الثانية وسبع عشرة دقيقة

صورة الكاتب
بقلم: عدنان لفتة السماوي
التاريخ: 26 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2190
الثانية وسبع عشرة دقيقة

الثانية وسبع عشرة دقيقة

كان أول ما لاحظته المحققة ليان حمزة في منزل فاضل هو الساعة. ساعة جدارية قديمة متوقفة عند الثانية وسبع عشرة دقيقة. الشيء الغريب أن أحدًا لم يحاول إصلاحها، رغم أن المنزل كله يوحي بولع صاحبه بالنظام والستائر مرتبة بدقة، الكتب مصطفة بحسب الأحجام وحتى زجاجة العصير أُعيد إغلاقها بعناية بعد آخر كأس الفارغ بجانبها. وقفت ليان وسط غرفة المكتب، بينما كان الطبيب الشرعي يشرح تفاصيل الوفاة بصوت رتيب: الرصاصة دخلت من الفم ولا آثار مقاومة والانتحار شبه مؤكد. أومأت دون اهتمام وكانت تنظر إلى شيء آخر ثلاثة فناجين قهوة فوق الطاولة الأول فارغ. الثاني نصف ممتلئ الثالث بارد تمامًا ولكن حافته نظيفة، كأن صاحبه لم يشرب منه قط. قالت: كان لديه ضيوف : رد الضابط: زوجته قالت إن مستشاره جاء مساءً.. ما اسمه؟ رائد المستر. هنا فقط رفعت ليان عينيها كانت قد سمعت الاسم من قبل ليس في قضية جنائية، بل في أحاديث متفرقة داخل أروقة المحكمة. محامٍ خسر قضيته ثم اختفى. إعلامي انهار فجأة على الهواء سياسي قتل مساعده بعد شجار غامض. في كل مرة كان اسم رائد يمر قرب الحكاية مثل ظل لا يُمسك. لكن شيئًا آخر شد انتباهها أكثر فاضل لم يترك رسالة انتحار. رجل مثله؟ هذا النوع يكتب حتى ملاحظات شراء الخبز بخط مرتب. لا يمكن أن يغادر العالم دون تفسير ركعت قرب المكتب وفتحت الدرج السفلي ببطء. لا شيء ثم لاحظت خدشًا صغيرًا داخل الخشب. أدخلت إصبعها خلف اللوح فسقط تجويف سري صغير. داخله شريط كاسيت قديم نظرت للطبيب الشرعي:هل وجدتم مسجلًا؟ في تلك الليلة، جلست وحدها داخل سيارتها تستمع إلى التسجيل في البداية لم تسمع سوى أنفاس متقطعة وثم صوت فاضل. مرتبكًا.. خائفًا..وهذا وحده كان صادمًا قال بصوت منخفض: لا أعرف إن كنت أتعرض للجنون… أو أنني أرى الحقيقة أخيرًا صمت.. ثم: رائد لم يهددني وصوت ارتطام كأس كان فقط … يعرف أين يضع الكلمات.. تنفست ليان ببطء. ثم جاء الجزء الذي جعل الدم يبرد في عروقها. قال فاضل: سألني سؤالًا واحدًا فقط.. صمت طويل. قال لي: كيف تأكدت أن ابنك يشبهك؟ انقطع التسجيل فجأة. جلست ليان بلا حركة لأنها فهمت فورًا ما حدث بعد ذلك. رائد لم يدفعه للانتحار. رائد دفعه للشك والشك فعل الباقي.. التقت به بعد يومين وكان مكتبه يشبه صاحبه إلى حد مقلق . . لا صور شخصية لا شهادات معلقة.. لا شيء يكشف أي أثر عاطفي حقيقي حتى الساعة فوق الجدار كانت متوقفة. الثانية وسبع عشرة دقيقة… شعرت ليان بانقباض خفيف قال رائد وهو يلاحظ نظرتها: أكره حركة الساعات.. لماذا؟
ابتسم بهدوء: لأنها تذكر الناس أن أعمارهم تُستهلك.
جلست أمامه دون أن تزيد من حركة يديها . كانت تعرف هذا النوع من الرجال. الهادئون أكثر مما ينبغي قالت: فاضل النابلسي انتحر بعد لقائك بساعات. الناس لا ينتحرون بسبب لقاء واحد. ولكن بعضهم ينهار بعد فكرة واحدة. تأملها لثانيتين. ثم قال: أنتِ لا تنامين جيدًا.. تجمدت نظرتها. عفوًا؟ الجلد تحت عينيكِ ارتجاف اليد اليمنى. وطريقتكِ في مراقبة الباب منذ جلستِ. مال قليلًا للأمام. أنتِ لا تحبين الأماكن المغلقة. شعرت ليان بانقباض مفاجئ في صدرها صوت معدن يصرخ داخل ذاكرتها. سيارة مقلوبة زجاج محطم. رائحة بنزين وثم يد أمها وهي تضغط على كتفها بقوة وسط الظلام: لا تنامي يا ليان… لا تنامي… عادت فجأة إلى الواقع عندما قال رائد بهدوء:هل قلت شيئًا خاطئًا؟ هنا فقط أدركت الكارثة الحقيقية هو لم يكن يقرأ الناس فقط. بل كان يجرّهم نحو أكثر ذكرياتهم ظلمة دون أن يشعروا.. خلال الأسابيع التالية بدأت تلاحظ نمطًا مرعبًا. كل الأشخاص المرتبطين برائد كانوا يتغيرون تدريجيًا. زوجة تصبح مرتابة بصورة مرضية
رجل هادئ يتحول إلى عنيف. موظف ناجح يبدأ بتخريب عمله بنفسه. كأن رائد لا يدخل حياة الناس…
بل يدخل عقولهم. لم يكن يفرض سيطرته بالقوة. بل بالإنصات. يجلس أمام ضحيته ساعات طويلة، صامتًا أغلب الوقت، يراقب طريقة تحريك اليدين، ارتجاف الصوت، الكلمات التي تتكرر دون انتباه.. ثم يبدأ بعمله الحقيقي، يدس جملة صغيرة وسط الحديث، أنت تثق بها كثيرًا. أو: الغريب أن شريكك لم يدافع عنك عندما ذُكر اسمك. ثم ينسحب ويترك الفكرة تنمو وحدها مثل عفن بطيء. قالت سكرتيرته السابقة في التحقيق: كان يعرف أشياء عن الناس لم نخبره بها. مثل ماذا؟” ترددت المرأة تلعثمت قبل أن تقول: مرةً أخبرني أنني أكره أمي رغم أنني لم أقل ذلك لأحد. وكان محقًا؟ سقط الصمت. ثم همست:”نعم.” لكن أول خطأ ارتكبه رائد ظهر في قضية صغيرة لم ينتبه له أحد. عامل أرشيف بسيط يُدعى مؤيد. قضى رائد أسابيع وهو يزرع داخله الشك بأن زوجته تخونه.

