الرحيل اختياراً (مسرحية في فصل واحد)

صورة الكاتب
بقلم: سحر الشامي
التاريخ: 9 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2663
الرحيل اختياراً  (مسرحية في فصل واحد)

الرحيل اختياراً

(مسرحية في فصل واحد)

 

إنه لمؤسف أن يتلاشى كل ذلك ويختفي من الذاكرة البشرية، ولكنها هي نفسها، الذاكرة البشريةمشهود لها بالنكران وحذف كل ما هو جميل

شخوص المسرحية:
نوار
البائعُ المتجولٌُ
الأب
الأخ
ابن العم
مروان

المشهد الأول
المنظر – بقعة يكثرُ فيها العاقول وبعض شجيراتِ الأثلِ
البائع المتجول : ( يظهرُ دافعا عربته. ينادي ) باقلاء ، باقلاء من يشتري ؟
نوار: ( تدخل حائرة تلتفتُ يميناً ويساراً ترى البائعَ المتجول تهرعُ إليه وتستوقفه ) ارجوك قف ياسيدي
البائع المتجول : ( يتوقف )
نوار : (تركع أمام قدميه وتمسك بأذياله متوسلة ) رحماك ياسيدي
البائع المتجول : ما بك ؟
نوار: (متوسلةً) رحماك يا سيدي، رحماك
البائعُ المتجولُ: (بإنفعال) ما بك؟
نوار: (تشيرُ بيدها وتلهث) سيأتون، بل أنَّهم قادمون حتماً وعلى وشك..
البائعُ المتجولُ: (يُعينها على الوقوف) من هُم ؟ من هُم القادمون ؟
نوار: (تلهثُ) قادمون نحوي أحدهم يريدُ قتلي بالسكينِ التي طالما قطعتْ بها الطعامَ وقدمتهُ له (تبكي)
البائعُ المتجولُ: من هذا الذي يريد قتلك بالسكين ؟
نوار : ابي. أما الآخر فيريد خنقي بالحبل الذي طالما نشرت عليه غسيل ثيابه
البائعُ المتجولُ: من هذا ؟
نوار : اخي ، وثالثهم ابن عمي الذي يريد قتلي بمنجله
البائع المتجول : اهدئي يا ابنتي
نوار: ذلك المنجلُ أنيسي وليَّ معه رحلةٌ طويلةً أنا والمنجل لا نفترق منذ الصباح حتى غروب الشمسِ أحصدُ به الثمارَ ويريدون قتلي به
البائعُ المتجولُ: لماذا؟
نوار: (بِوجلٍ) رأوني مع من أحبُّ
البائعُ المتجولُ: (يهزُّ رأسه) ممَّ
نوار: (تتوسطُُ المكانَ وبحسرةٍ) ، عندما التقينا أولَ مرةٍ وجدتُ فيه سعادتي التي ما شعرت بها مع ابن عمي
البائعُ المتجولُ: وهل تكررَ ذلك اللقاء؟
نوار: (بيأسٍ) أكثر من مرة ، حتى جاءَ لخطبتي التي جوبهت بالرفض0لكنّهُ لم ييأس وفي لقاء لاحق بيننا قررنا..
اظلام

المشهد الثاني
نوار : ( تقطع الحشائش بالمنجل )
المنظر – حقل
مروان:( يظهر خلف نوار يغطي عينيها بكفيه. يهمسٍ) من أنا؟
نوار: (تبتسمُ) أنتَ الحلمُ
مروان: الذي سيتحققُ أليس كذلك؟
نوار: (تقفُ وبحزنٍ) ليته يتحققُ ، وليتَ ما يقولهُ ابن عمي يبات بلا صدى
مروان: (بتوترٍ) لا شيءَ مما يقولهُ ابن عمك قد يتحقق ما دمتُ حياً
نوار: هذا يعني انك تضرب كل شيء عرض الجدار؟
مروان: (بصوتٍ عالٍ) نعم
نوار: حتى التقاليد؟
مروان: حتى التقاليد
نوار: حتى التقاليد التي أصبحت بموجبها الكثير من النساء عجائز بلا زواج ؟
أو اللواتي قُتلن بدمٍ باردٍ غسلا للعار
مروان: (يهزُّ كتفيها) وعليه.. لا تنسي ليلتنا الموعودة
نوار: (تتنهد) ليلة الهروب ؟
مروان: نعم
نوار: (تدير ظهرها) هذه الكلمة تبعث فيَّ الخوفَ والهلع ترى ماذا سيحصل لنا عندما نهرب ؟
مروان: تخيلي معي المكان الذي سيأوينا تحت سقف من الطمأنينة يا نوار نبدأ هناك حياةً جديدةً ، حياة تنسينا الحزنَ والخوفَ والإذلال.. سأبني لك بيتاً آمنا وستكونين ملكة فيه
نوار: (مغمضة العينين) يا له من حلم جميل
مروان: نسعى بإصرار لتحقيقه
نوار: (فجأة) مروان ابتعد من هنا، فقد اقتربَ موعدُ قدومهم
مروان: (وهو يخرجُ) لا تنسي، موعدنا غدا عند الفجرِ
نوار: حسنا، حسنا
اظلام
المشهد الثالث

