اللغة والنحو العربي بين الواقع والاعتبار

صورة الكاتب
بقلم: د. کاظم جبار علك
التاريخ: 11 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2452
اللغة والنحو العربي بين الواقع والاعتبار

اللغة والنحو العربي بين الواقع والاعتبار

 

اللغة نظام تواصلي غايتها الإفهام والتفهيم، ونقل الأفكار والمعاني بين بني الإنسان، وإظهار بعض النشاطات النفسية والجمالية. ويُعدّ هذا الأصل الهدف الأساسي في كلِّ عمليّة لغويّة. والنحو العربي ليس بعيداً عن تلك الغاية، فغرضه يقع في طول ذلك الهدف المرجعيّ والمعرفيّ، فالنحو يشخّص لنا بمعية المعنى الصوتيّ والصرفيّ والمعنى المعجميّ المعنى الوظيفيّ العام للسياقات الكلاميّة. ويتداخل هذا المعنى الوظيفيّ مع المعنى المقاميّ والتداوليّ وصولاً للمعنى الدلالي العام للبنى التركيبيّة.

ويظهر للمُتفحِّص باللغة العربية أنّ لها حيثيات واقعيّة تكوينيّة من جهة، وحيثيات اعتباريّة من جهة أخرى، إذ تتناسق هذه الحيثيات وتتكامل فيما بينها لتشكل النموذج المعرفيّ والأساس الفكريّ لصناعة هدفيّة اللغة العربيّة، وإنتاج النسق القيميّ والأصوليّ لقواعد النحو العربيّ وأحكامه.

ويتضح ذلك من خلال عرض المقدمات:

1- إنّ الإنسان مزود بجهاز نطقيّ فيه قابليّة النطق والتكلم بلغة معينة مكتسبة من محيطه الاجتماعيّ.

2- لابد أن تكون الكلمات والمفردات المختارة للتعبير عن الأفكار والأشياء الخارجية والمقاصد منسجمة مع طبيعة تكوين الجهاز النطقي للإنسان. فاختيار المفردات وربطها عن طريق الوضع اللغويّ بالأفكار والمعاني ناتج من اعتبار معنى معين للفظ معيّن يدل عليه ويمثله، إذ يتبادر إلى أذهان السامعين عن سماعه ذلك المعنى المتفق على وضعه. وهذه المعاني والأفكار المعبّرة عن الحقائق الذهنية أو الأشياء الخارجية والألفاظ المصوتة الدالة عليها تمثل حقائق واقعية تكوينية تم الربط بينها بطريقة اعتبارية خاضعة لطبيعة التكوين التي جاء عليها جهاز نطق الإنسان.

3- الحروف والحركات هي نتاج الجهاز النطقي للإنسان وطبيعته التكوينية التي خُلق بها، فالضم والفتح والكسر والسكون هي مخرجات الإنتاج الصوتي الذي زُوِد به الإنسان، إذ إنّ الطبيعة الصوتية للحرف العربي تتراوح حين نطقه بين ضم وفتح وكسر وسكون. وقد جعل الواضع اللغوي الضم أو يماثلها من حروف للرفع، والفتح أو ما يماثلها من حروف للنصب، والكسرة وما يماثلها من حروف للجر والإضافة. ومن ثم فإنّ الواضع هو الذي جعل هذه الطبيعة اللغوية الصوتيّة والحرفيّة تعبّر عن المعانيّ الواقعيّة المقصودة في التراكيب الكلاميّة.

4- الجهاز النطقي للإنسان له الدور الأساس – من حيث طبيعته التكوينيّة – في صناعة الحروف أولاً، وفي تلائم الحروف وتنافرها من حيث مخارجها وصفاتها ثانياً، إذ يشكل هذا أصلاً محورياً في تأليف الكلمة العربية.

5- فالملاحظ إنَّ الطبيعة الواقعيّة التكوينيّة لإنتاج الأصوات هي التي أعطت هذه الحركات الإعرابية التي اعتبرها الواضع اللغويّ أساساً لتمييز المعانيّ الوظيفيّة النحويّة داخل التراكيب اللغوية.

وكما وقد جعل الواضع اللغويّ الكيفيّة المؤثرة في نوع العلامة الإعرابيّة وتحديدها بالعمل النحوي وسمّاها بـ(العامل النحوي)، فالعامل في أصله جعل اعتباري يحدث الإعراب في الكلمات؛ لأنّه يولّد نوعاً من عمل العناصر اللغويّة بعضها مع بعض داخل التراكيب اللغويّة لا على وجه الحقيقة والواقع بل عن طريق العلاقات الثنائية المتلازمة بين الألفاظ، نحو: تلازم المبتدأ والخبر أو تلازم الفعل والفاعل.

فالاعتبار هنا بُني على أساس حقائق واقعية تكوينية، أي إنّ عالم الاعتبار يُبنى على أساس عالم الواقع. فاللغة لها وجود حقيقي هو الصوت، والمعنى لها وجود حقيقي واقعي في الذهن، وبطريقة الاعتبار جُعِل هذا اللفظ يدل على هذا المعنى، ثم جُعلت الخصائص الصوتية الوجودية دليل على المعاني الوظيفية النحوية التي يريدها المتكلم داخل البنى اللغوية فثبت إنّ اللغة بأصل وجودها واقعية تكوينيّة لها تحقق في الواقع الخارجي، وأما قوانينها فإنها قائمة الاعتبار والجعل.

