الحسين عليه السلام: ليس قضية ماضٍ… بل مشروع وعي دائم

صورة الكاتب
بقلم: نهاد الزركاني
التاريخ: 28 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2776
الحسين عليه السلام: ليس قضية ماضٍ… بل مشروع وعي دائم

الحسين عليه السلام: ليس قضية ماضٍ… بل مشروع وعي دائم

لا أحب الدخول في سجال حول قضية الإمام الحسين (عليه السلام ) لأنني أعتقد أن القضية في أصلها ليست معقدة حتى يختلف عليها أصحاب الضمائر الحية. إنما تكمن المشكلة في أن البعض ينظر إلى الحسين بعين (الطائفة لا بعين الحقيقة) و(بعين الموروث السياسي لا بعين القرآن والوجدان الإنساني).
إن الامام الحسين (عليه السلام) ليس مجرد شخصية تاريخية اختلف الناس حولها بل هو موقف أخلاقي وحضاري متكامل. ولذلك لم تبقَ ثورته حبيسة حدود مذهب أو دين أو جغرافيا معينة بل تحولت إلى مدرسة إنسانية استلهم منها الأحرار معاني الكرامة ورفض الخضوع للظلم. ولهذا نرى أن تأثير الحسين تجاوز المسلمين إلى غير المسلمين بل وحتى إلى أصحاب الاتجاهات الفكرية المختلفة لأن القيم التي نهض من أجلها هي قيم إنسانية قبل أن تكون دينية.
إن جوهر القضية الحسينية لا يكمن في كيفية استشهاده فقط بل في السؤال الذي طرحه على الأمة:…. هل يجوز للإنسان أن يمنح الشرعية للظلم حفاظاً على مصالحه أو خوفاً على نفسه؟ هنا كان الامام الحسين (عليه السلام)يقدم الجواب العملي قبل النظري عندما رفض أن يبايع سلطة رآها منحرفة عن مقاصد الإسلام وقيمه.
ولهذا فإن قراءة نهضة الحسين بمعزل عن القرآن الكريم هي قراءة ناقصة. فالقرآن لم يطلب من الإنسان أن يكون محايداً بين (الحق والباطل)بل حمّله مسؤولية الموقف. قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، وقال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾. ومن هنا فإن موقف الحسين (عليه السلام) لم يكن خروجاً على الإسلام بل كان دفاعاً عن الإسلام في وجه من أراد تحويله إلى سلطة مجردة من القيم.
والمفارقة أن بعض من يحاول تبرير ما جرى في كربلاء يقع في إشكالية فكرية خطيرة فهو من جهة يعلن رفض الظلم ومن جهة أخرى يبحث عن المبررات السياسية أو التاريخية لتخفيف مسؤولية من مارس الظلم أو شارك فيه أو رضي به. بينما القرآن لا يحاكم الإنسان على الفعل فقط بل يحاكمه على الموقف من الفعل أيضاً.
إن أخطر ما واجهه الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن السيف بل محاولة تحويل الظلم إلى أمر طبيعي ومقبول باسم الدين والمصلحة ووحدة الأمة. فحين يصبح السكوت فضيلة والخوف حكمة والانحناء للباطل سياسة تضيع الرسالة ويبقى الشكل دون المضمون. لذلك جاءت نهضته لتعيد تعريف العلاقة بين الدين والسلطة وبين الإيمان والضمير.
والحقيقة التي لا يريد بعض الطائفيين سماعها هي أن الحسين (عليه السلام) انتصر قبل أن يستشهد. لأن النصر في منطق الرسالات لا يقاس بعدد الجنود ولا بنتيجة المعركة العسكرية بل بقدرة الفكرة على البقاء. لقد انتهت دولة بني أمية وانقضت سلطتهم وبقي الحسين رمزاً للحق والعدالة والكرامة. وهذه الحقيقة وحدها كافية لفهم من انتصر في كربلاء ومن هُزم فيها.
ولهذا فإن الحسين (عليه السلام )ليس قضية بكاء على الماضي فحسب بل مشروع وعي دائم. فكل عصر فيه ظلم وكل مجتمع تُصادر فيه الكرامة، وكل سلطة تحاول أن تجعل الناس عبيداً للخوف يحتاج إلى استحضار الحسين بوصفه قيمة أخلاقية وإنسانية لا مجرد ذكرى تاريخية. ومن هنا كانت كربلاء حدثاً مستمراً في الوجدان الإنساني لأن معركة (الحق والباطل) لم تنتهِ بعد وما زال صوت الحسين يذكّر الأحرار في كل زمان بأن كرامة الإنسان أثمن من الحياة نفسها.