صوت الأب 🙁 يُسمعُ عن بعد) نوار يا نوار لم تفلتي مني
نوار: (تشعرُ بالذعر. تلوذُ بالبائعَ المتجول) ألم أقل لك انهم قادمون
البائع المتجول : صوت من هذا ؟
نوار : صوت ابي الذي اعتبرني عدوته
البائعُ المتجولُ: كيف لي أن أساعدكِ؟
نوار: (بتوسلٍ) أبعدني عنه دعني أموت بطريقتي أنا0لا أريد أن أموت بتلك الأدوات التي استخدمتها في أعمالي القسرية
صوتُ الأبِّ : ( يصبحُ قريباً) اين إختفيت يانوار؟ سأجدك حتما وسأغرس السكين في قلبك
نوار: ( تشعرُ بالهلع تشدُّ على يدِ البائعِ المتجولِ متوسلة اليه) أرجوك أبعدني عن هنا ابعدني عن السكين والحبل والمنجل
البائعُ المتجولُ: (يفكرُ ملياً) قلتُ إنك تفضلين الرحيلَ ؟
نوار : نعم
البائع المتجول : رحيل قد تكون نهايته الموت ؟
نوار : نعم
البائعُ المتجولُ: (وهو يفتحُ بابَ العربةِ) أدخلي هنا بسلامٍ 0 ستكونين بمأمنٍ منهم جميعاً
نوار: ( تهم بالدخول تتردد)
البائعُ المتجولُ: (متسائلا) ماذا حصل؟ كنت للتو تطلبين الخلاص (يشير إلى داخل العربة ) وها هو الخلاص هنا
نوار: على وفق قناعتي ؟
البائع المتجول: نعم خلاص بلا سكين او حبل او منجل
نوار : ( خاضعة ) وهو كذلك
البائع المتجول : تمام ( يقودها للدخول في جوف العربة ويوصد الباب خلفها ) لك ما شئت
الأب :(يظهرُ حاملا سكيناً ينظرُ هنا وهناك وهو يلهثُ ويزمجر. يقترب من البائع المتجول يسأل البائع المتجول) أين هي؟
البائعُ المتجولُ: من تقصد؟
الأبُّ: فتاة ترتدي ثوباً أسوداً.. لابدَّ أنَّها مرتْ من هنا.. (ينظرُ هنا وهناك) أين اختفتْ تلك العاهرة؟
البائع المتجول: (يفكرُ) أها، تقصد الفتاة الهزيلة ذات الثوب الأسود؟
الأبُّ: (يصرخُ) نعم
البائع المتجول: نعم رأيتها كانت المسكينة خائفة
الأبُّ: (يصرخُ) وأين ذهبت؟ انطق ايها البائع المتجول
البائعُ المتجولُ:(بسخريةٍ) كانت تطلب الدفء، وأعتقد أنها حصلت عليه
الأبُّ: ماذا تقصد أيها المجنون؟
البائعُ المتجولُ: عفواً، لقد سمعتها وهي ترددُ مع نفسِها كالمجنونةِ00 أنَّها تفضلُ الرحيلَ من هنا باختيارها ، على أن لا تُقتلَ بالسكينِ التي قطعتْ الطعامَ بها لتقدمه لك مع ابتسامة ودعوة بالعافية
الأبُّ: (يشعر بالصدمة) ماذا تقولُ؟
البائع المتجول: لستُ أنا القائلُ، بل هي
الأبُّ: (يرفع السكين ويقبض عليها بقوة) بل سأفعلُ ذلك جراء ما فعلته، وبنفس السكين (يشهر السكين بقوة) سأذبحُها وأتخلصُ من عارِها
البائعُ المتجولُ: (بهدوء وهو يرتبُ الأواني) هل لك أن تخبرني ما الذي فعلتهُ تلك الفتاة لتجعلكَ بهذه الحالة من العصبية والوحشية ؟
الأبُّ: تريدُ أن تعرفَ ماذا فعلت؟
البائعُ المتجولُ: نعم
الأبُّ: (بإصرارٍ) لقد عشقت
البائعُ المتجولُ: عشقت ؟
الأبُّ: أجل عشقت
البائعُ المتجولُ: (بهدوء) كلنا نعشقُ نعشقُ الطبيعةَ ونعشقُ المالَ ونعشقُ العائلةَ ونعشقُ كل مسرةٍ، بل نعشق حتى آلامنا في الحربِ والفقدِ والفقرِ والمرضِ
الأبّ : كلا، يا فيلسوفَ عصرِك لقد عشقتْ رجلاً
البائعُ المتجولُ: (يضحك) وما الضير إن عشقت؟ أوليس لها قلبها كقلبك حينما عشقت أنت والدتها ؟
الأبُّ: (يصرخُ) كلا، لم تكن والدتها كذلك، ولا شأنَ لك بهذا الأمر (ينظر يميناً ويساراً) أين ذهبت ؟ أين اختفت ؟ (نحو البائع المتجول) لقد رأيتها انت وهي تمر من هنا
البائع المتجول: (بكلِّ برودٍ) نعم وعرفت كيف اختارت المكان المناسب لها
الأبُّ: (ينظرُ هنا وهناك) أين؟ أين ذلك المكان؟ دُلني عليه
البائعُ المتجولُ: (ببرود) للأسف، لا يسع المكانُ لشخصين، إن أحببت إنتظر دورك
الأبُّ: (حائراً ثم يهمُّ بالخروج) لن أعودَ حتى يسيل دمها على هذا السكين(يخرجُ)
البائعُ المتجولُ: (بسخريةٍ) مسكين.. مسكين(يديرُ مفتاحَ الحرارةِ) لنرفعَ الحرارة قليلاً ، فالباقلاء تحتاجُ لنارٍ قويةٍ كي تغلي
اظلام

