أداء المقام العراقي بين أصول الثابت وحرية المطلق

صورة الكاتب
بقلم: د. أنيس حمود معيدي
التاريخ: 5 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 3283
أداء المقام العراقي بين أصول الثابت وحرية المطلق

أداء المقام العراقي بين أصول الثابت وحرية المطلق

 

يتجه المقام العراقي(1) لضوابط في المنهج والحرية في الأداء(2), فضبط يعني القيود التي يلتزم بها المؤدي(القارئ والعازف) عند تقديم المقام, أما الحرية فهي المرونة التي يتمتع بها القارئ إثناء القراءة وبالرغم من القيود المفروضة عليه, فلابد من وجدود حرية الإبداع التي يتمتع بها قارئ المقام المتمكن العارف بصياغة الأنغام ضمن الإطار العام المحدد الذي تفرضه تقاليد أداء المقام العراقي.

تعد عملية الأداء واحدة من المهمات الأكثر صعوبة في عالم الموسيقا, إذ إنها تتعلق بعدد من العوامل التي يؤدي كل منها دورًا في تحديد ماهية النتاج الموسيقي وتقديمه بصورته المثلى إلى المتلقي, لكل قارئ مقام أسلوبه المميز, يقرأ فيه المقام العراقي إما تقليد لمن سبقه من المؤدين أو وربما يحاول تغيرها أو تطويرها, فالمقام العراقي من هذا الجانب نظام من النبرات الصوتية (لتعبير عن طريقة النطق أو التلوين الصوتي) يجري أداؤها بروحية معينة, قليل من المؤدين يدرك هذه النبرات ويكون واعيا لها وربما أغلبهم يقوم بصورة مقصودة بتقليد النبرات الصوتية التي سمعها ممن سبقه.

كانت المقامات العراقية تغني بنصوص تركية وفارسية في بغداد وغيرها من المدن لاسيما في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ومازالت إلى الآن تدخل العديد من الألفاظ التركية والفارسية بين نهايات أو بدايات النص الشعري العربي الفصيح أو الزهيري عند تقديم المقام العراقي والتي يصعب حذفها أو أزالتها أو التعويض عنها بألفاظ أو كلمات عربية مقاربة ضمن السعي لتعريقة أو تشذيبه من بقايا تأثير المفردات الاجنبية الدخيلة فيه جراء تعرض العراق لغزوات في مدد زمنية.

تعارف قراء المقام على تداول وترديد بعض الجمل والعبارات العربية والأجنبية ضمن المقام وفي مواقع مختلفة ولكل مقام عراقي مفردات وعبارات خاصة به لا علاقة لها بالشعر ومضمونه التعبيري وإنما أدخلها قراء المقام العراقي كزخرفة لفظية محببة لدى المتلقي ولازال قراء المقام يرددونها في أماكنها الخاصة بها كما وضعها الرواد الأوائل, بالإضافة إلى ذلك فإن المقام العراقي وحدة مترابطة بكل مقوماته ويتضح ذلك عبر الارتجال في أداء المقام العراقي, ويمكن أن يؤدى المقام العراقي بثلاث طرق رئيسة وعلى النحو الآتي.

1- يكون أداء المقام  تقليدًا حرفيا أو شبه حرفيا, يعتمد على تقليد تفصيلي لأداء آخر.

2- يأخذ القاري بالحسبان كل حدود الإمكانات التي تقدمها له التقاليد في التداخل في سير المقام العراقي والإضافة عليه بوضع القطع النغمية للمقام وفق تسلسل جديد (تصرفًا شخصيًا).

3- الأداء المبدع للقارئ الموهوب المتمكن من أدخال أضافات لم يتعرف عليها من قبل كإدخال قطع غير معروفة من رصيد المقامات أو وضع مقامات جديدة.

الكثير من مؤدي المقام متمسكين بألفاظ وكلمات متوارثة, والسبب في بقاء هذه الكلمات الأجنبية في المقامات العراقية إلى الآن ولم يتركها المؤدون أو يبدلونها بكلمات عربية, لأنهم ما زالوا يستعينون بها في أداء المقام إذ إنه بدونها لا يمكن تحريره وتأدية قطعه وأوصاله ومياناته فإذا ما تم إبدالها يكون الحذر والخوف على ضياع أصول أداء المقام العراقي, من المهم تدوين موسيقا المقام العراقي بالنوتة الموسيقية حتى يتم يمكن التخلص من هذه الكلمات وان تستبدل بكلمات عربية.

هناك نوعًا آخر من القيود الملزمة عند أداء المقام العراقي, ألا وهي الألفاظ المستعملة في تحرير وميانة وتسليم المقامات وهي تمثل مفاتيح كل مقام لأنها تؤشر للبداية والوسط والنهاية, فلابد للمبتدأ الذي يسعى لأداء المقام العراقي أن يحفظ هذه المفردات ليسهل عليه التميز بين مقام وآخر, فمقام البيات الذي يتقدم حفل (التهليلة) مقام يوصف بالملك وهو من المقامات الحساسة وغير قابل للتصرف أو التلاعب لذا فان القارئ لا يملك الحرية في الاطالة أو الإيجاز أثناء تأدية المقام, فالقارئ ملتزم بنوع الشعر المصاحب لكل مقام وهذا محدد مسبقًا, إذ إن هناك مقامات لا تقرأ إلا بالشعر الفصيح ومقامات أخرى لا تقرأ إلا بالشعر العامي(الزهيري) والنوع الذي يقرأ بالشعر الدارج يتضمن التزامًا آخر وهو التقيد بالأشطر السبعة التي يتكون منها هذا النوع من الشعر.

