حين يصبح التحدي وحشية دامية تأملات في لوحة (مصارعة الديكة)

صورة الكاتب
بقلم: علي النصیر
التاريخ: 28 مايو 2026 عدد المشاهدات: 1236
حين يصبح التحدي وحشية دامية تأملات في لوحة (مصارعة الديكة)

حين يصبح التحدي وحشية دامية
تأملات في لوحة (مصارعة الديكة)

 

مصارعة الديوك” هي من ابرز اللوحات الفنية الشهيرة للرسام البلجيكي ( ريمي كوج ) المقيم في فرنسا، الفنان الذي اخذ اول دروس الفن في الاكاديمية المحلية، وفي عام 1876 دخل كلية الفنون الجميلة حيث درس تحت اشراف ( الكسندر كابانيل ). بعد مرور اربع سنوات كان مرشحا لجائزة روما لكن اكتشف انه لا يزال مواطنا بلجيكيا فعاد الى مدينة ” موسكرون ” حيث موطنه. استخدم (كوج) الزيت على القماش في رسم هذه اللوحة فنثر فيها سحره وابداعه حتى زرع فيها عناصر الاثارة والقتال والشراسة والتجمهر.(مصارعة الديكه) هو قتال وصراع دامي يكون بين ديكين، حيث ان الديوك مشهورة بمقاتلة بعضها البعض عند لقائها وتتميز بعدوانيتها تجاه الديكه الاخرين، فأستغل بعض الناس هذه العدوانية فوضوا الديكه في صراع أليم فيما بينهم وعادة ما تكون هناك رهانات على الديك الفائز. حيث كان الفلبيين القدماء من اوائل من اتخذ هذا الصراع كرياضة، وبعدما وصل الاسبان الى الفلبين اكتشفوا ذلك وثم انتشرت هذه الرياضة في بقية انحاء العالم، الا ان بعض الدول منعت وحرمت هذه الرياضة بسبب كونها تعتبر عنيفة جدا ضد الحيوان حتى تصل احيانا الى موت الديك الخاسر ايضا اضافة للرهانات الكبيرة التي توضع لها.
ما يلفت انتباه المشاهد لهذه اللوحة هي الثيمه الشرسة او العدوانية التي اثثها الرسام في لوحته، فنشاهد ابداع ( كوج ) في اختيار الالوان الداكنة التي تعتبر طقسا مناسبا جدا لحلبة المصارعة والنزال وكأن غيوم القتال تجمعت في كل مكان. نبدأ بالنظر للوحة نظرة شاملة فنجد العناصر الاساسية والادوات التي استخدمها الرسام تتكون من غرفة او بناية خاصة لأحتضان تلك الحلبة والجمهور، تجمهر كبير ليضعوا الرهان على الديك الفائز، حكم، حلبة مصارعة، ديكين يتقاتلان.
نشاهد اعلى اللوحة هناك عدد كبير من المتفرجين الذين ينتظرون الفائز كي يجمعوا الرهان بينهم، حتى اننا نرى ان هناك شجار اخر بين المشجعين وهم يجمعون الرهان في تلك الزاوية العليا من اللوحة، وشخص يمسك بيده النقود واخر يهبط مسرعا لكي يقترب من المشهد، وهناك ذلك الرجل المسن صاحب ذقن وشارب ابيض يصرخ عاليا يطلب من الباقين ان يفسحوا له المجال لرؤية شجار الديكة، يتوسط اللوحة حكم الصراع الذي يقف فاصلا بين صاحب الديك الذهبي وصاحب الديك الداكن والاسود ويمسك في يده كيس من القماش حيث كانوا يضعون فيه الديكة كي يزدادوا عدوانيه ووحشيه. نشاهد حلبه المصارعة والحاجز الذي يفصل بين الجمهور والديكة وداخله حيث يتم القتال و المباراة. اتقن الفنان بحق في رسم الديكة حيث جعل من تجسيدهما حس روحي متحرك وكأن الصراع بينهما يتحرك امامنا ونحن نتأمل الفائز من بينهما، فنجد الديك الذهبي يقفز طائرا وهو يفترش بريش عنقه بكل قوة وكأنه يريد ان يطيح بالديك الاخر ضربة قاضية، فنجد الريش خلفه يتطاير من هنا وهناك في كل مكان داخل الحلبة، والديك الاخر يتلقى الضربات المتتالية، يوضح لنا الرسام بأنه سيهوي قريبا ويسقط ارضا علامة على خسارته القريبة. وفق (كوج) في انتاج هذا العمل الجميل فترك المشاهد يتأمل ما سيحدث بعد لحظات اخرى من هذا النزاع الحيواني بين الديكة فأختار المكان والألوان والأدوات الصحيحة ووضعها في مكانها الصحيح ليتم خلق لوحة فنية نادرة كانت ومازالت تعتبر حاليا من مقتنيات متحف أورسي. ان الصراع مبدأ وجودي في الطبيعة، فنرى صراع موج البحر مع الشاطئ وارتطام الغيوم مع بعضها البعض ، لكن ان يكون الصراع من اجل المغانم المادية وان يكون التحدي من اجل كسب الرهان، اذن الصراع يخرج عن الطبيعة ليكتسب وحشيه هي من طبيعة الوحوش في الغابة، كما في الحروب التي تشنها الاقوام ضد بعضها لتدمر آثار الانسان الخالدة والطبيعة العذراء.