المشهد الرابع
صوت الأخِ: ( يسمع عن بعد ) نوار نوار
الأخ : (يظهرُ ممسكا بحبلٍ يقتربُ من البائعِ المتجولِ. يسأله) من فضلك يا أخ هل رأيتَ أختي نوار؟ هي فتاة ترتدي السواد
البائعُ المتجولُ: ما أكثرُ النساءِ المرتديات للسواد في عالمنا هذا !َ
الأخُّ: هي فتاة هزيلة
البائع المتجول: (يملأ الصحون بالباقلاء) وما أكثر الهزيلات في عالمنا هذا !
الأخُّ: (يقتربُ منه أكثر وبإصرارٍ أكثر) فتاة هزيلة تلبس السواد وفي وجهها ندبةٌ
البائع المتجول: (يفكرُ) تذكرتها لقد مرت من هنا
الأخُ: (بصوتٍ عالٍ) وأين هي الآن؟ هيا أخبرني؟
البائعُ المتجولُ: لقد سمعتها تردد مع نفسها كلاماً مبهما
الأخُ: (يمسك البائع المتجول من كتفيه) ماذا قالت أخبرني؟
البائعُ المتجولُ: كانت تقول لن أجعله يخنقني بالحبل الذي طالما حمل ثيابه بعد جهدٍ من الدعك والغسلِ، ليخرجَ أمام الملأ نظيفاً
الأخُ: لابدَّ من فعلِ ذلك
البائعُ المتجولُ: أخبرني ماذا فعلتْ أختك ؟
الأخُ: نكست رؤوسنا بسلوك قبيح
البائعُ المتجولُ: فقررتم قتلها
الأخُ: نعم
البائعُ المتجولُ: (بينه وبين نفسه) ليكن الربُّ معها
الأخُ: (ينظر إلى البائع المتجول حائراً) ماذا تتمتمُ يا رجل؟
البائعُ المتجولُ: (بسخريةٍ) ها ؟ لا شيءَ كنتُ أفكر لو أنّي أُعدُّ حباتَ الباقلاء قبل سكبِها في الأواني ؟
الأخ : وماذا لو تم العد ؟
البائع المتجول : يزداد ربحي
الأخُ: (بصدمة) هلا أخبرتني أين ذهبت ؟
البائع المتجول: ذهبت باختيارها إلى المدى البعيد
الأخُ: هل تُرشدني إلى ذلك المدى ؟
البائعُ المتجولُ: المدى لم يكن بعيدا ولكنها فيه بعيدة المنال
الأخُ: أي لغز هذا ؟!( يخرج متوترا )
اظلام

المشهد الخامس
صوتُ ابن العمِ: ( يُسمعُ من بعيدٍ) يا فتآة! يا فتاة !
ابن العمِّ: ( يظهر متلفتا الى هنا وهناك. يقترب من البائعِ المتجولِ) هل رأيت فتاةً بثوب أسود ؟
البائعُ المتجولُ: (يأخذ نفسا عميقا) نعم رأيتُها فتاةٌ تلفها الحيرة وينهكها الفزع
ابنُ العمِّ: وأين هي الآن؟
البائعُ المتجولُ: (وهو يمسحُ ظاهرَ العربةِ) هي الآن في لهيب نار تأكلها
ابنُ العمِّ: (بغضبٍ ) قبل استئصالها بهذا المنجل ؟
البائعُ المتجولُ: أي منجل هذا ؟
ابنُ العمِّ: (بأسفٍ) كانت تخرج منذ الصباح وهي تمسكُ بهذا المنجل لتضرب الأرض وتخرج منها ثماراً وتجمعها بيديها الخشنتين ويستمرُ عملها حتى الظهيرة لتعودُ إلى البيت خائرة القوى ثم تعاود العمل ثانية عند المساءِ
البائعُ المتجولُ: (يستمرُ بتنظيفِ العربةِ) إنَّهُ لأمرٌ مؤسفٌ أن يُنسى كلُّ ذلك ويختفي من الذاكرةِ ولكنها هي نفسها الذاكرة البشرية مشهودٌ لها بالنكران وتركُ كل ما هو جميل
ابنُ العمِّ: (يضربُ العربةَ بالمنجلِ) لم أنسَ أيَّ شيءٍ، وذاكرتي تعرض جميلها علي كل لحظة، بل إنَّ ذلك هو ما يجعلني أعاني أشدَّ الآلام ولكن لابدَّ لي من فعلِ ذلك استنادا لأمور تدفعني
البائع المتجولُ: أ تقصدُ التقاليد؟
ابن العم: نعم التقاليد قبضة لاننفك عنها حتى تخرج الروح من الجسد
االبائعُ المتجولُ: إرمِ المنجلَ من يدكَ وسينتهي كلُّ شيءٍ
ابن العم: (بغضب) ورجالُ القريةِ ؟ انهم ينتظرون أن نأتي بها مقتولةً وإلا ركبنا العارَ عِبرَ الأزمان
البائعُ المتجولُ: (ببرودٍ) أرى أنَّ العارَ هو ما تفعلهُ
ابنُ العمِّ: (بإصرارٍ) وإن يكُن ومهما يكونُ .. لابدَّ من قتلِ نوار
البائعُ المتجولُ: أهي اختك؟
ابنُ العمِّ: لا، هي ابنةُ عمّي، ولي الحقُّ بها منذُ عهدٍ وضعه أهلُنا ولكنها نكثتْ بذلك العهد وعشقتْ رجلاً غريباً ( يفكر )
اظلام