راقبه الجميع ينهار تدريجيًا. ثم حدث شيء غير متوقع. عاد مؤيد إلى منزله… واعترف لزوجته بكل شيء بكى. انهار. أخبرها عن خوفه المرضي من أن يكون مثل أبيه العنيف.. وفي الصباح التالي، تركا المدينة معًا. حين قرأت ليان التقرير شعرت بشيء يتحرك داخلها لأول مرة. رائد ليس إلهًا. يمكن إفشال عدواه. بدأ هوسها الحقيقي ليلة دخولها شقته السرية.
كانت شقة صغيرة في حي قديم، لا تحمل اسمه، والجيران بالكاد يعرفون من يسكنها. داخلها لم تجد أدوات قتل وجدت شيئًا أسوأ. دفاتر وعشرات الدفاتر الجلدية المرتبة بعناية هندسية. فتحت أحدها. في الصفحة الأولى صورة لرجل ميت منذ ثلاث سنوات.
تحت الصورة ملاحظات دقيقة: يعاني من خوف دفين من الخيانة. يبتسم عند الكذب. يحتاج فقط إلى شعور بأنه مُستبدل. وفي الصفحة الأخيرة: انكسر بعد 11 يومًا. شعرت ليان ببرودة حقيقية تسري في ذراعها.
لم يكن يعتبرهم ضحايا. بل تجارب. فتحت دفترًا آخر.
امرأة. ثم آخر. قاضٍ. ثم توقفت فجأة. كان هناك دفتر يحمل اسمها. ليان .. ترددت قبل أن تفتحه. الصفحات الأولى كانت فارغة إلا من سطر واحد: لا تخاف من الظلام… لأنها تعرفه جيدًا. ثم صفحة أخرى: أخطر أنواع البشر هم الذين نجوا من أنفسهم مرة. قلبت الصفحة التالية. فتجمد الدم في عروقها. صورة قديمة لحادث السيارة. سيارة والدتها. صورتها هي وهي في السادسة عشرة. وتحت الصورة: الناجون من الموت المبكر يقضون حياتهم كلها وهم يشعرون أن العالم تأخر في قتلهم. أغلقت الدفتر بسرعة عندما سمعت الصوت خلفها. كنت أعلم أنك ستصلين إلى هنا. كان رائد يقف عند باب الغرفة. هادئًا كما لو أنه عاد إلى منزله ليجد ضيفة غير متوقعة فقط. لكن شيئًا فيه بدا مختلفًا لأول مرة وعيناه. كان هناك إرهاق خافت لم تنتبه له سابقًا. اقترب ببطء. ثم نظر إلى صورة ليان فوق الطاولة لثوانٍ أطول مما ينبغي. سألته: لماذا أنا؟ صمت. ولأول مرة منذ عرفت تأخر رائد في الرد. ثانيتين فقط. لكنها كانت كافية. قال أخيرًا: لأنكِ الوحيدة التي نظرتِ إليّ… ولم تخف.
فهمت ليان الحقيقة فجأة. رائد لا يدرس الناس لأنه أقوى منهم. بل لأنه مرعوب منهم.
كان يحتاج أن يعرف نقاط ضعف الجميع… حتى لا يصبح يومًا مثلهم.

