية. تسللا إلى “بيت المؤنة”، حيث تفوح رائحة التخزين والتراب المتكدّس ، ارتقيا كيس الطحين الأبيض؛ قمة جبلية باردة. غاص مسعود بجسده الصغير فيه حتى اختفى تماماً، ثم خرج كشبحٍ مغبّر بالبياض. “أنا الآن ملاكٌ بأسنان مدببة!” صرخ بصوتٍ لا يسمعه إلا النمل. شرعا في رفس الطحين، يبعثرانه في الهواء كمن يقيما قداساً للخراب، حتى اختلط غبار الطحين والتصق بأجسادهما الدبقة ، وعلى حافة وعاء الزيت المترهل ، انزلقا. لم يكن انزلاقاً عادياً، بل غرقاً للاستحمام في لزوجةٍ ذهبية. طفقا يسبحان في السائل الثقيل، يجران مالتصق بذيليهما المبللتين خلفهما، يلطخان البلاط البارد بآثار أقدامهما، خريطة عبثية من البقع التي تتحدّى نظافة أهل الدار” .
“يا مسعود، أترى هذا العالم؟ إنه لنا، طالما أننا نملك الجرأة لتدنيسه.”
هكذا همست مسرورة، وهي تنثر “ذروقها” كحبات مسبحة سوداء فوق كيس السكر، في إعلان سيادةٍ ساخر على طعام البشر. وبدآ احتفالهما الماجن؛ التحاما في عناقٍ حيواني صاخب، تتشابك فيه الأنفاس المتحشرجة مع أصوات قضم الأكياس . في زاوية مظلمة، فوق بساطٍ من قشور البصل اليابس، توقفا. لم تعد المسألة بحثا عن الخبز، بل كانت جوعاً للأحتفاء بالكينونة الجديدة ، كان جسد مسعود الصغير يرتجف بنشوة لم يعرفها حين كان “كبيراً”، نشوة السقوط الحر من رتبة اعلى .
أتمّا ” مراسم التتويج ” بترك فضلاتهما في كل ركن، كأعلان عن انتصارهما في تحقيق الخراب والدمار في تلك الليلة. كانا يتقاذفان حبات العدس، يقرضان أطراف الأكياس لسماع صوت قرقعة الأسنان ليثبتا للعالم قدرتها على التمزيق.
عند اقتراب الفجر، عادا إلى حجرهما الضيق، يجران بذيلهما رائحة الزيت والعفن وبقايا اللذة المحرمة، يغنيان بهمسٍ مبحوح:
“طوبى لنا.. طوبى لنا ..
قد مسخناه قبل أن يمسخنا!”
احتفال في كيس الطّحين
احتفال في كيس الطّحين
لاتنسي صديقكِ وانتِ تقظمين البسكوت ، هشّا ، مقرمشا، ، دعي كِسرا منه تسقط على الارض، حصة النمل !
تسمع صوت خشخشة تحت التخت ، الغار في زاوية جدار الطين المتحجّر .
- ادخلْي معه ”
- ها انا ادخل…
انبوب معدني يأكله الزنجار ملقي في ركن الحجرة، حناء على هيئة كف مطبوعة على الحائط
، ادخلتْ رأسها في الغار ، الغار مظلم ، الغار ضيق لاتستطيع الدوران الى الخلف انها تختنق ، لم تزل كبيرة الحجم ، ترى صورتها بعيني مسعود ، تتنفّس الصعداء حين ترى حجمها صار صغيرا وجسدها متكوّرا ، شعرتْ بنشوة ، : ” دعنا نتحسس انفاس بعضنا ونسمع قرع الطبول تحت اضلاعنا ، دعنا نتعارف ، انا اسمي مسرورة وأنت؟
– انا اسمي مسعود”
غنيا معا ”لم نذق .. لم نذق ..طعم السعادة يوماً!
- لااحدا يتركنا بحالنا ، يحاولون قتلنا حيثما نكون؟
شعرتْ بالجوع فعلا ،ارادت الخروج في رابعة النهار للبحث عن كسرة خبز او قطعة جبنة فحذّرها ونهرها ،اخبرها ان تصبر حتى حلول الظلام ، حين يخلد البشر الى النوم .
انتظرتْ مسرورة خلف ثقب الجدار، ترتعد شواربها الجديدة تحت وطأة الصمت الثقيل الذي خيّم على الدار. وحين غطّت البشرية في شخيرها الجماعي، أعلن مسعود إشارة البدء بضربة ذيل رشيقة على قفاها.
انسلّا من “الغار” كظلين هاربين من ذاكرة قديمة. كان المطبخ وطناً شاسعاً، ومخزن الأطعمة يرتفع كقلعة أسطورية. تسللا إلى “بيت المؤنة”، حيث تفوح رائحة التخزين والتراب المتكدّس ، ارتقيا كيس الطحين الأبيض؛ قمة جبلية باردة. غاص مسعود بجسده الصغير فيه حتى اختفى تماماً، ثم خرج كشبحٍ مغبّر بالبياض. “أنا الآن ملاكٌ بأسنان مدببة!” صرخ بصوتٍ لا يسمعه إلا النمل. شرعا في رفس الطحين، يبعثرانه في الهواء كمن يقيما قداساً للخراب، حتى اختلط غبار الطحين والتصق بأجسادهما الدبقة ، وعلى حافة وعاء الزيت المترهل ، انزلقا. لم يكن انزلاقاً عادياً، بل غرقاً للاستحمام في لزوجةٍ ذهبية. طفقا يسبحان في السائل الثقيل، يجران مالتصق بذيليهما المبللتين خلفهما، يلطخان البلاط البارد بآثار أقدامهما، خريطة عبثية من البقع التي تتحدّى نظافة أهل الدار” .
“يا مسعود، أترى هذا العالم؟ إنه لنا، طالما أننا نملك الجرأة لتدنيسه.”
هكذا همست مسرورة، وهي تنثر “ذروقها” كحبات مسبحة سوداء فوق كيس السكر، في إعلان سيادةٍ ساخر على طعام البشر. وبدآ احتفالهما الماجن؛ التحاما في عناقٍ حيواني صاخب، تتشابك فيه الأنفاس المتحشرجة مع أصوات قضم الأكياس . في زاوية مظلمة، فوق بساطٍ من قشور البصل اليابس، توقفا. لم تعد المسألة بحثا عن الخبز، بل كانت جوعاً للأحتفاء بالكينونة الجديدة ، كان جسد مسعود الصغير يرتجف بنشوة لم يعرفها حين كان “كبيراً”، نشوة السقوط الحر من رتبة اعلى .
أتمّا ” مراسم التتويج ” بترك فضلاتهما في كل ركن، كأعلان عن انتصارهما في تحقيق الخراب والدمار في تلك الليلة. كانا يتقاذفان حبات العدس، يقرضان أطراف الأكياس لسماع صوت قرقعة الأسنان ليثبتا للعالم قدرتها على التمزيق.
عند اقتراب الفجر، عادا إلى حجرهما الضيق، يجران بذيلهما رائحة الزيت والعفن وبقايا اللذة المحرمة، يغنيان بهمسٍ مبحوح:
“طوبى لنا.. طوبى لنا ..
قد مسخناه قبل أن يمسخنا!”
التعليقات