المشهد السادس

نوار : ( تظهر وبيدها منجلٌ يبدو عليها التعبُ والهمُّ )
ابنُ العمِّ: ( يلاحظها ) ما بكِ يا نوار؟ لستِ على عادتِك هل حصلَ شيء ؟
نوار: لا ، لا شيء ماذا يمكنُ أن يحصلَ لفتاةٍ مثلي تقضي كلّ وقتَها بين المطبخِ والتنظيفٍ والحصادٍ ؟
ابنُ العمِّ: (يزمُّ شفتيه) جوابُك يؤكدُ لي بأنَّك لستِ على ما يرام؟
نوار: (بلا مبالاةٍ) لا شيءَ مُهم
ابنُ العمِّ: (يسيرُ خلفها هامسا بأذنِها) باتَ عرسُنا قريباً
نوار: ولم الاستعجال؟
ابنُ العمِّ: (بحماس) ولم التأجيل؟
نوار: (مع نفسِها) ومتى أصبحَ ليَّ قرارٌ في هذا الأمرِ أصلاً ؟ (نحو ابن عمها) ليكن
ابنُ العمِّ : (يشعرُ بأمرٍ ما وفجأة يقبضُ على كتفيّ نوار ويحدقُ بعينيها يدورٌ حولها مراراً وبهمسٍ) شُوهِدَ بالأمسِ وهو يتلصصُ حولَ البيتِ عن بعدٍ
نوار: (ارتعدتْ خوفاً) من؟
ابنُ العم: (يدور حولها) ذلك الذي جاءَ خاطباً إياكِ يوما
نوار: تقصدُ مروان؟
ابنُ العمِّ: (يصرخُ في وجهِها) وتنطقينَ اسمَهُ أمامي
نوار: (بهلعٍ) أنا أيضاً سمعتُ ذلكَ من نسوةِ القرية
ابنُ العمِّ: (بإصرار) أتمنى فقط أن تكوني قد سَمعت
نوار: (تغمضُ عينيها من الخوفِ) اطمئنْ.. سمعتُ فقط
ابنُ العمِّ: (يدورُ حولها كمحققٍ) ألم يلتقِ بك؟
نوار: (تتلعثمُ )لا أبداً، أبدا لم يحدث وان التقى بي ولكنني أرى أنَّك أنت الذي ليس على ما يرام
ابنُ العمِّ : ( يحدق بنوار )
نوار : ( تتجنبُ النظرَ إليهِ بينما يستمرُ هو بمراقبتها طويلاً )
اظلام

المشهد السابع
البائعُ المتجولُ:(بحسرةٍ) لقد آلت كلُّ العهودِ إلى خسران
أبنُ العمِّ: ماذا تعني؟
البائع المتجول: أعني لو أني أعدُّ حبات الباقلاء التي أصبها للزبائن في الأواني لأزداد ربحي
ابنُ العمِّ: (يهزُّ رأسُهُ حائراً ثم متسائلاً) ارجوك أخبرني أين ذهبتْ، على اعتبارك الشاهد الوحيد على فرارها ُ؟
البائعُ المتجولُ: هي التي اختارت طريقَ الرحيلِ بنفسِها
ابنُ العمِّ: في أي إتجاهٍ رحلتْ ؟
البائعُ المتجولُ: في الإتجاهِ الصحيح من وجهة نظرها
ابنُ العمِّ: ( ينهرهُ) هل تسخرُ مني؟
البائعُ المتجولُ: معاذ الله تحدثت بعقل مع من لاعقل له، يهم بمنجله سكب الدماء
ابنُ العمِّ : ( يهم بالخروج ثم يتراجعُ يتشممُ يَهرعُ نحو البائعِ المتجولِ. ينظرُ إليه بتمعنٍ حتى تجحض عيناه) أشمُّ رائحةَ شواءٍ
البائع المتجول: (ببرودٍ) نعم
ابن العمِّ: (بهمسٍ وتوعدٍ مع تحريكِ رقبتهُ) لحمٌ يشوى؟
البائعُ المتجولُ: (مؤكدا) لحم يشوى
ابن العم: (يهزُّ رأسهُ بقلقٍ) ماذا تعني؟
(يسمع صوت رعدٍ ويظهرُ برقٌ)
البائع المتجول: عليَّ الخروجُ من هنا وإلا بللني المطرُ وأفسدَ عملي (يهمُّ بدفعِ العربةِ)
ابن العم: (يعترض طريقهُ شاهراً منجله) لن تبتعد خطوةً واحدةً قبل أن أتأكد من أمرٍ
البائعُ المتجول: (يبتسم) هيا إذن ناد على عمك وابنه كي تنجلي امامكم حقيقة الأمر
ابنُ العمِّ : (يقع في حيرةٍ من أمره يتخبط جيئة وذهابايرفع صوته عاليا) عماهُ، ياعماهُ ! أين أنتَ؟ تعالَ الى هنا
الأب والأخ : ( يدخلان ) ما الذي جرى ؟
البائع المتجول: ( يفتح باب العربة ويخرج منها نوار ويسحبُها من ذراعيها ويضعُها في الوسطِ )
الثلاثة : (يقفُون على الجثةِ مذهولين)
البائعُ المتجولُ:(بهدوء)ها قد اختارت طريقها بنفسها لقد رفضت الموت بتلك الآلات التي خدمتكم بها، لتمارسَ حقها المشروع في الموت بطريقتها
الأبُّ : ( يرمي السكينَ )
الأخ : ( يرمي الحبلَ )
ابن العم : ( برمي المنجلَ)
الجميع : (ينحنون حولَ جثة نوار)
البائع المتجول: ( يدفعُ عربتهُ ويهمُّ بالخروج) كانت تشوى بتلك الحرارة وبمنتهى الرضا، كغيرها من الفتيات اللواتي سبقنها (يخرجُ)

النهاية

 

 

