رحلة قصيرة
من المرسم الى قاعة العرض
في قاعة ملائمة للحضور البهي (مرسم) لنساء كن يوما ما يملأن الفضاء بنشاطٍ وحيويةٍ، ويمنحن الحياةً استحقاقَها من المودة، والطبيعة استحقاقها من الجمال، تقدم بهن العمر فازددن حكمة، وتغيرت سحنات وجوههن وشعورهن وعلى الرغم من كل ما فرضته الأيام علیهن من تغيرات كثيرة لم يردن انقطاع العطاء، والاستسلام للشيخوخة، لهذا قررتْ كلُّ واحدة منهن المضي قدما في التدريب المستمر، والابداع المثمر. اجتمعن في قاعة ملائمة للرسم تحت اشراف فنان مبدع، ومعلم حكيم، ورحن يتبعن خطواته التوجيهية باندفاع حقيقي فوجدن أنفسهن غارقات في بحر الفن التشكيلي وادواته وألوانه المختلفة. عندما اقتحمتُ عزلتهن أصبت بالدهشة المفرطة وانا أرى تعلّق كل واحدة بلوحتها الى حد صار فيه الفضول يفرض على نفسي طرح السؤال تلو السؤال عن أشياء كثيرة أولها: هل أنت يا سيدتي تشعرين بالفرح في هذا المكان؟ هل انت سعيدة بعملك مع هذه المجموعة، ما مادة اللون التي تفضلين استخدامها؟ هل لك خبرة فنية في استخدام الألوان المائية (Watercolours)، الألوان الزيتية (oil paints)، الجار كول(charcoal)، أقلام الرصاص (pencils)، الأكريليك (acrylic)؟
كانت الأسئلة كثيرة جداً حتى أن الوقت لم يسعفني طرح الكثير منها وباختصار شديد وجدت عاملا فنياً مشتركا بينهن جميعا في تلك الغرفة الجميلة، وهن في الغالب متقدمات في السن أردن الحفاظ على ذاكرة فعالة، ودماغ حيوي، وذوق متميز رفيع، وخلق مبهر لجمال الطبيعة. كان المشترك الأول ماثلا في استخدام مادة الأكريليك، وعندما سألت إحداهن عن السبب قالت هذه المادة يمكن الحصول عليها بسعر زهيد فضلاً عن انها مادة شبه شفافة تتيح رسم الموضوعة التي نختارها بطريقة نقية وشفافة. وقالت أخرى انها تفضل الرسم باستخدام قلم الرصاص والجاركول فضلاً عن الألوان المائية والزيتية ورأيت بعض تخطيطاتها المبهرة وبدا انها اتقنت الرسم قبل التحاقها بهذه المجموعة. فهي على قدر كبير من المكنة الفنية والأدائية، وفي طريقها لتكوين شخصيتها المتفردة في الرسم.
طلبت من كل سيدة الموافقة على تصوير لوحاتها ثم تصوير كل واحدة أثناء انغماسها في الرسم… وافقن بكرم حاتمي كما يقال عندنا في اللغة العربية فشرعت بالتصوير فورا. كنت والوقت في سباق محموم، خفت الا يسمح لي اكمال مشواري المدهش مع هذه الباقة من الفنانات الأمهات أو الجدات. كنت اود ان اسأل بعض الأسئلة الاجتماعية: كيف فكرن بأسلوب اللقاء الاجتماعي هذا؟ وكيف تولدت الرغبة عند كل واحدة منهن في ممارسة الرسم؟ وهل درسن فن الرسم في مدرسة أو اكاديمية ما؟
قالت احداهن نحن نملك معلما قديرا، وناقدا حصيفا، ومرشدا لنا في كل خطوة، فما حاجتنا للدراسة في خريف العمر!
ورأيت ان الخريف كان حاضراً بألوانه الصفراء البرتقالية الجميلة، وأوراقه التي لا تزال محتفظة ببعض بريقها المشع وكأن اللوحة تعكس ما تمر به كل واحدة منهن. ورأيت في لوحة أخرى بالغة الدقة صورة العزلة التي تعاني منها المرأة الأسترالية عند بلوغها الشيخوخة حيث يكون الوقت طويلا، والفراغ كبيرا، الا إذا لجأن الى هذه المجاميع الفنية والاجتماعية لملء الفراغ بشيء تخدم به كل واحدة نفسها، وتخدم الآخرين بعطائها الإبداعي الذي تقدِّم من خلاله الجمالَ، وسحرَ الطبيعة الخلاب. استخدمت كبيرتهن جزيرة صغيرة محاطة بالماء لتكون مركزا للوحتها. الجزيرة لا تزال جميلة بألوانها وانسجامها، وسحرها المهيمن على أجواء اللوحة كلّها. لقد جعلتني هذه الفنانة أقف أمام اللوحة وقد أسرتني الدهشة، والبراعة. قالت لي: أنا ارسم كي أبقي دماغي فعالاً الى ما لا نهاية. الله.. كم هي متفائلة يطيبُ لها انتقال هذه العدوى الصحية لأبنائها واحفادها وكل الشباب في استراليا وحتى في العالم. هذه السيدة لم تكن أسترالية بالولادة لكنها هاجرت اليها على ما يربو على السبعين عاما. اتقنت الإنكليزية، عاشت وانجبت وابدعت وهي تلتحق الآن بمجموعة أخرى مخصصة للتحدث باللغة الإنكليزية (Let’s talk English) هي كتلة من النشاط والحيوية، حتى بدت لي وكأنها تنافس الشباب في انشطهم الفنية والمعرفية. شعرت من خلالها ان كينونة الانسان لا تتجلى بعدد السنوات التي قضاها من عمره، بل بما قدم للحياة من خدمات جليلة
هذه المجموعة كان قد أسسها الفنان الإيطالي الأصل والاسترالي الجنسية فرناندو بيناسي (Fernando Benassi) وهو أستاذ للفنون الجميلة. قضى الشطر الأعظم من حياته وهو يدرس الفنون العامة: النحت، والتصميم، والتلوين، والرسم وبعد احالته على التقاعد استثمر وقته وجهده في تأسيس مجموعة خاصة بكل محبي الرسم او من يرغبون بتعلم مادة الرسم. قال لي: إنه يشعر بمتعة كبيرة وهو يمنح الناس اسرار الفنون وكيفياتها وتقنياتها قالت لي احدى المتدربات انه معلم بارع، منه تعلمت الكثير، وبواسطته طورت تقنياتي حتى غدت كما تراها الآن. واستدركت قائلة: إنه يحب التحدي ويستمتع بتدريسنا ويحب مساعدة الآخرين أيضا وقد تأكد لي ذلك عندما سألته عن طبيعة عمله مع هذه المجموعة. لقد منحنا فرناندو مفهوما عبقريا في معنى أن تكون متطوعاً من أجل الآخرين بلا مقابل (Volunteer).