عن الکاتب / الکاتبة

نهاد الزركاني
نهاد الزركاني
باحث وكاتب/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

الإمام الحسين ورؤية المستقبل: قراءة استراتيجية في مشروع كربلاء

الإمام الحسين ورؤية المستقبل: قراءة استراتيجية في مشروع كربلاء

الإمام الحسين ورؤية المستقبل: قراءة استراتيجية في مشروع كربلاء عندما يُذكر الإمام الحسين عليه السلام…

صورة الكاتب نهاد الزركاني
20 يونيو 2026
اقرأ المزيد
لا تقتل نفسك بالكلمات: نقد الذات بين الحقيقة والزيف

لا تقتل نفسك بالكلمات: نقد الذات بين الحقيقة والزيف

لا تقتل نفسك بالكلمات: نقد الذات بين الحقيقة والزيف   لم يعد خطاب ((لا تتحدث…

صورة الكاتب نهاد الزركاني
6 يونيو 2026
اقرأ المزيد
لغة السماء حين تُقاس بحسابات أهل الأرض

لغة السماء حين تُقاس بحسابات أهل الأرض

لغة السماء حين تُقاس بحسابات أهل الأرض في الآونة الأخيرة، بدأ تداول نبوءات قديمة [كسفر…

صورة الكاتب نهاد الزركاني
1 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الحسين عليه السلام: ليس قضية ماضٍ… بل مشروع وعي دائم

بقلم: نهاد الزركاني | التاريخ: 28 يونيو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

الحسين عليه السلام: ليس قضية ماضٍ… بل مشروع وعي دائم

لا أحب الدخول في سجال حول قضية الإمام الحسين (عليه السلام ) لأنني أعتقد أن القضية في أصلها ليست معقدة حتى يختلف عليها أصحاب الضمائر الحية. إنما تكمن المشكلة في أن البعض ينظر إلى الحسين بعين (الطائفة لا بعين الحقيقة) و(بعين الموروث السياسي لا بعين القرآن والوجدان الإنساني).
إن الامام الحسين (عليه السلام) ليس مجرد شخصية تاريخية اختلف الناس حولها بل هو موقف أخلاقي وحضاري متكامل. ولذلك لم تبقَ ثورته حبيسة حدود مذهب أو دين أو جغرافيا معينة بل تحولت إلى مدرسة إنسانية استلهم منها الأحرار معاني الكرامة ورفض الخضوع للظلم. ولهذا نرى أن تأثير الحسين تجاوز المسلمين إلى غير المسلمين بل وحتى إلى أصحاب الاتجاهات الفكرية المختلفة لأن القيم التي نهض من أجلها هي قيم إنسانية قبل أن تكون دينية.
إن جوهر القضية الحسينية لا يكمن في كيفية استشهاده فقط بل في السؤال الذي طرحه على الأمة:…. هل يجوز للإنسان أن يمنح الشرعية للظلم حفاظاً على مصالحه أو خوفاً على نفسه؟ هنا كان الامام الحسين (عليه السلام)يقدم الجواب العملي قبل النظري عندما رفض أن يبايع سلطة رآها منحرفة عن مقاصد الإسلام وقيمه.
ولهذا فإن قراءة نهضة الحسين بمعزل عن القرآن الكريم هي قراءة ناقصة. فالقرآن لم يطلب من الإنسان أن يكون محايداً بين (الحق والباطل)بل حمّله مسؤولية الموقف. قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، وقال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾. ومن هنا فإن موقف الحسين (عليه السلام) لم يكن خروجاً على الإسلام بل كان دفاعاً عن الإسلام في وجه من أراد تحويله إلى سلطة مجردة من القيم.
والمفارقة أن بعض من يحاول تبرير ما جرى في كربلاء يقع في إشكالية فكرية خطيرة فهو من جهة يعلن رفض الظلم ومن جهة أخرى يبحث عن المبررات السياسية أو التاريخية لتخفيف مسؤولية من مارس الظلم أو شارك فيه أو رضي به. بينما القرآن لا يحاكم الإنسان على الفعل فقط بل يحاكمه على الموقف من الفعل أيضاً.
إن أخطر ما واجهه الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن السيف بل محاولة تحويل الظلم إلى أمر طبيعي ومقبول باسم الدين والمصلحة ووحدة الأمة. فحين يصبح السكوت فضيلة والخوف حكمة والانحناء للباطل سياسة تضيع الرسالة ويبقى الشكل دون المضمون. لذلك جاءت نهضته لتعيد تعريف العلاقة بين الدين والسلطة وبين الإيمان والضمير.
والحقيقة التي لا يريد بعض الطائفيين سماعها هي أن الحسين (عليه السلام) انتصر قبل أن يستشهد. لأن النصر في منطق الرسالات لا يقاس بعدد الجنود ولا بنتيجة المعركة العسكرية بل بقدرة الفكرة على البقاء. لقد انتهت دولة بني أمية وانقضت سلطتهم وبقي الحسين رمزاً للحق والعدالة والكرامة. وهذه الحقيقة وحدها كافية لفهم من انتصر في كربلاء ومن هُزم فيها.
ولهذا فإن الحسين (عليه السلام )ليس قضية بكاء على الماضي فحسب بل مشروع وعي دائم. فكل عصر فيه ظلم وكل مجتمع تُصادر فيه الكرامة، وكل سلطة تحاول أن تجعل الناس عبيداً للخوف يحتاج إلى استحضار الحسين بوصفه قيمة أخلاقية وإنسانية لا مجرد ذكرى تاريخية. ومن هنا كانت كربلاء حدثاً مستمراً في الوجدان الإنساني لأن معركة (الحق والباطل) لم تنتهِ بعد وما زال صوت الحسين يذكّر الأحرار في كل زمان بأن كرامة الإنسان أثمن من الحياة نفسها.