عن الکاتب / الکاتبة

سحر الشامي
سحر الشامي
قاصة . ناقدة / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الرحيل اختياراً (مسرحية في فصل واحد)

بقلم: سحر الشامي | التاريخ: 9 يونيو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

الرحيل اختياراً

(مسرحية في فصل واحد)

 

إنه لمؤسف أن يتلاشى كل ذلك ويختفي من الذاكرة البشرية، ولكنها هي نفسها، الذاكرة البشريةمشهود لها بالنكران وحذف كل ما هو جميل

شخوص المسرحية:
نوار
البائعُ المتجولٌُ
الأب
الأخ
ابن العم
مروان

المشهد الأول
المنظر – بقعة يكثرُ فيها العاقول وبعض شجيراتِ الأثلِ
البائع المتجول : ( يظهرُ دافعا عربته. ينادي ) باقلاء ، باقلاء من يشتري ؟
نوار: ( تدخل حائرة تلتفتُ يميناً ويساراً ترى البائعَ المتجول تهرعُ إليه وتستوقفه ) ارجوك قف ياسيدي
البائع المتجول : ( يتوقف )
نوار : (تركع أمام قدميه وتمسك بأذياله متوسلة ) رحماك ياسيدي
البائع المتجول : ما بك ؟
نوار: (متوسلةً) رحماك يا سيدي، رحماك
البائعُ المتجولُ: (بإنفعال) ما بك؟
نوار: (تشيرُ بيدها وتلهث) سيأتون، بل أنَّهم قادمون حتماً وعلى وشك..
البائعُ المتجولُ: (يُعينها على الوقوف) من هُم ؟ من هُم القادمون ؟
نوار: (تلهثُ) قادمون نحوي أحدهم يريدُ قتلي بالسكينِ التي طالما قطعتْ بها الطعامَ وقدمتهُ له (تبكي)
البائعُ المتجولُ: من هذا الذي يريد قتلك بالسكين ؟
نوار : ابي. أما الآخر فيريد خنقي بالحبل الذي طالما نشرت عليه غسيل ثيابه
البائعُ المتجولُ: من هذا ؟
نوار : اخي ، وثالثهم ابن عمي الذي يريد قتلي بمنجله
البائع المتجول : اهدئي يا ابنتي
نوار: ذلك المنجلُ أنيسي وليَّ معه رحلةٌ طويلةً أنا والمنجل لا نفترق منذ الصباح حتى غروب الشمسِ أحصدُ به الثمارَ ويريدون قتلي به
البائعُ المتجولُ: لماذا؟
نوار: (بِوجلٍ) رأوني مع من أحبُّ
البائعُ المتجولُ: (يهزُّ رأسه) ممَّ
نوار: (تتوسطُُ المكانَ وبحسرةٍ) ، عندما التقينا أولَ مرةٍ وجدتُ فيه سعادتي التي ما شعرت بها مع ابن عمي
البائعُ المتجولُ: وهل تكررَ ذلك اللقاء؟
نوار: (بيأسٍ) أكثر من مرة ، حتى جاءَ لخطبتي التي جوبهت بالرفض0لكنّهُ لم ييأس وفي لقاء لاحق بيننا قررنا..
اظلام

المشهد الثاني
نوار : ( تقطع الحشائش بالمنجل )
المنظر – حقل
مروان:( يظهر خلف نوار يغطي عينيها بكفيه. يهمسٍ) من أنا؟
نوار: (تبتسمُ) أنتَ الحلمُ
مروان: الذي سيتحققُ أليس كذلك؟
نوار: (تقفُ وبحزنٍ) ليته يتحققُ ، وليتَ ما يقولهُ ابن عمي يبات بلا صدى
مروان: (بتوترٍ) لا شيءَ مما يقولهُ ابن عمك قد يتحقق ما دمتُ حياً
نوار: هذا يعني انك تضرب كل شيء عرض الجدار؟
مروان: (بصوتٍ عالٍ) نعم
نوار: حتى التقاليد؟
مروان: حتى التقاليد
نوار: حتى التقاليد التي أصبحت بموجبها الكثير من النساء عجائز بلا زواج ؟
أو اللواتي قُتلن بدمٍ باردٍ غسلا للعار
مروان: (يهزُّ كتفيها) وعليه.. لا تنسي ليلتنا الموعودة
نوار: (تتنهد) ليلة الهروب ؟
مروان: نعم
نوار: (تدير ظهرها) هذه الكلمة تبعث فيَّ الخوفَ والهلع ترى ماذا سيحصل لنا عندما نهرب ؟
مروان: تخيلي معي المكان الذي سيأوينا تحت سقف من الطمأنينة يا نوار نبدأ هناك حياةً جديدةً ، حياة تنسينا الحزنَ والخوفَ والإذلال.. سأبني لك بيتاً آمنا وستكونين ملكة فيه
نوار: (مغمضة العينين) يا له من حلم جميل
مروان: نسعى بإصرار لتحقيقه
نوار: (فجأة) مروان ابتعد من هنا، فقد اقتربَ موعدُ قدومهم
مروان: (وهو يخرجُ) لا تنسي، موعدنا غدا عند الفجرِ
نوار: حسنا، حسنا
اظلام
المشهد الثالث

