ا
لم تكن الأمسية التي احتضنها منتدى الثلاثاء الثقافي في ثقافية الحزب الشيوعي مجرد جلسة لمناقشة مجموعة قصصية، بل بدت رحلة جماعية بين مدن العالم، قادتها القاصة الدكتورة رغد السهيل عبر صفحات مجموعتها “سمفونية المدن المرئية”، بينما حمل النقاد خرائطهم الخاصة لقراءة النصوص، فتقاطعت الرؤى واختلفت التأويلات، لتتحول الجلسة إلى حوار ثقافي ثري حول المكان والسرد وإشكالية التجنيس الأدبي.
استهل رئيس الجلسة كريم صبح الأمسية بالتعريف بتجربة رغد السهيل، متوقفاً عند خصوصية منجزها الذي يجمع بين أدب الرحلات والفن القصصي، مشيراً إلى أن هذه التجربة تستحق اهتماماً نقدياً أكبر، لما تنطوي عليه من مغامرة فنية تتجاوز الأشكال التقليدية للكتابة.
وعندما اعتلت رغد السهيل المنصة، بدا واضحاً أنها لا تتحدث عن كتاب فحسب، بل عن سنوات من السفر والدهشة. أوضحت أن المدن التي زارتها لم تكن بالنسبة إليها محطات سياحية فحسب، بل فضاءات إنسانية تركت في ذاكرتها أثراً عميقاً، فكانت تسجل انطباعاتها بعد كل رحلة، قبل أن تولد فكرة تحويل تلك المشاهدات إلى قصص، يكون المكان فيها بطلاً موازياً للشخصيات.
وأكدت أن شغفها بالتجريب دفعها إلى اختيار القصة وسيلة لتقديم أدب الرحلات، على خلاف من اختاروا الرواية أو الشعر لهذا الغرض، مضيفة أن الجدل حول تصنيف الأعمال الأدبية أمر طبيعي، وأنها تترك الحكم الأخير للقراء والنقاد.
وجاءت القراءة الأولى للناقد فاضل ثامر، الذي رأى أن المجموعة تتجاوز البناء التقليدي للقصة القصيرة، وتقترب في كثير من مفاصلها من الرواية، بفضل وحدة الشخصية وتماسك العالم السردي، وهي ملاحظات فتحت باباً واسعاً للنقاش حول الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية.
أما الدكتور أحمد الزبيدي فقد اختار أن يدخل إلى المجموعة من بوابة الموسيقى. فالعنوان، في رأيه، ليس مجرد استعارة جمالية، بل مفتاح لقراءة النصوص التي تتحرك بإيقاعات تشبه الحركات الأربع في السيمفونية؛ تبدأ بهدوء، ثم تتصاعد تدريجياً حتى تبلغ ذروة الانفعال، قبل أن تعود إلى إيقاعها الهادئ، مستشهداً بمقاطع من المجموعة جسدت هذا التصور.
وكانت الورقة الثالثة، التي قدمها الناقد حمدي العطار بعنوان “رغد السهيل بين رومانسية المكان وأسئلة الواقع”، الأكثر إثارة للنقاش. فقد انطلقت من سؤال ظل معلقاً طوال الأمسية: هل المدن هي التي تصنع الإنسان، أم أن الإنسان يعيد خلق المدن في ذاكرته؟
وتوقفت القراءة عند العلاقة التي يقيمها عنوان المجموعة مع رواية الإيطالي إيتالو كالفينو “المدن اللامرئية”، مشيرة إلى أن رغد السهيل اختارت الاحتفاء بالمدن كما تراها العين، بينما تظل الأسئلة الكبرى كامنة خلف هذا الجمال.
كما ناقشت الورقة عدداً من القضايا الفنية، من بينها هيمنة المكان على الشخصيات، وطغيان اللغة الشعرية في بعض النصوص، وبناء الشخصيات، ولا سيما في قصة “لوليتا”، فضلاً عن صورة المرأة والرجل داخل المجموعة، مؤكدة أن هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة العمل، بل تسعى إلى فتح أفق جديد للحوار النقدي.
ولم يقتصر الحوار على الأوراق النقدية، إذ شهدت الأمسية مداخلة لنائب رئيس اتحاد الادباء “علي الفواز” الذي تناول إشكالية التجنيس الأدبي، مؤكداً أن تداخل الأجناس لم يعد خروجاً على القواعد، بل أصبح خياراً جمالياً مشروعاً، مستشهداً بتجارب عراقية رائدة، وفي مقدمتها تجربة القاص محمد خضير التي مثلت محطة مهمة في تجديد الكتابة السردية.
ومع انتهاء النقاش، لم تغادر المدن التي شيدتها رغد السهيل صفحات الكتاب، بل انتقلت إلى أحاديث الحضور في أروقة المنندى، حيث استمرت المناقشات حول العلاقة بين المكان والإنسان وبين الواقع والخيال وبين أدب الرحلات والقصة القصيرة.
واختتمت الأمسية بتكريم القاصة رغد السهيل بدرع منتدى الثلاثاء الثقافي، فيما قدم مدير الشؤون الثقافية في اتحاد الادباء، الشاعر منذر عبد الحر، باقة ورد احتفاءً بتجربتها الإبداعية، وسط تصفيق الحضور الذي ضم نخبة من الأدباء والنقاد والقراء.
وهكذا انتهت الأمسية، لكن الأسئلة التي أثارتها “سمفونية المدن المرئية” بقيت مفتوحة، مؤكدة أن الأدب الحقيقي لا يكتفي بسرد الحكايات، بل يدفع قراءه إلى إعادة النظر في علاقتهم بالمكان والذاكرة والإنسان، وهو ما منح الجلسة حيوية خاصة، وحولها إلى واحدة من الأمسيات الثقافية التي يتواصل صداها بعد انطفاء أضواء القاعة.
عبدالکریم السعید
علی حسن الفوّاز
التعليقات