البحر… مرآة الذاكرة ومحرّض البوح

صورة الكاتب
بقلم: علاء العلاف
التاريخ: 25 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 2463
البحر… مرآة الذاكرة ومحرّض البوح

البحر… مرآة الذاكرة ومحرّض البوح

منذ البدء كانت العلاقة بين الإنسان والبحر علاقة تأمل لا تنقطع علاقة تُشبه الحبّ حين يخلو من الشروط ويكتفي بالحضور،أنا واحدٌ من أولئك الذين سَكنهم البحر، وربما سكنوه. كلما اقتربت منه، ازددتُ بعدًا عن صخب الحياة، واقتربتُ من ذاتي الخفية التي لا يراها أحد، البحر ليس مجرد ماءٍ يتمدّد في الأفق بل هو مرآة، تُلقي في عينيّ صدى ما يجول في داخلي من أسئلة وذكريات.
البحر كائنٌ يشبهنا…
حين أقترب من البحر، لا أبحث عن صوت الأمواج فقط، بل أبحث عن الصمت الذي يسكنني حين أنظر إليه، أحمل إليه أفكاري المبعثرة وشيئا من ذاكرتي ووجعًا لا يتكلم. أُلقي على عتبته أشيائي الكثيرة، كأنني أرتّبها على شاطئ روحي، وأتركها لتغتسل بمائه، البحر يشبهنا في هدوئه وفي غضبه وفي سكونه الذي يخفي العاصفة وفي عمقه الذي لا يُدرَك، نحدّق فيه بالدهشة ذاتها كأننا نرى سرًّا لم يُفصح عنه أحد، مياهه لا تُعيد ما نلقيه فيها، لكنها تحتفظ به، تحفظ السرّ ولا تُفشيه، لذلك أحبّه… لأنه مستودع الأرواح وعميق كالحياة …
البحر محرّض على الكتابة
في حضرة البحر، يتعلّم الإنسان كيف يبوح… كيف يكتب دون خوف أو حذر أو مواربة، الكتابة في جوهرها تشبه البحر: لا تُكتب دفعة واحدة، بل تنمو مثل موجةٍ تتقدّم ثم تنكسر، من هذا المنطلق، كان البحر مُعلّمًا خفيًّا لكلّ من حمل القلم، وحاول أن يُمسك المعنى بين أصابعه، الكتابة ليست مجرّد صنعة بل هي امتداد لتجربة داخلية، تُشبه سعي الإنسان نحو ذاته، وفي ذلك تتجلى مشيئة الإنسان: أن يصنع من العالم مسرحًا لتضادّاته، أو أن يسعى إلى توحيدها في انسجامٍ رفيع، كما في عناق البحر بالجبل أو كما في تصالح الحرف مع المعنى …
الذاكرة والبحر: بيت واحد …
ليست الذّاكرة مكانًا جامدًا بل كائنٌ حيّ، يتغذّى على الصّور والمشاعر والأصوات، والبحر جزءٌ من هذه الذاكرة، بل هو بيتها الطبيعي، حين نقف على شاطئ البحر، نشعر بأن ذاكرتنا تستفيق وتبدأ بسرد حكاياتها بصوت الأمواج وبرائحة الملح وبامتداد الأفق المفتوح. وربما قال عبد الفتاح بن حمودة ذلك دون أن يُسميه: “صباحاتي باردة كثلوج الأطلس، كلماتي البيضاء مطروقة في الأرض، تهزّها ريحٌ هوجاء”… في هذا البوح الشعري، يلتقي البحر بالخيبة والذاكرة بالحنين والإنسان بظلّه، حيث لا حدود للمعنى ولا نهاية للانتظار …
البحر… الكائن الذي لا يغيب
كلّنا نعشق البحر، ليس لأنّه جميل فقط بل لأنه صادق، لا يُخفي شيئًا ولا يمنحك أكثر مما تستطيع تحمّله، هو المرآة التي تعكسنا دون تزييف والذّاكرة التي لا تُمحى والحكاية التي تبدأ ولا تنتهي في البحر، نجد أنفسنا نتهجّى اللغة، ونُعيد ترتيب الحياة من جديد
البحر هو الأجمل لأنه الأكثر شبهًا بنا.