بالإضافة إلى تواجد ألفاظ يعتمد عليها في تركيب المقامات العراقية وتعد من الضروريات التي لا يستغني عنها قارئ المقامات العراقية لأنه إذا تخلى عنها لا يتمكن من أداء المقام بالشكل المتعارف عليه, وتلك الألفاظ التي يستعملها قراء المقام في بغداد, هي مجموعة نقاط ارتكاز أساسية ثابتة في أداء المقامات العراقية, ولا يمكن أداء المقامات العراقية دون أن يرتكز على الكلمات والألفاظ التي تدخل في تركيب المقام العراقي كجزء لا يتجزأ من الاسس الموسيقية الثابتة  في أداء المقامات العراقية, فالقارئ  يمكن أن يغير النص الشعري الداخل في أداء المقام العراقي, ولكن لا يجري أي تغير أو استبدال في الألفاظ وحتى الألفاظ الأجنبية لا يغيرونها ولو بألفاظ عربية, وذلك بسبب استقرار تلك الألفاظ الأجنبية الدخيلة وتداخلها مع بعض الألفاظ العربية في المقامات العراقية.

إن الكلمات والعبارات التي يرددها القارئ عبر أداء المقام وفي أماكن محددة دون أن تكون لها أي صلة ترابط بالنص الشعري, إلا أنها ضرورية ملزمة لقارئ المقام في ذكرها, ولكل مقام عراقي مفرداته الخاصة التي لا يتم ذلك المقام إلا بترديدها, إن وجود مفردات عربية لا ينفي وجود كلمات أجنبية, إنما توجد أكثرهما معًا وهي من القيود الواجب الالتزام بها.

أسباب بقاء الكلمات الأجنبية وعدم إبدالها بكلمات عربية في المقام العراقي جاءت على النحو الآتي.

1- استعانة قارئ المقام العراقي بهذه المفردات في أداء المقام العراقي, إذ أنه بدونها لا يتمكن تحرير أو البدء به وتأدية قطعه وأوصاله ومياناته وتسليمه, فإذا تم إبدالها تكون هناك خشية من ضياع الأصول الثابتة المقام العراقي.

2- مهمة الابتكار والإبداع التقني في المقامات العراقية ليست بالمهمة اليسيرة والسهلة والمتاحة لكل من أدى المقامات العراقية وأجادتها, إنما هذه الميزة لا تچوجد إلا في العدد القليل من الخبراء المتمكنين من القراء الملمين بهذا التراث والمستوعبين لأبعاده الموسيقية كافة من المتبحرين والمتمكنين بأصول وتراكيب المقامات العراقية.

3- إن أسلوب دراسة وتعليم المقام العراقي وحفظة وأدائه المعتمد على الذاكرة دورًا اساسياً في بقاء تلك المفردات الأجنبية,  حافظ أداء المقام العراقي إلى الآن علة تتابع تقليدي تراثي محدد يتعلق بعناصره الموسيقية الأساسية, وذلك لكونه تسمية دالة على أحد الأنواع الأساسية من الغناء العراقي أو كونه شكلًا موسيقًا تصاغ وفق أسسه الموسيقية, الأنواع الغنائية والتراتيل والإنشاد الديني أو الدنيوي العراقي المتنوع.

4- تميز المقامات العراقية التي تقرأ في بغداد وهي المكان الأصلي للمقامات العراقية بأسلوب موسيقي محكم, له أسسه الموسيقية الواجب مراعاتها عند الأداء, والتي تعتمد على قواعد ثابتة لها أحكامها وأصولها التي سار عليها القراء البغداديين, بينما أداء المقامات العراقية في الموصل وكركوك, تؤدى بشكل مختلف عن أداء المقامات في بغداد, وليس فيه تلك الصياغة المتقنة فالأسلوب البغدادي هو من أهم وأجود الاساليب الغنائية في الأداء الغنائي للمقامات العراقية على الأطلاق.

5- هذه الألفاظ صار لها مهمة إيقاعية ولها دلالة على المسار النغمي للمقام الراقي, فكلمة (يار) في تحرير مقام الرست مثلًا, لها القدرة على الانسياب النغمي المقبول ويمكن للمتعلم أن يضبط أوائل التحرك النغمي بهذا المقام, وقد جرى فعلًا محاولة إبدال كلمة(يار) بترجمتها الحرفية(يا حبيب) من قبل بعض قراء المقام, إلا إن  اللفظ لم يكون له سلاسة واستقامة, لأن مفردة يا حبيب لا تملك الرونق ولا الوزن الإيقاعي لمفردة يار, فكان نصيب ذلك الفشل, لأن الموضوع يرتبط بالنغم والإيقاع, أكثر منه في مفردة قاموس, فلابد من ملاحظة القدرة في البدائل على تحقيق الهدف الأساس في المستبدل.