 

 

 

عن الکاتب / الکاتبة

د. کاظم جبار علك
د. کاظم جبار علك
کاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


اللغة والنحو العربي بين الواقع والاعتبار

بقلم: د. کاظم جبار علك | التاريخ: 11 يونيو 2026

التصنيف: الأدب

اللغة والنحو العربي بين الواقع والاعتبار

 

اللغة نظام تواصلي غايتها الإفهام والتفهيم، ونقل الأفكار والمعاني بين بني الإنسان، وإظهار بعض النشاطات النفسية والجمالية. ويُعدّ هذا الأصل الهدف الأساسي في كلِّ عمليّة لغويّة. والنحو العربي ليس بعيداً عن تلك الغاية، فغرضه يقع في طول ذلك الهدف المرجعيّ والمعرفيّ، فالنحو يشخّص لنا بمعية المعنى الصوتيّ والصرفيّ والمعنى المعجميّ المعنى الوظيفيّ العام للسياقات الكلاميّة. ويتداخل هذا المعنى الوظيفيّ مع المعنى المقاميّ والتداوليّ وصولاً للمعنى الدلالي العام للبنى التركيبيّة.

ويظهر للمُتفحِّص باللغة العربية أنّ لها حيثيات واقعيّة تكوينيّة من جهة، وحيثيات اعتباريّة من جهة أخرى، إذ تتناسق هذه الحيثيات وتتكامل فيما بينها لتشكل النموذج المعرفيّ والأساس الفكريّ لصناعة هدفيّة اللغة العربيّة، وإنتاج النسق القيميّ والأصوليّ لقواعد النحو العربيّ وأحكامه.

ويتضح ذلك من خلال عرض المقدمات:

1- إنّ الإنسان مزود بجهاز نطقيّ فيه قابليّة النطق والتكلم بلغة معينة مكتسبة من محيطه الاجتماعيّ.

2- لابد أن تكون الكلمات والمفردات المختارة للتعبير عن الأفكار والأشياء الخارجية والمقاصد منسجمة مع طبيعة تكوين الجهاز النطقي للإنسان. فاختيار المفردات وربطها عن طريق الوضع اللغويّ بالأفكار والمعاني ناتج من اعتبار معنى معين للفظ معيّن يدل عليه ويمثله، إذ يتبادر إلى أذهان السامعين عن سماعه ذلك المعنى المتفق على وضعه. وهذه المعاني والأفكار المعبّرة عن الحقائق الذهنية أو الأشياء الخارجية والألفاظ المصوتة الدالة عليها تمثل حقائق واقعية تكوينية تم الربط بينها بطريقة اعتبارية خاضعة لطبيعة التكوين التي جاء عليها جهاز نطق الإنسان.

3- الحروف والحركات هي نتاج الجهاز النطقي للإنسان وطبيعته التكوينية التي خُلق بها، فالضم والفتح والكسر والسكون هي مخرجات الإنتاج الصوتي الذي زُوِد به الإنسان، إذ إنّ الطبيعة الصوتية للحرف العربي تتراوح حين نطقه بين ضم وفتح وكسر وسكون. وقد جعل الواضع اللغوي الضم أو يماثلها من حروف للرفع، والفتح أو ما يماثلها من حروف للنصب، والكسرة وما يماثلها من حروف للجر والإضافة. ومن ثم فإنّ الواضع هو الذي جعل هذه الطبيعة اللغوية الصوتيّة والحرفيّة تعبّر عن المعانيّ الواقعيّة المقصودة في التراكيب الكلاميّة.

4- الجهاز النطقي للإنسان له الدور الأساس – من حيث طبيعته التكوينيّة – في صناعة الحروف أولاً، وفي تلائم الحروف وتنافرها من حيث مخارجها وصفاتها ثانياً، إذ يشكل هذا أصلاً محورياً في تأليف الكلمة العربية.

5- فالملاحظ إنَّ الطبيعة الواقعيّة التكوينيّة لإنتاج الأصوات هي التي أعطت هذه الحركات الإعرابية التي اعتبرها الواضع اللغويّ أساساً لتمييز المعانيّ الوظيفيّة النحويّة داخل التراكيب اللغوية.

وكما وقد جعل الواضع اللغويّ الكيفيّة المؤثرة في نوع العلامة الإعرابيّة وتحديدها بالعمل النحوي وسمّاها بـ(العامل النحوي)، فالعامل في أصله جعل اعتباري يحدث الإعراب في الكلمات؛ لأنّه يولّد نوعاً من عمل العناصر اللغويّة بعضها مع بعض داخل التراكيب اللغويّة لا على وجه الحقيقة والواقع بل عن طريق العلاقات الثنائية المتلازمة بين الألفاظ، نحو: تلازم المبتدأ والخبر أو تلازم الفعل والفاعل.

فالاعتبار هنا بُني على أساس حقائق واقعية تكوينية، أي إنّ عالم الاعتبار يُبنى على أساس عالم الواقع. فاللغة لها وجود حقيقي هو الصوت، والمعنى لها وجود حقيقي واقعي في الذهن، وبطريقة الاعتبار جُعِل هذا اللفظ يدل على هذا المعنى، ثم جُعلت الخصائص الصوتية الوجودية دليل على المعاني الوظيفية النحوية التي يريدها المتكلم داخل البنى اللغوية فثبت إنّ اللغة بأصل وجودها واقعية تكوينيّة لها تحقق في الواقع الخارجي، وأما قوانينها فإنها قائمة الاعتبار والجعل.