 

عن الکاتب / الکاتبة

عدنان لفتة السماوي
عدنان لفتة السماوي
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الصوت الميت

الصوت الميت

الصوت الميت لم تكن الجثة أول ما لفت انتباهي حين دخلنا بيت أم رائد تلك…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
20 مايو 2026
اقرأ المزيد
أدلة صامته

أدلة صامته

أدلة صامته كان المطر ينزل خفيفاً فوق نوافذ دائرة الطب العدلي حين وصلت جثة ياسين…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
16 مايو 2026
اقرأ المزيد
“الحقيقة”

“الحقيقة”

“الحقيقة” الحقيقة خارج النص لم تكن الخيانة كما اكتشف لاحقًا فعلًا مفاجئًا غريبة الخيانة الحقيقية…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
2 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الثانية وسبع عشرة دقيقة

بقلم: عدنان لفتة السماوي | التاريخ: 26 مايو 2026

التصنيف: قصة قصيرة

الثانية وسبع عشرة دقيقة

كان أول ما لاحظته المحققة ليان حمزة في منزل فاضل هو الساعة. ساعة جدارية قديمة متوقفة عند الثانية وسبع عشرة دقيقة. الشيء الغريب أن أحدًا لم يحاول إصلاحها، رغم أن المنزل كله يوحي بولع صاحبه بالنظام والستائر مرتبة بدقة، الكتب مصطفة بحسب الأحجام وحتى زجاجة العصير أُعيد إغلاقها بعناية بعد آخر كأس الفارغ بجانبها. وقفت ليان وسط غرفة المكتب، بينما كان الطبيب الشرعي يشرح تفاصيل الوفاة بصوت رتيب: الرصاصة دخلت من الفم ولا آثار مقاومة والانتحار شبه مؤكد. أومأت دون اهتمام وكانت تنظر إلى شيء آخر ثلاثة فناجين قهوة فوق الطاولة الأول فارغ. الثاني نصف ممتلئ الثالث بارد تمامًا ولكن حافته نظيفة، كأن صاحبه لم يشرب منه قط. قالت: كان لديه ضيوف : رد الضابط: زوجته قالت إن مستشاره جاء مساءً.. ما اسمه؟ رائد المستر. هنا فقط رفعت ليان عينيها كانت قد سمعت الاسم من قبل ليس في قضية جنائية، بل في أحاديث متفرقة داخل أروقة المحكمة. محامٍ خسر قضيته ثم اختفى. إعلامي انهار فجأة على الهواء سياسي قتل مساعده بعد شجار غامض. في كل مرة كان اسم رائد يمر قرب الحكاية مثل ظل لا يُمسك. لكن شيئًا آخر شد انتباهها أكثر فاضل لم يترك رسالة انتحار. رجل مثله؟ هذا النوع يكتب حتى ملاحظات شراء الخبز بخط مرتب. لا يمكن أن يغادر العالم دون تفسير ركعت قرب المكتب وفتحت الدرج السفلي ببطء. لا شيء ثم لاحظت خدشًا صغيرًا داخل الخشب. أدخلت إصبعها خلف اللوح فسقط تجويف سري صغير. داخله شريط كاسيت قديم نظرت للطبيب الشرعي:هل وجدتم مسجلًا؟ في تلك الليلة، جلست وحدها داخل سيارتها تستمع إلى التسجيل في البداية لم تسمع سوى أنفاس متقطعة وثم صوت فاضل. مرتبكًا.. خائفًا..