ولابد من التأكيد إن استبدال بعض المفردات قد يؤدي إلى الإخلال في أداء المقامات العراقية وهذا هو السبب عدم إقبال قراء المقامات العراقية إلى التخلي كليًا عن تلك الألفاظ الأجنبية في المقامات العراقية ولا استبدالها بألفاظ عربية إلا في حالات قليلة, مثلما تصرف قارئ المقامات(رشيد القندرچي) الذي أستبدل كلمة (نازنيمنن) الفارسية بكلمة (اشتكي لمن) في ميانة مقام العجم, وهناك محاولات اخرى لقاري المقام(محمد القبانچي), وهذا التبديل لا يطرح إلا من له باع طويل في المقامات العرقاية (القبانچي والقندرچي) وكان القندرچي قد قرأ بعض المقامات العراقية دون أن يستعمل ألفاظ أجنبية دالًا على إمكانات في أداء المقامات بدون الارتكاز على الألفاظ الأجنبية, ولكنه قال: “لا يستطيع مخالفة العرف الفني في أداء المقامات العراقية فالعازفين ما كانوا يرضون بذلك وجلهم من اليهود متمسكون بتلك الألفاظ الأجنبية الدخيلة” (3).

وبطبيعة الحال تأتي صعوبة حذف أو استبدال هذه المفردات أو التعويض عنها, في إن قارئ المقام لا يتمكن من التحول أو الانتقال بين أجزاء المسار النغمي للمقام الأساس المتكون من عدة مقامات فرعية, إذ إن هذه الألفاظ والمفردات الأجنبية, بالنسبة لقارئ المقام بمثابة نقاط ارتكاز أو انطلاق نغمة دالة يتحدد بموجبها نوع المسار النغمي التالي للمقام وخصائصه فالألفاظ وجدت عبر مساحة الارتجال المتوفرة والمسموح بها داخل بنية المقام العراقي وبالتالي صارت دلالات تضيئ سياق المسارات اللحنية لتؤشر للقراء محطات أدائية صارت بعد حين جزءًا أساسيًا ومتممًا لمسارات المقام اللحنية.

ولابد من الإشارة إن الألفاظ في التحرير والبدوات وعند الصعود والهبوط وعند أداء الميانات والتسليم دون إدراك وضيفتها, قد يسهل عليه المطالبة بتبديلها أو حذفها بما يتفق مع قيم وروح العصر وفكره لكن مثل هذه الموضوعات لا تتم في التراث الثقافي الشعبي بسهولة, فكل مقطع لفظي له أهميته في الشكل الغنائي العام وتأثيره في البنية اللحنية الأساس للمقام وضبط انتقالاته الموسيقية, فمقاطع النص الغنائي وكلمات نص وأشعاره بمثابة القانون الملتزم بأحكامه وأصوله ولا بد من الوقوف عند حدودها وعليه فقد بقى المقام العراقي أداء ارتجالي مقيد يؤدى بقواعد ثابتة وعلى النحو الآتي.

1- انتقال محدد في الأداء من جنس موسيقي إلى آخر.

2- إيقاع محدد لكل مقام يصاحب الأداء من بدايته إلى نهايته, أو يدخل في أجزاء معينه منه  وبالرغم من هناك أنواع من المقامات العراقية تقرأ بدون مصاحبة إيقاعية.

3- كل مقام عراقي يستعمل نوع محدد من الشعر باللغة العربية بالفصحى أو شعر باللهجة الدارجة.

وهذا لا يعني عدم وجود مظاهر الحرية في قراءة المقام العراقي عبر تقديمه في كل مرة في صياغة جديدة, ومثل هذه الحرية ساعدت المقام العراقي لأنه في حقيقته (لحن فإذا قدم في كل مرة بالطريقة ذاتها فيؤدي إلى الملل) فضلا من أن بعض القراء استعمل هذه الحرية في الحفاظ على الطريقة الفريدة التي يقدم بها المقام العراقي, إذ تمكن قارئ المقام أوائل القرن العشرين, عند دخول شركات التسجيل أن يوجز المقام بسبع دقائق, في حين كان يقرئه بوقت طويل يتجاوز الثلاثين دقيقة بالإضافة إلى إن حرية الأداء كانت أحد أسباب ظهور المدارس الغنائية المقامية كمدرسة القبانچي ومدرسة القندرجي ومدرسة يوسف عمر, وهي ذاتها التي سمحت للقبانچي باختيار الآت التخت الشرقي بدلًا من الفرقة التقليدية المصاحبة للچالغي البغدادي.

ويجب الأخذ في الحسبان أن كثرة الحليات النغمية لا تتم جماليتها ولا تتحقق إلا عبر ممارسة طويلة ودراية كاملة في المسارات اللحنية والدقيقة في الانتقال بين الانغام والارتجال والاستطراد والخلق الآني في الأداء والذي لا يتم إلا وفق ثوابت الشعر واللحن وانتقالاته إلى جانب انسجام المؤدى مع تلك العناصر, وقد ادرك الموسيقيين العرب اهمية الاداء الغنائي والذي يتحقق عن طريق النقل الشفاهي كونه يسمح بأكثر الامكانيات المستمرة للخلق الآني ولأنه يسعى إلى تقوية الحس الموسيقي وبالتالي يزيد من أساليب الأداء المتنوعة للمؤلفة  الموسيقية الواحدة وهذه سمة من سمات المقام العراقي إذ يؤدي الارتجال في الأداء دورًا مهمًا في اضفاء السمة الخاصة في الأداء.