صوت الأب 🙁 يُسمعُ عن بعد) نوار يا نوار لم تفلتي مني
نوار: (تشعرُ بالذعر. تلوذُ بالبائعَ المتجول) ألم أقل لك انهم قادمون
البائع المتجول : صوت من هذا ؟
نوار : صوت ابي الذي اعتبرني عدوته
البائعُ المتجولُ: كيف لي أن أساعدكِ؟
نوار: (بتوسلٍ) أبعدني عنه دعني أموت بطريقتي أنا0لا أريد أن أموت بتلك الأدوات التي استخدمتها في أعمالي القسرية
صوتُ الأبِّ : ( يصبحُ قريباً) اين إختفيت يانوار؟ سأجدك حتما وسأغرس السكين في قلبك
نوار: ( تشعرُ بالهلع تشدُّ على يدِ البائعِ المتجولِ متوسلة اليه) أرجوك أبعدني عن هنا ابعدني عن السكين والحبل والمنجل
البائعُ المتجولُ: (يفكرُ ملياً) قلتُ إنك تفضلين الرحيلَ ؟
نوار : نعم
البائع المتجول : رحيل قد تكون نهايته الموت ؟
نوار : نعم
البائعُ المتجولُ: (وهو يفتحُ بابَ العربةِ) أدخلي هنا بسلامٍ 0 ستكونين بمأمنٍ منهم جميعاً
نوار: ( تهم بالدخول تتردد)
البائعُ المتجولُ: (متسائلا) ماذا حصل؟ كنت للتو تطلبين الخلاص (يشير إلى داخل العربة ) وها هو الخلاص هنا
نوار: على وفق قناعتي ؟
البائع المتجول: نعم خلاص بلا سكين او حبل او منجل
نوار : ( خاضعة ) وهو كذلك
البائع المتجول : تمام ( يقودها للدخول في جوف العربة ويوصد الباب خلفها ) لك ما شئت
الأب :(يظهرُ حاملا سكيناً ينظرُ هنا وهناك وهو يلهثُ ويزمجر. يقترب من البائع المتجول يسأل البائع المتجول) أين هي؟
البائعُ المتجولُ: من تقصد؟
الأبُّ: فتاة ترتدي ثوباً أسوداً.. لابدَّ أنَّها مرتْ من هنا.. (ينظرُ هنا وهناك) أين اختفتْ تلك العاهرة؟
البائع المتجول: (يفكرُ) أها، تقصد الفتاة الهزيلة ذات الثوب الأسود؟
الأبُّ: (يصرخُ) نعم
البائع المتجول: نعم رأيتها كانت المسكينة خائفة
الأبُّ: (يصرخُ) وأين ذهبت؟ انطق ايها البائع المتجول
البائعُ المتجولُ:(بسخريةٍ) كانت تطلب الدفء، وأعتقد أنها حصلت عليه
الأبُّ: ماذا تقصد أيها المجنون؟
البائعُ المتجولُ: عفواً، لقد سمعتها وهي ترددُ مع نفسِها كالمجنونةِ00 أنَّها تفضلُ الرحيلَ من هنا باختيارها ، على أن لا تُقتلَ بالسكينِ التي قطعتْ الطعامَ بها لتقدمه لك مع ابتسامة ودعوة بالعافية
الأبُّ: (يشعر بالصدمة) ماذا تقولُ؟
البائع المتجول: لستُ أنا القائلُ، بل هي
الأبُّ: (يرفع السكين ويقبض عليها بقوة) بل سأفعلُ ذلك جراء ما فعلته، وبنفس السكين (يشهر السكين بقوة) سأذبحُها وأتخلصُ من عارِها
البائعُ المتجولُ: (بهدوء وهو يرتبُ الأواني) هل لك أن تخبرني ما الذي فعلتهُ تلك الفتاة لتجعلكَ بهذه الحالة من العصبية والوحشية ؟
الأبُّ: تريدُ أن تعرفَ ماذا فعلت؟
البائعُ المتجولُ: نعم
الأبُّ: (بإصرارٍ) لقد عشقت
البائعُ المتجولُ: عشقت ؟
الأبُّ: أجل عشقت
البائعُ المتجولُ: (بهدوء) كلنا نعشقُ نعشقُ الطبيعةَ ونعشقُ المالَ ونعشقُ العائلةَ ونعشقُ كل مسرةٍ، بل نعشق حتى آلامنا في الحربِ والفقدِ والفقرِ والمرضِ
الأبّ : كلا، يا فيلسوفَ عصرِك لقد عشقتْ رجلاً
البائعُ المتجولُ: (يضحك) وما الضير إن عشقت؟ أوليس لها قلبها كقلبك حينما عشقت أنت والدتها ؟
الأبُّ: (يصرخُ) كلا، لم تكن والدتها كذلك، ولا شأنَ لك بهذا الأمر (ينظر يميناً ويساراً) أين ذهبت ؟ أين اختفت ؟ (نحو البائع المتجول) لقد رأيتها انت وهي تمر من هنا
البائع المتجول: (بكلِّ برودٍ) نعم وعرفت كيف اختارت المكان المناسب لها
الأبُّ: (ينظرُ هنا وهناك) أين؟ أين ذلك المكان؟ دُلني عليه
البائعُ المتجولُ: (ببرود) للأسف، لا يسع المكانُ لشخصين، إن أحببت إنتظر دورك
الأبُّ: (حائراً ثم يهمُّ بالخروج) لن أعودَ حتى يسيل دمها على هذا السكين(يخرجُ)
البائعُ المتجولُ: (بسخريةٍ) مسكين.. مسكين(يديرُ مفتاحَ الحرارةِ) لنرفعَ الحرارة قليلاً ، فالباقلاء تحتاجُ لنارٍ قويةٍ كي تغلي
اظلام

