“العـــانس”
تعودت الجلوس في شرفة دارها المطلة على نهر دجلة تنظر الى أنسياب الماء بين جرفي النهر ، وتراقب مرور السيارات في الشارع المحاذي للنهر كما وانها ترصد حركات المشاة في مرورهم وتجوالهم على الكورنيش .
كانت تجلس لفترات طويلة وهي تحتسي كوب قهوة محلاة بالسكر كانت فارعة الطول ذات قوام جيد وشعرها الاسود الطويل ينساب الى اسفل كتفيها ناعماً كالحرير .
كانت تكثر النظر الى الماء كأن فيه سر عجيب او انها تودع فيه سر حياتها ، لم يتجاوز عمرها الثلاثين الا بقليل من السنين لم تكن متزوجة رغم انها جميلة أنيقة جذابة ، يتمناها كل من يراها .
خالجها شعور غريب وهي تضع على شفتيها كوب القهوة متسائلة لِمَ لا تكون هذه قبلة حبيب .
ويقطع صمتها بشكل مفاجىء صوت ( بريك سيارة ) توقف سيارة مسرعة ، اعاد اليها وعيها واكملت شرب رشفة من قهوتها مبتسمه وهي تنظر الى احمر الشفاه على حافة الكوب العلوية حيت المكان الذي شربت فيه.
بدأت تستعرض حياتها متذكرة ايام الدراسة الجامعية وزميلات تلك الايام ، وزملائها في تلك السنين . رددت في نفسها ان الجميع قد تزوجوا بعد اكمال الدراسة الا أنا ، ماالذي ينقصني … لاشيء ابداً ، جمال ومال واخلاق وشهامة وشهادة جامعية عليا .
اذاً لِمَ لم يتقدم احد لخطبتي هل اقول كما تقول عجائز أيام زمان انها ( القسمة والنصيب ) . لا ليس كذلك ابداً لأبحث عن سبب آخر . واستمرت تستعرض حياتها من جديد ومع رشفة اخرى من قهوتها المحلاة بالسكر ونظراتها الى صفحة الماء في دجلة ومرور السيارات في الشارع المحاذي ومع حركات اغصان الشجر على حافة الجرف المقابل من النهر وانسياب الزوارق في مياه دجلة التي تكسر صفحة الماء لهذا النهر عبر امواج متعاقبة تصل ببطىء شديد الى حافة الجرف صرخت باعلى صوتها يا للسماء كم جميل هذا المنظر كُلاً يحتضن حبيبته فجرفا النهر يحتضنان المياه ورصيفا الشارع يحتضنان الشارع نفسه واوراق الاشجار تحتضن الاغصان وامواج المياه تحتضن الزوارق . الا انا لا أحد يضمني الى صدره بحنان وعاطفة . عندها اجهشت بالبكاء ودموعها الساخنة تنساب من وجنتيها نازلة بغزارة حتى بللت ردائها . قالت يا لخيبة النساء وكررتها مراراً وهي تلتقط منديلاً ورقياً جففت دموعها به .
قالتها بحسرة واضحة كأنها أيقنت سبب عدم زواجها وايقنت ان القسمة والنصيب كما يقولون ليست السبب .
وتذكرت أنها رفضت عدد كبير من العرسان تقدموا اليها لاسباب مختلفة شعرت بها الان انها اسباب تافهة ويبدوا ان تعاليها وتكبرها هو الذي قادها الى هذه النتيجة بالاضافة الى رأي بعض النساء الذي أثر على رأيها آنذاك .
مسحت دموعها ثانية وهي تردد يا لخيبة النساء … يا لخيبة النساء .
أبو الحسنين الدعساوي
زيد الشهيد
داود سلمان عجاج
التعليقات