ومما لاشك فيه إن حرية المؤدي في التصرف عند أداء المسار النغمي العام للمقام العراقي الذي تصاحبه أحد الضروب الإيقاعية من التحرير وحتى التسليم, فقد يطول هنا أو يقصر هناك وذلك حسب إمكاناته الأدائية وطاقته الصوتية وخبرته الموسيقية وطبيعة الجو الأدائي العام المواجد فيه والمناسبة الاجتماعية التي يؤدي فيها ونوع الحضور, إذ إنه في هذا الجانب يبرز طابع الاستطراد غير المقيد لحركة المسار النغمي العام ويستحيل التقيد به بين أداء وآخر وحتى في ظروف الإعادة المتشابهة تمامًا, فكل تقديم أو أداء جديد له شخصيته المتميزة والفريدة وخصائصه الأدائية إلى جانب الحفاظ على جميع الخصائص والملامح التكوينية والبنائية الأساسية للمقام العراقي.

ومن الجدير بالذكر إن البناء الموسيقي لأداء المقامات العراقية  يقوم على مفهوم اساسي هو الديناميكية في الأداء أي الحركة اللحنية المستمرة المتصلة في التغير والتنوع بين السلالم والاجناس الموسيقية والغنائية والتي تسمى القطع والاوصال والاستمرار في أداء المقام العراقي كوحدة متكاملة, وهناك من يعارض ديناميكية الأصول الأدائية التقليدية أو ديناميكية البناء الجديد في اختزال تلك الأصول أو تهذيبها أو الإضافة إليها وإحلال الجديد محل بعضها ويتجلى ذلك بوضوح عند الاستماع إلى حفلات أو تسجيلات المقامات العراقية التي أداها قراء المقام عبر القرن العشرين.

وتماشيًا من تم ذكره فإن أسلوب أداء المقام العراقي وروح الارتجال فيه وإمكاناته المرنة في بلوغ بنية موسيقية عبر مكوناته التي يلتزم بها قارئ المقام, إذ إنه يعتمد على فكرة لحنية متسلسلة محددة ومسبقة وواضحة, وإن الإضافة فيه بنية موسيقية أو موضوعية, إنما هي وسيلة في استعمال الزخارف والتلوين والاستطراد فيه وسيلة جذب وتواصل وعدم الالتزام بزمن محدد, إذ أن شكل بنية المقام العراقي مؤلفة من مجموعة ألحان متتابعة ومترابطة وحرة ومتصلة عبر توقفات, الهدف منها استكمال البنية الموسيقية للمقام العراقي.

ولا مناص من القول: إن أداء المقام العراقي القائم على الارتجال هو عمل خلاق ودينامي يضم في الوقت عينه تأليفًا وأداءً آنيين ومتداخلين, فالمرتجل هو المؤدي والمؤلف, والأداء المبدع يتطلب موهبة موسيقية مميزة وتقنية صوتية عالية, إن من يمتلكون المواهب المحدودة يسقطون في نقل ما ارتجله الآخرين وترديده, فالمقام العراقي في يقوم على الارتجال, لأنه طويل في مدته قراءته, فالغناء السريع لا يسمح كثيرًا بالارتجال, ويتطلب الأداء المقامي الناجح السلطنة فيتنقل المؤدي في ارتجاله بين القطع والأوصال وأجناسها, فيصل هو وسامعيه إلى حالة التطريب.

ولا يفوتنا أن ننوه إن المقامات العراقية المقيدة الصغير والكبيرة هي التي يجب على المؤدي أن يتقيد ويؤدي جميع أركانها وقطعها وأوصالها ويراعي تسلسل مساراتها أللحنية حسب ما هو متعارف عليه, وأما المقامات المطلقة الكبيرة والصغيرة هي التي لا يتحتم على المؤدي أن يراعي تسلسل أركانها وقطعها وأوصالها بسبب عدم وجود ذلك التسلسل, علماً إن كل مقام من مقامات الزهيري يعد مقيدًا, وذلك بالتسليم فقط إذ ينتهي المقام بانتهاء الزهيري فيعد المقام مقيدًا.

واستخلاصًا لما سبق فإن صدق المؤدين السابقين في أدائهم نسبة إلى الحياة المعاصرة صار أمرًا قاصرًا في موضوع الأداء بمضامينه الفكرية رغم جذوره العفوية, لقد كان لسان حال المؤدين السابقين يؤكد بكل قوة إن الصدق هو مقياسًا وحيدًا في النجاح الادائي, وهو أمر صحيح نسبة إلى ظروف تلك الحقبة الزمنية ولكنه الآن صار موضوعًا يحتاج إلى التطور والانتشار, لأن الأداء الغناسيقي الفني قد صار في الزمن الراهن أقرب الى واقع الحياة من الصدق لوحده وإن الأداء بمقوماته ومستلزماته الموسيقية هو الذي يخلق الصدق في الأداء, فالأسلوب الناجح يضم في ثناياه وحدة الشكل والمضمون ووحدة الكلمة واللحن وحدة الأداء وجمالية الصوت.

________________________

1- قالب غنائي يتكون من مجموعة ألحان مترابطة مع بعظها ومنسجمة فيما بينها لها بداية تسمى التحرر ونهاية تسمى التسليم, وما بينهما مجموعة أخرى من قطع وأوصال وميانات وجلسات يقرأها المؤدون(قراء المقام العراقي) دون الخروج عن البنية الموسيقية  والصياغة التقليدية.

2-الأداء (Performance) : القيام بأعباء المسؤولية الغنائية بهدف بناء علاقات متينة للعناصر المكونة للمقام العراقي والنجاح فيه كعمل أدائي موحد.

3-عبد الوهاب بلال: المقامات العراقية, مجلة عالم الفكر, ع1, مج6, الكويت1975م, ص58.