المشهد الرابع
صوت الأخِ: ( يسمع عن بعد ) نوار نوار
الأخ : (يظهرُ ممسكا بحبلٍ يقتربُ من البائعِ المتجولِ. يسأله) من فضلك يا أخ هل رأيتَ أختي نوار؟ هي فتاة ترتدي السواد
البائعُ المتجولُ: ما أكثرُ النساءِ المرتديات للسواد في عالمنا هذا !َ
الأخُّ: هي فتاة هزيلة
البائع المتجول: (يملأ الصحون بالباقلاء) وما أكثر الهزيلات في عالمنا هذا !
الأخُّ: (يقتربُ منه أكثر وبإصرارٍ أكثر) فتاة هزيلة تلبس السواد وفي وجهها ندبةٌ
البائع المتجول: (يفكرُ) تذكرتها لقد مرت من هنا
الأخُ: (بصوتٍ عالٍ) وأين هي الآن؟ هيا أخبرني؟
البائعُ المتجولُ: لقد سمعتها تردد مع نفسها كلاماً مبهما
الأخُ: (يمسك البائع المتجول من كتفيه) ماذا قالت أخبرني؟
البائعُ المتجولُ: كانت تقول لن أجعله يخنقني بالحبل الذي طالما حمل ثيابه بعد جهدٍ من الدعك والغسلِ، ليخرجَ أمام الملأ نظيفاً
الأخُ: لابدَّ من فعلِ ذلك
البائعُ المتجولُ: أخبرني ماذا فعلتْ أختك ؟
الأخُ: نكست رؤوسنا بسلوك قبيح
البائعُ المتجولُ: فقررتم قتلها
الأخُ: نعم
البائعُ المتجولُ: (بينه وبين نفسه) ليكن الربُّ معها
الأخُ: (ينظر إلى البائع المتجول حائراً) ماذا تتمتمُ يا رجل؟
البائعُ المتجولُ: (بسخريةٍ) ها ؟ لا شيءَ كنتُ أفكر لو أنّي أُعدُّ حباتَ الباقلاء قبل سكبِها في الأواني ؟
الأخ : وماذا لو تم العد ؟
البائع المتجول : يزداد ربحي
الأخُ: (بصدمة) هلا أخبرتني أين ذهبت ؟
البائع المتجول: ذهبت باختيارها إلى المدى البعيد
الأخُ: هل تُرشدني إلى ذلك المدى ؟
البائعُ المتجولُ: المدى لم يكن بعيدا ولكنها فيه بعيدة المنال
الأخُ: أي لغز هذا ؟!( يخرج متوترا )
اظلام

المشهد الخامس
صوتُ ابن العمِ: ( يُسمعُ من بعيدٍ) يا فتآة! يا فتاة !
ابن العمِّ: ( يظهر متلفتا الى هنا وهناك. يقترب من البائعِ المتجولِ) هل رأيت فتاةً بثوب أسود ؟
البائعُ المتجولُ: (يأخذ نفسا عميقا) نعم رأيتُها فتاةٌ تلفها الحيرة وينهكها الفزع
ابنُ العمِّ: وأين هي الآن؟
البائعُ المتجولُ: (وهو يمسحُ ظاهرَ العربةِ) هي الآن في لهيب نار تأكلها
ابنُ العمِّ: (بغضبٍ ) قبل استئصالها بهذا المنجل ؟
البائعُ المتجولُ: أي منجل هذا ؟
ابنُ العمِّ: (بأسفٍ) كانت تخرج منذ الصباح وهي تمسكُ بهذا المنجل لتضرب الأرض وتخرج منها ثماراً وتجمعها بيديها الخشنتين ويستمرُ عملها حتى الظهيرة لتعودُ إلى البيت خائرة القوى ثم تعاود العمل ثانية عند المساءِ
البائعُ المتجولُ: (يستمرُ بتنظيفِ العربةِ) إنَّهُ لأمرٌ مؤسفٌ أن يُنسى كلُّ ذلك ويختفي من الذاكرةِ ولكنها هي نفسها الذاكرة البشرية مشهودٌ لها بالنكران وتركُ كل ما هو جميل
ابنُ العمِّ: (يضربُ العربةَ بالمنجلِ) لم أنسَ أيَّ شيءٍ، وذاكرتي تعرض جميلها علي كل لحظة، بل إنَّ ذلك هو ما يجعلني أعاني أشدَّ الآلام ولكن لابدَّ لي من فعلِ ذلك استنادا لأمور تدفعني
البائع المتجولُ: أ تقصدُ التقاليد؟
ابن العم: نعم التقاليد قبضة لاننفك عنها حتى تخرج الروح من الجسد
االبائعُ المتجولُ: إرمِ المنجلَ من يدكَ وسينتهي كلُّ شيءٍ
ابن العم: (بغضب) ورجالُ القريةِ ؟ انهم ينتظرون أن نأتي بها مقتولةً وإلا ركبنا العارَ عِبرَ الأزمان
البائعُ المتجولُ: (ببرودٍ) أرى أنَّ العارَ هو ما تفعلهُ
ابنُ العمِّ: (بإصرارٍ) وإن يكُن ومهما يكونُ .. لابدَّ من قتلِ نوار
البائعُ المتجولُ: أهي اختك؟
ابنُ العمِّ: لا، هي ابنةُ عمّي، ولي الحقُّ بها منذُ عهدٍ وضعه أهلُنا ولكنها نكثتْ بذلك العهد وعشقتْ رجلاً غريباً ( يفكر )
اظلام