عن الکاتب / الکاتبة

علي النصیر
علي النصیر
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

النقد الانطباعي (تجربة الناقد الذاتية)

النقد الانطباعي (تجربة الناقد الذاتية)

يعتبر النقد الانطباعي – التأثري جزءا لا يتجزء من العملية الفنية الابداعية، جزءا له خصوصية…

صورة الكاتب علي النصیر
24 فبراير 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


حين يصبح التحدي وحشية دامية تأملات في لوحة (مصارعة الديكة)

بقلم: علي النصیر | التاريخ: 28 مايو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

حين يصبح التحدي وحشية دامية
تأملات في لوحة (مصارعة الديكة)

 

مصارعة الديوك” هي من ابرز اللوحات الفنية الشهيرة للرسام البلجيكي ( ريمي كوج ) المقيم في فرنسا، الفنان الذي اخذ اول دروس الفن في الاكاديمية المحلية، وفي عام 1876 دخل كلية الفنون الجميلة حيث درس تحت اشراف ( الكسندر كابانيل ). بعد مرور اربع سنوات كان مرشحا لجائزة روما لكن اكتشف انه لا يزال مواطنا بلجيكيا فعاد الى مدينة ” موسكرون ” حيث موطنه. استخدم (كوج) الزيت على القماش في رسم هذه اللوحة فنثر فيها سحره وابداعه حتى زرع فيها عناصر الاثارة والقتال والشراسة والتجمهر.(مصارعة الديكه) هو قتال وصراع دامي يكون بين ديكين، حيث ان الديوك مشهورة بمقاتلة بعضها البعض عند لقائها وتتميز بعدوانيتها تجاه الديكه الاخرين، فأستغل بعض الناس هذه العدوانية فوضوا الديكه في صراع أليم فيما بينهم وعادة ما تكون هناك رهانات على الديك الفائز. حيث كان الفلبيين القدماء من اوائل من اتخذ هذا الصراع كرياضة، وبعدما وصل الاسبان الى الفلبين اكتشفوا ذلك وثم انتشرت هذه الرياضة في بقية انحاء العالم، الا ان بعض الدول منعت وحرمت هذه الرياضة بسبب كونها تعتبر عنيفة جدا ضد الحيوان حتى تصل احيانا الى موت الديك الخاسر ايضا اضافة للرهانات الكبيرة التي توضع لها.
ما يلفت انتباه المشاهد لهذه اللوحة هي الثيمه الشرسة او العدوانية التي اثثها الرسام في لوحته، فنشاهد ابداع ( كوج ) في اختيار الالوان الداكنة التي تعتبر طقسا مناسبا جدا لحلبة المصارعة والنزال وكأن غيوم القتال تجمعت في كل مكان. نبدأ بالنظر للوحة نظرة شاملة فنجد العناصر الاساسية والادوات التي استخدمها الرسام تتكون من غرفة او بناية خاصة لأحتضان تلك الحلبة والجمهور، تجمهر كبير ليضعوا الرهان على الديك الفائز، حكم، حلبة مصارعة، ديكين يتقاتلان.
نشاهد اعلى اللوحة هناك عدد كبير من المتفرجين الذين ينتظرون الفائز كي يجمعوا الرهان بينهم، حتى اننا نرى ان هناك شجار اخر بين المشجعين وهم يجمعون الرهان في تلك الزاوية العليا من اللوحة، وشخص يمسك بيده النقود واخر يهبط مسرعا لكي يقترب من المشهد، وهناك ذلك الرجل المسن صاحب ذقن وشارب ابيض يصرخ عاليا يطلب من الباقين ان يفسحوا له المجال لرؤية شجار الديكة، يتوسط اللوحة حكم الصراع الذي يقف فاصلا بين صاحب الديك الذهبي وصاحب الديك الداكن والاسود ويمسك في يده كيس من القماش حيث كانوا يضعون فيه الديكة كي يزدادوا عدوانيه ووحشيه. نشاهد حلبه المصارعة والحاجز الذي يفصل بين الجمهور والديكة وداخله حيث يتم القتال و المباراة. اتقن الفنان بحق في رسم الديكة حيث جعل من تجسيدهما حس روحي متحرك وكأن الصراع بينهما يتحرك امامنا ونحن نتأمل الفائز من بينهما، فنجد الديك الذهبي يقفز طائرا وهو يفترش بريش عنقه بكل قوة وكأنه يريد ان يطيح بالديك الاخر ضربة قاضية، فنجد الريش خلفه يتطاير من هنا وهناك في كل مكان داخل الحلبة، والديك الاخر يتلقى الضربات المتتالية، يوضح لنا الرسام بأنه سيهوي قريبا ويسقط ارضا علامة على خسارته القريبة. وفق (كوج) في انتاج هذا العمل الجميل فترك المشاهد يتأمل ما سيحدث بعد لحظات اخرى من هذا النزاع الحيواني بين الديكة فأختار المكان والألوان والأدوات الصحيحة ووضعها في مكانها الصحيح ليتم خلق لوحة فنية نادرة كانت ومازالت تعتبر حاليا من مقتنيات متحف أورسي. ان الصراع مبدأ وجودي في الطبيعة، فنرى صراع موج البحر مع الشاطئ وارتطام الغيوم مع بعضها البعض ، لكن ان يكون الصراع من اجل المغانم المادية وان يكون التحدي من اجل كسب الرهان، اذن الصراع يخرج عن الطبيعة ليكتسب وحشيه هي من طبيعة الوحوش في الغابة، كما في الحروب التي تشنها الاقوام ضد بعضها لتدمر آثار الانسان الخالدة والطبيعة العذراء.