 

عن الکاتب / الکاتبة

د. أنيس حمود معيدي
د. أنيس حمود معيدي
ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أداء المقام العراقي بين أصول الثابت وحرية المطلق

بقلم: د. أنيس حمود معيدي | التاريخ: 5 أغسطس 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

أداء المقام العراقي بين أصول الثابت وحرية المطلق

 

يتجه المقام العراقي(1) لضوابط في المنهج والحرية في الأداء(2), فضبط يعني القيود التي يلتزم بها المؤدي(القارئ والعازف) عند تقديم المقام, أما الحرية فهي المرونة التي يتمتع بها القارئ إثناء القراءة وبالرغم من القيود المفروضة عليه, فلابد من وجدود حرية الإبداع التي يتمتع بها قارئ المقام المتمكن العارف بصياغة الأنغام ضمن الإطار العام المحدد الذي تفرضه تقاليد أداء المقام العراقي.

تعد عملية الأداء واحدة من المهمات الأكثر صعوبة في عالم الموسيقا, إذ إنها تتعلق بعدد من العوامل التي يؤدي كل منها دورًا في تحديد ماهية النتاج الموسيقي وتقديمه بصورته المثلى إلى المتلقي, لكل قارئ مقام أسلوبه المميز, يقرأ فيه المقام العراقي إما تقليد لمن سبقه من المؤدين أو وربما يحاول تغيرها أو تطويرها, فالمقام العراقي من هذا الجانب نظام من النبرات الصوتية (لتعبير عن طريقة النطق أو التلوين الصوتي) يجري أداؤها بروحية معينة, قليل من المؤدين يدرك هذه النبرات ويكون واعيا لها وربما أغلبهم يقوم بصورة مقصودة بتقليد النبرات الصوتية التي سمعها ممن سبقه.

كانت المقامات العراقية تغني بنصوص تركية وفارسية في بغداد وغيرها من المدن لاسيما في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ومازالت إلى الآن تدخل العديد من الألفاظ التركية والفارسية بين نهايات أو بدايات النص الشعري العربي الفصيح أو الزهيري عند تقديم المقام العراقي والتي يصعب حذفها أو أزالتها أو التعويض عنها بألفاظ أو كلمات عربية مقاربة ضمن السعي لتعريقة أو تشذيبه من بقايا تأثير المفردات الاجنبية الدخيلة فيه جراء تعرض العراق لغزوات في مدد زمنية.

تعارف قراء المقام على تداول وترديد بعض الجمل والعبارات العربية والأجنبية ضمن المقام وفي مواقع مختلفة ولكل مقام عراقي مفردات وعبارات خاصة به لا علاقة لها بالشعر ومضمونه التعبيري وإنما أدخلها قراء المقام العراقي كزخرفة لفظية محببة لدى المتلقي ولازال قراء المقام يرددونها في أماكنها الخاصة بها كما وضعها الرواد الأوائل, بالإضافة إلى ذلك فإن المقام العراقي وحدة مترابطة بكل مقوماته ويتضح ذلك عبر الارتجال في أداء المقام العراقي, ويمكن أن يؤدى المقام العراقي بثلاث طرق رئيسة وعلى النحو الآتي.

1- يكون أداء المقام  تقليدًا حرفيا أو شبه حرفيا, يعتمد على تقليد تفصيلي لأداء آخر.

2- يأخذ القاري بالحسبان كل حدود الإمكانات التي تقدمها له التقاليد في التداخل في سير المقام العراقي والإضافة عليه بوضع القطع النغمية للمقام وفق تسلسل جديد (تصرفًا شخصيًا).

3- الأداء المبدع للقارئ الموهوب المتمكن من أدخال أضافات لم يتعرف عليها من قبل كإدخال قطع غير معروفة من رصيد المقامات أو وضع مقامات جديدة.

الكثير من مؤدي المقام متمسكين بألفاظ وكلمات متوارثة, والسبب في بقاء هذه الكلمات الأجنبية في المقامات العراقية إلى الآن ولم يتركها المؤدون أو يبدلونها بكلمات عربية, لأنهم ما زالوا يستعينون بها في أداء المقام إذ إنه بدونها لا يمكن تحريره وتأدية قطعه وأوصاله ومياناته فإذا ما تم إبدالها يكون الحذر والخوف على ضياع أصول أداء المقام العراقي, من المهم تدوين موسيقا المقام العراقي بالنوتة الموسيقية حتى يتم يمكن التخلص من هذه الكلمات وان تستبدل بكلمات عربية.

هناك نوعًا آخر من القيود الملزمة عند أداء المقام العراقي, ألا وهي الألفاظ المستعملة في تحرير وميانة وتسليم المقامات وهي تمثل مفاتيح كل مقام لأنها تؤشر للبداية والوسط والنهاية, فلابد للمبتدأ الذي يسعى لأداء المقام العراقي أن يحفظ هذه المفردات ليسهل عليه التميز بين مقام وآخر, فمقام البيات الذي يتقدم حفل (التهليلة) مقام يوصف بالملك وهو من المقامات الحساسة وغير قابل للتصرف أو التلاعب لذا فان القارئ لا يملك الحرية في الاطالة أو الإيجاز أثناء تأدية المقام, فالقارئ ملتزم بنوع الشعر المصاحب لكل مقام وهذا محدد مسبقًا, إذ إن هناك مقامات لا تقرأ إلا بالشعر الفصيح ومقامات أخرى لا تقرأ إلا بالشعر العامي(الزهيري) والنوع الذي يقرأ بالشعر الدارج يتضمن التزامًا آخر وهو التقيد بالأشطر السبعة التي يتكون منها هذا النوع من الشعر.