وهذا وحده كان صادمًا قال بصوت منخفض: لا أعرف إن كنت أتعرض للجنون… أو أنني أرى الحقيقة أخيرًا صمت.. ثم: رائد لم يهددني وصوت ارتطام كأس كان فقط … يعرف أين يضع الكلمات.. تنفست ليان ببطء. ثم جاء الجزء الذي جعل الدم يبرد في عروقها. قال فاضل: سألني سؤالًا واحدًا فقط.. صمت طويل. قال لي: كيف تأكدت أن ابنك يشبهك؟ انقطع التسجيل فجأة. جلست ليان بلا حركة لأنها فهمت فورًا ما حدث بعد ذلك. رائد لم يدفعه للانتحار. رائد دفعه للشك والشك فعل الباقي.. التقت به بعد يومين وكان مكتبه يشبه صاحبه إلى حد مقلق . . لا صور شخصية لا شهادات معلقة.. لا شيء يكشف أي أثر عاطفي حقيقي حتى الساعة فوق الجدار كانت متوقفة. الثانية وسبع عشرة دقيقة… شعرت ليان بانقباض خفيف قال رائد وهو يلاحظ نظرتها: أكره حركة الساعات.. لماذا؟
ابتسم بهدوء: لأنها تذكر الناس أن أعمارهم تُستهلك.
جلست أمامه دون أن تزيد من حركة يديها . كانت تعرف هذا النوع من الرجال. الهادئون أكثر مما ينبغي قالت: فاضل النابلسي انتحر بعد لقائك بساعات. الناس لا ينتحرون بسبب لقاء واحد. ولكن بعضهم ينهار بعد فكرة واحدة. تأملها لثانيتين. ثم قال: أنتِ لا تنامين جيدًا.. تجمدت نظرتها. عفوًا؟ الجلد تحت عينيكِ ارتجاف اليد اليمنى. وطريقتكِ في مراقبة الباب منذ جلستِ. مال قليلًا للأمام. أنتِ لا تحبين الأماكن المغلقة. شعرت ليان بانقباض مفاجئ في صدرها صوت معدن يصرخ داخل ذاكرتها. سيارة مقلوبة زجاج محطم. رائحة بنزين وثم يد أمها وهي تضغط على كتفها بقوة وسط الظلام: لا تنامي يا ليان… لا تنامي… عادت فجأة إلى الواقع عندما قال رائد بهدوء:هل قلت شيئًا خاطئًا؟ هنا فقط أدركت الكارثة الحقيقية هو لم يكن يقرأ الناس فقط. بل كان يجرّهم نحو أكثر ذكرياتهم ظلمة دون أن يشعروا.. خلال الأسابيع التالية بدأت تلاحظ نمطًا مرعبًا. كل الأشخاص المرتبطين برائد كانوا يتغيرون تدريجيًا. زوجة تصبح مرتابة بصورة مرضية
رجل هادئ يتحول إلى عنيف. موظف ناجح يبدأ بتخريب عمله بنفسه. كأن رائد لا يدخل حياة الناس…
بل يدخل عقولهم. لم يكن يفرض سيطرته بالقوة. بل بالإنصات. يجلس أمام ضحيته ساعات طويلة، صامتًا أغلب الوقت، يراقب طريقة تحريك اليدين، ارتجاف الصوت، الكلمات التي تتكرر دون انتباه.. ثم يبدأ بعمله الحقيقي، يدس جملة صغيرة وسط الحديث، أنت تثق بها كثيرًا. أو: الغريب أن شريكك لم يدافع عنك عندما ذُكر اسمك. ثم ينسحب ويترك الفكرة تنمو وحدها مثل عفن بطيء. قالت سكرتيرته السابقة في التحقيق: كان يعرف أشياء عن الناس لم نخبره بها. مثل ماذا؟” ترددت المرأة تلعثمت قبل أن تقول: مرةً أخبرني أنني أكره أمي رغم أنني لم أقل ذلك لأحد. وكان محقًا؟ سقط الصمت. ثم همست:”نعم.” لكن أول خطأ ارتكبه رائد ظهر في قضية صغيرة لم ينتبه له أحد. عامل أرشيف بسيط يُدعى مؤيد. قضى رائد أسابيع وهو يزرع داخله الشك بأن زوجته تخونه.