المشهد السادس

نوار : ( تظهر وبيدها منجلٌ يبدو عليها التعبُ والهمُّ )
ابنُ العمِّ: ( يلاحظها ) ما بكِ يا نوار؟ لستِ على عادتِك هل حصلَ شيء ؟
نوار: لا ، لا شيء ماذا يمكنُ أن يحصلَ لفتاةٍ مثلي تقضي كلّ وقتَها بين المطبخِ والتنظيفٍ والحصادٍ ؟
ابنُ العمِّ: (يزمُّ شفتيه) جوابُك يؤكدُ لي بأنَّك لستِ على ما يرام؟
نوار: (بلا مبالاةٍ) لا شيءَ مُهم
ابنُ العمِّ: (يسيرُ خلفها هامسا بأذنِها) باتَ عرسُنا قريباً
نوار: ولم الاستعجال؟
ابنُ العمِّ: (بحماس) ولم التأجيل؟
نوار: (مع نفسِها) ومتى أصبحَ ليَّ قرارٌ في هذا الأمرِ أصلاً ؟ (نحو ابن عمها) ليكن
ابنُ العمِّ : (يشعرُ بأمرٍ ما وفجأة يقبضُ على كتفيّ نوار ويحدقُ بعينيها يدورٌ حولها مراراً وبهمسٍ) شُوهِدَ بالأمسِ وهو يتلصصُ حولَ البيتِ عن بعدٍ
نوار: (ارتعدتْ خوفاً) من؟
ابنُ العم: (يدور حولها) ذلك الذي جاءَ خاطباً إياكِ يوما
نوار: تقصدُ مروان؟
ابنُ العمِّ: (يصرخُ في وجهِها) وتنطقينَ اسمَهُ أمامي
نوار: (بهلعٍ) أنا أيضاً سمعتُ ذلكَ من نسوةِ القرية
ابنُ العمِّ: (بإصرار) أتمنى فقط أن تكوني قد سَمعت
نوار: (تغمضُ عينيها من الخوفِ) اطمئنْ.. سمعتُ فقط
ابنُ العمِّ: (يدورُ حولها كمحققٍ) ألم يلتقِ بك؟
نوار: (تتلعثمُ )لا أبداً، أبدا لم يحدث وان التقى بي ولكنني أرى أنَّك أنت الذي ليس على ما يرام
ابنُ العمِّ : ( يحدق بنوار )
نوار : ( تتجنبُ النظرَ إليهِ بينما يستمرُ هو بمراقبتها طويلاً )
اظلام

المشهد السابع
البائعُ المتجولُ:(بحسرةٍ) لقد آلت كلُّ العهودِ إلى خسران
أبنُ العمِّ: ماذا تعني؟
البائع المتجول: أعني لو أني أعدُّ حبات الباقلاء التي أصبها للزبائن في الأواني لأزداد ربحي
ابنُ العمِّ: (يهزُّ رأسُهُ حائراً ثم متسائلاً) ارجوك أخبرني أين ذهبتْ، على اعتبارك الشاهد الوحيد على فرارها ُ؟
البائعُ المتجولُ: هي التي اختارت طريقَ الرحيلِ بنفسِها
ابنُ العمِّ: في أي إتجاهٍ رحلتْ ؟
البائعُ المتجولُ: في الإتجاهِ الصحيح من وجهة نظرها
ابنُ العمِّ: ( ينهرهُ) هل تسخرُ مني؟
البائعُ المتجولُ: معاذ الله تحدثت بعقل مع من لاعقل له، يهم بمنجله سكب الدماء
ابنُ العمِّ : ( يهم بالخروج ثم يتراجعُ يتشممُ يَهرعُ نحو البائعِ المتجولِ. ينظرُ إليه بتمعنٍ حتى تجحض عيناه) أشمُّ رائحةَ شواءٍ
البائع المتجول: (ببرودٍ) نعم
ابن العمِّ: (بهمسٍ وتوعدٍ مع تحريكِ رقبتهُ) لحمٌ يشوى؟
البائعُ المتجولُ: (مؤكدا) لحم يشوى
ابن العم: (يهزُّ رأسهُ بقلقٍ) ماذا تعني؟
(يسمع صوت رعدٍ ويظهرُ برقٌ)
البائع المتجول: عليَّ الخروجُ من هنا وإلا بللني المطرُ وأفسدَ عملي (يهمُّ بدفعِ العربةِ)
ابن العم: (يعترض طريقهُ شاهراً منجله) لن تبتعد خطوةً واحدةً قبل أن أتأكد من أمرٍ
البائعُ المتجول: (يبتسم) هيا إذن ناد على عمك وابنه كي تنجلي امامكم حقيقة الأمر
ابنُ العمِّ : (يقع في حيرةٍ من أمره يتخبط جيئة وذهابايرفع صوته عاليا) عماهُ، ياعماهُ ! أين أنتَ؟ تعالَ الى هنا
الأب والأخ : ( يدخلان ) ما الذي جرى ؟
البائع المتجول: ( يفتح باب العربة ويخرج منها نوار ويسحبُها من ذراعيها ويضعُها في الوسطِ )
الثلاثة : (يقفُون على الجثةِ مذهولين)
البائعُ المتجولُ:(بهدوء)ها قد اختارت طريقها بنفسها لقد رفضت الموت بتلك الآلات التي خدمتكم بها، لتمارسَ حقها المشروع في الموت بطريقتها
الأبُّ : ( يرمي السكينَ )
الأخ : ( يرمي الحبلَ )
ابن العم : ( برمي المنجلَ)
الجميع : (ينحنون حولَ جثة نوار)
البائع المتجول: ( يدفعُ عربتهُ ويهمُّ بالخروج) كانت تشوى بتلك الحرارة وبمنتهى الرضا، كغيرها من الفتيات اللواتي سبقنها (يخرجُ)

النهاية