بالإضافة إلى تواجد ألفاظ يعتمد عليها في تركيب المقامات العراقية وتعد من الضروريات التي لا يستغني عنها قارئ المقامات العراقية لأنه إذا تخلى عنها لا يتمكن من أداء المقام بالشكل المتعارف عليه, وتلك الألفاظ التي يستعملها قراء المقام في بغداد, هي مجموعة نقاط ارتكاز أساسية ثابتة في أداء المقامات العراقية, ولا يمكن أداء المقامات العراقية دون أن يرتكز على الكلمات والألفاظ التي تدخل في تركيب المقام العراقي كجزء لا يتجزأ من الاسس الموسيقية الثابتة  في أداء المقامات العراقية, فالقارئ  يمكن أن يغير النص الشعري الداخل في أداء المقام العراقي, ولكن لا يجري أي تغير أو استبدال في الألفاظ وحتى الألفاظ الأجنبية لا يغيرونها ولو بألفاظ عربية, وذلك بسبب استقرار تلك الألفاظ الأجنبية الدخيلة وتداخلها مع بعض الألفاظ العربية في المقامات العراقية.

إن الكلمات والعبارات التي يرددها القارئ عبر أداء المقام وفي أماكن محددة دون أن تكون لها أي صلة ترابط بالنص الشعري, إلا أنها ضرورية ملزمة لقارئ المقام في ذكرها, ولكل مقام عراقي مفرداته الخاصة التي لا يتم ذلك المقام إلا بترديدها, إن وجود مفردات عربية لا ينفي وجود كلمات أجنبية, إنما توجد أكثرهما معًا وهي من القيود الواجب الالتزام بها.

أسباب بقاء الكلمات الأجنبية وعدم إبدالها بكلمات عربية في المقام العراقي جاءت على النحو الآتي.

1- استعانة قارئ المقام العراقي بهذه المفردات في أداء المقام العراقي, إذ أنه بدونها لا يتمكن تحرير أو البدء به وتأدية قطعه وأوصاله ومياناته وتسليمه, فإذا تم إبدالها تكون هناك خشية من ضياع الأصول الثابتة المقام العراقي.

2- مهمة الابتكار والإبداع التقني في المقامات العراقية ليست بالمهمة اليسيرة والسهلة والمتاحة لكل من أدى المقامات العراقية وأجادتها, إنما هذه الميزة لا تچوجد إلا في العدد القليل من الخبراء المتمكنين من القراء الملمين بهذا التراث والمستوعبين لأبعاده الموسيقية كافة من المتبحرين والمتمكنين بأصول وتراكيب المقامات العراقية.

3- إن أسلوب دراسة وتعليم المقام العراقي وحفظة وأدائه المعتمد على الذاكرة دورًا اساسياً في بقاء تلك المفردات الأجنبية,  حافظ أداء المقام العراقي إلى الآن علة تتابع تقليدي تراثي محدد يتعلق بعناصره الموسيقية الأساسية, وذلك لكونه تسمية دالة على أحد الأنواع الأساسية من الغناء العراقي أو كونه شكلًا موسيقًا تصاغ وفق أسسه الموسيقية, الأنواع الغنائية والتراتيل والإنشاد الديني أو الدنيوي العراقي المتنوع.

4- تميز المقامات العراقية التي تقرأ في بغداد وهي المكان الأصلي للمقامات العراقية بأسلوب موسيقي محكم, له أسسه الموسيقية الواجب مراعاتها عند الأداء, والتي تعتمد على قواعد ثابتة لها أحكامها وأصولها التي سار عليها القراء البغداديين, بينما أداء المقامات العراقية في الموصل وكركوك, تؤدى بشكل مختلف عن أداء المقامات في بغداد, وليس فيه تلك الصياغة المتقنة فالأسلوب البغدادي هو من أهم وأجود الاساليب الغنائية في الأداء الغنائي للمقامات العراقية على الأطلاق.

5- هذه الألفاظ صار لها مهمة إيقاعية ولها دلالة على المسار النغمي للمقام الراقي, فكلمة (يار) في تحرير مقام الرست مثلًا, لها القدرة على الانسياب النغمي المقبول ويمكن للمتعلم أن يضبط أوائل التحرك النغمي بهذا المقام, وقد جرى فعلًا محاولة إبدال كلمة(يار) بترجمتها الحرفية(يا حبيب) من قبل بعض قراء المقام, إلا إن  اللفظ لم يكون له سلاسة واستقامة, لأن مفردة يا حبيب لا تملك الرونق ولا الوزن الإيقاعي لمفردة يار, فكان نصيب ذلك الفشل, لأن الموضوع يرتبط بالنغم والإيقاع, أكثر منه في مفردة قاموس, فلابد من ملاحظة القدرة في البدائل على تحقيق الهدف الأساس في المستبدل.