لم يسعفني الوقت للتحدث معهن كثيرا حتى انني لم احظ بوقت لأسأل المعلم بعض الأسئلة المهمة، فوعدني بإجراء حديث لاحق داخل المعرض الذي سيقام صبيحة الجمعة في مبنى (Council Chambers)
في المعرض المتواضع لم يكن الاقبال عليه شديدا كما توقعت ربما بسبب ضعف الإعلان عن المعرض وربما أسباب آخر، وليس هذا أكثر أهمية مما شاهدناه في أجنحة المعرض من الابداع والتميز في بعض اللوحات المدهشة، على سبيل المثال لا الحصر لوحة السيدة سليفيا فان كريفنSylvia Van Gerven))
والسيدة ماريلاين مارتن Marilyn Martin)) والسيدة ماري كاميلرMary Camillri)) والسيدة لوني وود Leonie Wood)) والسيدة ميريام زولو (Miriam Zolo) وأخريات لم تسعفني الذاكرة حفظ اسمائهن. وكانت من لوحات المعرض المميزة بجمال الطبيعة وسحر مخلوقاتها تلك التي وقف فيها طائر الببغاء على جذع شجرة مقطوعة في خريف عمرها بدا وكأن جذع الشجرة يحاول ابتلاع الجمال في عملية تعويض عما زال من جمالها الذي كان مبهرا يوما ما. اللوحة فيها درامية تجلت من خلال الصراع بين الجمال المبهر بألوانه البراقة المنسجمة، وبين الخراب الذي لحق بجذع الشجرة وأفول جمالها الربيعي المستسلم للزوال. ومن اللوحات المميزة أيضا تلك التي صورت شجرة عارية من الأوراق تماما فقد انضى الخريف عنها كل زينتها الخضراء، وتركها في صراع قائم بين اغصانها وجذورها صراع في الأعلى (في الحياة) وصراع في الأسفل (في الموت) وقد ادارت الفنانة عملية الصراع بأسلوب سريالي مبهر. وفي لوحة الطفل الذي أسميته تجاوزا الطفل الفلسطيني أكدت الفنانة على ملامحه السمراء الحزينة التي من خلالها تتمظهر حالات القتل والدمار والخراب والتطهير العرقي وقد حطت على يده حمامة السلام البيضاء الذي حرم منه كواحد من أطفال غزة الأبرياء. قلت انه طفل فلسطيني لأن ملامحه المميزة بالحزن والشعور بالمرارة والألم وبشرته السمراء التي هي سمته المركزية كلّها دلت على شخصيته العربية/ الفلسطينية. وثمة لوحة ساحر بألوانها ومدهشة بتجاورها اللوني وانسجامها الكبير برعت الفنانة بجعل التجريدية أسلوبا مميزا فيها وهي الوحيدة التي يمكن عدها لوحة ابتكارية مرسومة بما استطاعت الفنانة تركيب الوانها من وعيها الفني وتجربتها وخبرتها الرائعة في تجاور العديد من الألوان الزيتية، ولا تقل أهمية وفنية لوحتها الأخرى عن الأولى في اتباعها الأسلوب التجريدي المبهر والجميل. ولا بد لي ان اشير هنا الى ان هذه المجموعة من النساء بشكل عام يفتقرن الى عنصر الابتكار وأن لا يعتمدن على صور فوتوغرافية جاهزة وان يتوقفن عن نسخ اللوحات ويلجأن الى الابتكار حسب، لأن الابتكار يمنح كل فنان شخصيته المتفردة. خرجت من المعرض وكلي أمل أن أزورهم مرة أخرى في معرض مستقبلي آخر لأرى ما إذا كن فعلا قد تخطين الحاجز الأول من الاستنساخ الى الابتكار، لتكون لي معهن رحلة أخرى منتظرة.
مجيد قره
د. صباح محسن کاظم
التعليقات