راقبه الجميع ينهار تدريجيًا. ثم حدث شيء غير متوقع. عاد مؤيد إلى منزله… واعترف لزوجته بكل شيء بكى. انهار. أخبرها عن خوفه المرضي من أن يكون مثل أبيه العنيف.. وفي الصباح التالي، تركا المدينة معًا. حين قرأت ليان التقرير شعرت بشيء يتحرك داخلها لأول مرة. رائد ليس إلهًا. يمكن إفشال عدواه. بدأ هوسها الحقيقي ليلة دخولها شقته السرية.
كانت شقة صغيرة في حي قديم، لا تحمل اسمه، والجيران بالكاد يعرفون من يسكنها. داخلها لم تجد أدوات قتل وجدت شيئًا أسوأ. دفاتر وعشرات الدفاتر الجلدية المرتبة بعناية هندسية. فتحت أحدها. في الصفحة الأولى صورة لرجل ميت منذ ثلاث سنوات.
تحت الصورة ملاحظات دقيقة: يعاني من خوف دفين من الخيانة. يبتسم عند الكذب. يحتاج فقط إلى شعور بأنه مُستبدل. وفي الصفحة الأخيرة: انكسر بعد 11 يومًا. شعرت ليان ببرودة حقيقية تسري في ذراعها.
لم يكن يعتبرهم ضحايا. بل تجارب. فتحت دفترًا آخر.
امرأة. ثم آخر. قاضٍ. ثم توقفت فجأة. كان هناك دفتر يحمل اسمها. ليان .. ترددت قبل أن تفتحه. الصفحات الأولى كانت فارغة إلا من سطر واحد: لا تخاف من الظلام… لأنها تعرفه جيدًا. ثم صفحة أخرى: أخطر أنواع البشر هم الذين نجوا من أنفسهم مرة. قلبت الصفحة التالية. فتجمد الدم في عروقها. صورة قديمة لحادث السيارة. سيارة والدتها. صورتها هي وهي في السادسة عشرة. وتحت الصورة: الناجون من الموت المبكر يقضون حياتهم كلها وهم يشعرون أن العالم تأخر في قتلهم. أغلقت الدفتر بسرعة عندما سمعت الصوت خلفها. كنت أعلم أنك ستصلين إلى هنا. كان رائد يقف عند باب الغرفة. هادئًا كما لو أنه عاد إلى منزله ليجد ضيفة غير متوقعة فقط. لكن شيئًا فيه بدا مختلفًا لأول مرة وعيناه. كان هناك إرهاق خافت لم تنتبه له سابقًا. اقترب ببطء. ثم نظر إلى صورة ليان فوق الطاولة لثوانٍ أطول مما ينبغي. سألته: لماذا أنا؟ صمت. ولأول مرة منذ عرفت تأخر رائد في الرد. ثانيتين فقط. لكنها كانت كافية. قال أخيرًا: لأنكِ الوحيدة التي نظرتِ إليّ… ولم تخف.
فهمت ليان الحقيقة فجأة. رائد لا يدرس الناس لأنه أقوى منهم. بل لأنه مرعوب منهم.
كان يحتاج أن يعرف نقاط ضعف الجميع… حتى لا يصبح يومًا مثلهم.