ولابد من التأكيد إن استبدال بعض المفردات قد يؤدي إلى الإخلال في أداء المقامات العراقية وهذا هو السبب عدم إقبال قراء المقامات العراقية إلى التخلي كليًا عن تلك الألفاظ الأجنبية في المقامات العراقية ولا استبدالها بألفاظ عربية إلا في حالات قليلة, مثلما تصرف قارئ المقامات(رشيد القندرچي) الذي أستبدل كلمة (نازنيمنن) الفارسية بكلمة (اشتكي لمن) في ميانة مقام العجم, وهناك محاولات اخرى لقاري المقام(محمد القبانچي), وهذا التبديل لا يطرح إلا من له باع طويل في المقامات العرقاية (القبانچي والقندرچي) وكان القندرچي قد قرأ بعض المقامات العراقية دون أن يستعمل ألفاظ أجنبية دالًا على إمكانات في أداء المقامات بدون الارتكاز على الألفاظ الأجنبية, ولكنه قال: “لا يستطيع مخالفة العرف الفني في أداء المقامات العراقية فالعازفين ما كانوا يرضون بذلك وجلهم من اليهود متمسكون بتلك الألفاظ الأجنبية الدخيلة” (3).

وبطبيعة الحال تأتي صعوبة حذف أو استبدال هذه المفردات أو التعويض عنها, في إن قارئ المقام لا يتمكن من التحول أو الانتقال بين أجزاء المسار النغمي للمقام الأساس المتكون من عدة مقامات فرعية, إذ إن هذه الألفاظ والمفردات الأجنبية, بالنسبة لقارئ المقام بمثابة نقاط ارتكاز أو انطلاق نغمة دالة يتحدد بموجبها نوع المسار النغمي التالي للمقام وخصائصه فالألفاظ وجدت عبر مساحة الارتجال المتوفرة والمسموح بها داخل بنية المقام العراقي وبالتالي صارت دلالات تضيئ سياق المسارات اللحنية لتؤشر للقراء محطات أدائية صارت بعد حين جزءًا أساسيًا ومتممًا لمسارات المقام اللحنية.

ولابد من الإشارة إن الألفاظ في التحرير والبدوات وعند الصعود والهبوط وعند أداء الميانات والتسليم دون إدراك وضيفتها, قد يسهل عليه المطالبة بتبديلها أو حذفها بما يتفق مع قيم وروح العصر وفكره لكن مثل هذه الموضوعات لا تتم في التراث الثقافي الشعبي بسهولة, فكل مقطع لفظي له أهميته في الشكل الغنائي العام وتأثيره في البنية اللحنية الأساس للمقام وضبط انتقالاته الموسيقية, فمقاطع النص الغنائي وكلمات نص وأشعاره بمثابة القانون الملتزم بأحكامه وأصوله ولا بد من الوقوف عند حدودها وعليه فقد بقى المقام العراقي أداء ارتجالي مقيد يؤدى بقواعد ثابتة وعلى النحو الآتي.

1- انتقال محدد في الأداء من جنس موسيقي إلى آخر.

2- إيقاع محدد لكل مقام يصاحب الأداء من بدايته إلى نهايته, أو يدخل في أجزاء معينه منه  وبالرغم من هناك أنواع من المقامات العراقية تقرأ بدون مصاحبة إيقاعية.

3- كل مقام عراقي يستعمل نوع محدد من الشعر باللغة العربية بالفصحى أو شعر باللهجة الدارجة.

وهذا لا يعني عدم وجود مظاهر الحرية في قراءة المقام العراقي عبر تقديمه في كل مرة في صياغة جديدة, ومثل هذه الحرية ساعدت المقام العراقي لأنه في حقيقته (لحن فإذا قدم في كل مرة بالطريقة ذاتها فيؤدي إلى الملل) فضلا من أن بعض القراء استعمل هذه الحرية في الحفاظ على الطريقة الفريدة التي يقدم بها المقام العراقي, إذ تمكن قارئ المقام أوائل القرن العشرين, عند دخول شركات التسجيل أن يوجز المقام بسبع دقائق, في حين كان يقرئه بوقت طويل يتجاوز الثلاثين دقيقة بالإضافة إلى إن حرية الأداء كانت أحد أسباب ظهور المدارس الغنائية المقامية كمدرسة القبانچي ومدرسة القندرجي ومدرسة يوسف عمر, وهي ذاتها التي سمحت للقبانچي باختيار الآت التخت الشرقي بدلًا من الفرقة التقليدية المصاحبة للچالغي البغدادي.

ويجب الأخذ في الحسبان أن كثرة الحليات النغمية لا تتم جماليتها ولا تتحقق إلا عبر ممارسة طويلة ودراية كاملة في المسارات اللحنية والدقيقة في الانتقال بين الانغام والارتجال والاستطراد والخلق الآني في الأداء والذي لا يتم إلا وفق ثوابت الشعر واللحن وانتقالاته إلى جانب انسجام المؤدى مع تلك العناصر, وقد ادرك الموسيقيين العرب اهمية الاداء الغنائي والذي يتحقق عن طريق النقل الشفاهي كونه يسمح بأكثر الامكانيات المستمرة للخلق الآني ولأنه يسعى إلى تقوية الحس الموسيقي وبالتالي يزيد من أساليب الأداء المتنوعة للمؤلفة  الموسيقية الواحدة وهذه سمة من سمات المقام العراقي إذ يؤدي الارتجال في الأداء دورًا مهمًا في اضفاء السمة الخاصة في الأداء.

ومما لاشك فيه إن حرية المؤدي في التصرف عند أداء المسار النغمي العام للمقام العراقي الذي تصاحبه أحد الضروب الإيقاعية من التحرير وحتى التسليم, فقد يطول هنا أو يقصر هناك وذلك حسب إمكاناته الأدائية وطاقته الصوتية وخبرته الموسيقية وطبيعة الجو الأدائي العام المواجد فيه والمناسبة الاجتماعية التي يؤدي فيها ونوع الحضور, إذ إنه في هذا الجانب يبرز طابع الاستطراد غير المقيد لحركة المسار النغمي العام ويستحيل التقيد به بين أداء وآخر وحتى في ظروف الإعادة المتشابهة تمامًا, فكل تقديم أو أداء جديد له شخصيته المتميزة والفريدة وخصائصه الأدائية إلى جانب الحفاظ على جميع الخصائص والملامح التكوينية والبنائية الأساسية للمقام العراقي.

ومن الجدير بالذكر إن البناء الموسيقي لأداء المقامات العراقية  يقوم على مفهوم اساسي هو الديناميكية في الأداء أي الحركة اللحنية المستمرة المتصلة في التغير والتنوع بين السلالم والاجناس الموسيقية والغنائية والتي تسمى القطع والاوصال والاستمرار في أداء المقام العراقي كوحدة متكاملة, وهناك من يعارض ديناميكية الأصول الأدائية التقليدية أو ديناميكية البناء الجديد في اختزال تلك الأصول أو تهذيبها أو الإضافة إليها وإحلال الجديد محل بعضها ويتجلى ذلك بوضوح عند الاستماع إلى حفلات أو تسجيلات المقامات العراقية التي أداها قراء المقام عبر القرن العشرين.

وتماشيًا من تم ذكره فإن أسلوب أداء المقام العراقي وروح الارتجال فيه وإمكاناته المرنة في بلوغ بنية موسيقية عبر مكوناته التي يلتزم بها قارئ المقام, إذ إنه يعتمد على فكرة لحنية متسلسلة محددة ومسبقة وواضحة, وإن الإضافة فيه بنية موسيقية أو موضوعية, إنما هي وسيلة في استعمال الزخارف والتلوين والاستطراد فيه وسيلة جذب وتواصل وعدم الالتزام بزمن محدد, إذ أن شكل بنية المقام العراقي مؤلفة من مجموعة ألحان متتابعة ومترابطة وحرة ومتصلة عبر توقفات, الهدف منها استكمال البنية الموسيقية للمقام العراقي.

ولا مناص من القول: إن أداء المقام العراقي القائم على الارتجال هو عمل خلاق ودينامي يضم في الوقت عينه تأليفًا وأداءً آنيين ومتداخلين, فالمرتجل هو المؤدي والمؤلف, والأداء المبدع يتطلب موهبة موسيقية مميزة وتقنية صوتية عالية, إن من يمتلكون المواهب المحدودة يسقطون في نقل ما ارتجله الآخرين وترديده, فالمقام العراقي في يقوم على الارتجال, لأنه طويل في مدته قراءته, فالغناء السريع لا يسمح كثيرًا بالارتجال, ويتطلب الأداء المقامي الناجح السلطنة فيتنقل المؤدي في ارتجاله بين القطع والأوصال وأجناسها, فيصل هو وسامعيه إلى حالة التطريب.

ولا يفوتنا أن ننوه إن المقامات العراقية المقيدة الصغير والكبيرة هي التي يجب على المؤدي أن يتقيد ويؤدي جميع أركانها وقطعها وأوصالها ويراعي تسلسل مساراتها أللحنية حسب ما هو متعارف عليه, وأما المقامات المطلقة الكبيرة والصغيرة هي التي لا يتحتم على المؤدي أن يراعي تسلسل أركانها وقطعها وأوصالها بسبب عدم وجود ذلك التسلسل, علماً إن كل مقام من مقامات الزهيري يعد مقيدًا, وذلك بالتسليم فقط إذ ينتهي المقام بانتهاء الزهيري فيعد المقام مقيدًا.

واستخلاصًا لما سبق فإن صدق المؤدين السابقين في أدائهم نسبة إلى الحياة المعاصرة صار أمرًا قاصرًا في موضوع الأداء بمضامينه الفكرية رغم جذوره العفوية, لقد كان لسان حال المؤدين السابقين يؤكد بكل قوة إن الصدق هو مقياسًا وحيدًا في النجاح الادائي, وهو أمر صحيح نسبة إلى ظروف تلك الحقبة الزمنية ولكنه الآن صار موضوعًا يحتاج إلى التطور والانتشار, لأن الأداء الغناسيقي الفني قد صار في الزمن الراهن أقرب الى واقع الحياة من الصدق لوحده وإن الأداء بمقوماته ومستلزماته الموسيقية هو الذي يخلق الصدق في الأداء, فالأسلوب الناجح يضم في ثناياه وحدة الشكل والمضمون ووحدة الكلمة واللحن وحدة الأداء وجمالية الصوت.

________________________

1- قالب غنائي يتكون من مجموعة ألحان مترابطة مع بعظها ومنسجمة فيما بينها لها بداية تسمى التحرر ونهاية تسمى التسليم, وما بينهما مجموعة أخرى من قطع وأوصال وميانات وجلسات يقرأها المؤدون(قراء المقام العراقي) دون الخروج عن البنية الموسيقية  والصياغة التقليدية.

2-الأداء (Performance) : القيام بأعباء المسؤولية الغنائية بهدف بناء علاقات متينة للعناصر المكونة للمقام العراقي والنجاح فيه كعمل أدائي موحد.

3-عبد الوهاب بلال: المقامات العراقية, مجلة عالم الفكر, ع1, مج6, الكويت1975م, ص58.