عن الکاتب / الکاتبة

علاء العلاف
علاء العلاف
باحث وکاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

حين يرسمنا المكان

حين يرسمنا المكان

حين يرسمنا المكان من الأماكن الخضراء إلى يوسف باشا ومقهى أيوب سلطان، يبدو المكان كأنه…

صورة الكاتب علاء العلاف
15 يونيو 2026
اقرأ المزيد
الحياة… ذلك الامتحان الدائم

الحياة… ذلك الامتحان الدائم

الحياة… ذلك الامتحان الدائم كان يوسف السباعي في روايته أرض النفاق يسخر من مجتمعٍ يبيع…

صورة الكاتب علاء العلاف
25 مايو 2026
اقرأ المزيد
رحلة البحث عن الذات

رحلة البحث عن الذات

رحلة البحث عن الذات كانت أسرار كثيرة تتساقط فوق رؤوسنا، تلفّنا كغيمٍ من النسيان حاولتُ،…

صورة الكاتب علاء العلاف
16 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


البحر… مرآة الذاكرة ومحرّض البوح

بقلم: علاء العلاف | التاريخ: 25 أغسطس 2026

التصنيف: الشعر والنصوص الادبیة

البحر… مرآة الذاكرة ومحرّض البوح

منذ البدء كانت العلاقة بين الإنسان والبحر علاقة تأمل لا تنقطع علاقة تُشبه الحبّ حين يخلو من الشروط ويكتفي بالحضور،أنا واحدٌ من أولئك الذين سَكنهم البحر، وربما سكنوه. كلما اقتربت منه، ازددتُ بعدًا عن صخب الحياة، واقتربتُ من ذاتي الخفية التي لا يراها أحد، البحر ليس مجرد ماءٍ يتمدّد في الأفق بل هو مرآة، تُلقي في عينيّ صدى ما يجول في داخلي من أسئلة وذكريات.
البحر كائنٌ يشبهنا…
حين أقترب من البحر، لا أبحث عن صوت الأمواج فقط، بل أبحث عن الصمت الذي يسكنني حين أنظر إليه، أحمل إليه أفكاري المبعثرة وشيئا من ذاكرتي ووجعًا لا يتكلم. أُلقي على عتبته أشيائي الكثيرة، كأنني أرتّبها على شاطئ روحي، وأتركها لتغتسل بمائه، البحر يشبهنا في هدوئه وفي غضبه وفي سكونه الذي يخفي العاصفة وفي عمقه الذي لا يُدرَك، نحدّق فيه بالدهشة ذاتها كأننا نرى سرًّا لم يُفصح عنه أحد، مياهه لا تُعيد ما نلقيه فيها، لكنها تحتفظ به، تحفظ السرّ ولا تُفشيه، لذلك أحبّه… لأنه مستودع الأرواح وعميق كالحياة …
البحر محرّض على الكتابة
في حضرة البحر، يتعلّم الإنسان كيف يبوح… كيف يكتب دون خوف أو حذر أو مواربة، الكتابة في جوهرها تشبه البحر: لا تُكتب دفعة واحدة، بل تنمو مثل موجةٍ تتقدّم ثم تنكسر، من هذا المنطلق، كان البحر مُعلّمًا خفيًّا لكلّ من حمل القلم، وحاول أن يُمسك المعنى بين أصابعه، الكتابة ليست مجرّد صنعة بل هي امتداد لتجربة داخلية، تُشبه سعي الإنسان نحو ذاته، وفي ذلك تتجلى مشيئة الإنسان: أن يصنع من العالم مسرحًا لتضادّاته، أو أن يسعى إلى توحيدها في انسجامٍ رفيع، كما في عناق البحر بالجبل أو كما في تصالح الحرف مع المعنى …
الذاكرة والبحر: بيت واحد …
ليست الذّاكرة مكانًا جامدًا بل كائنٌ حيّ، يتغذّى على الصّور والمشاعر والأصوات، والبحر جزءٌ من هذه الذاكرة، بل هو بيتها الطبيعي، حين نقف على شاطئ البحر، نشعر بأن ذاكرتنا تستفيق وتبدأ بسرد حكاياتها بصوت الأمواج وبرائحة الملح وبامتداد الأفق المفتوح. وربما قال عبد الفتاح بن حمودة ذلك دون أن يُسميه: “صباحاتي باردة كثلوج الأطلس، كلماتي البيضاء مطروقة في الأرض، تهزّها ريحٌ هوجاء”… في هذا البوح الشعري، يلتقي البحر بالخيبة والذاكرة بالحنين والإنسان بظلّه، حيث لا حدود للمعنى ولا نهاية للانتظار …
البحر… الكائن الذي لا يغيب
كلّنا نعشق البحر، ليس لأنّه جميل فقط بل لأنه صادق، لا يُخفي شيئًا ولا يمنحك أكثر مما تستطيع تحمّله، هو المرآة التي تعكسنا دون تزييف والذّاكرة التي لا تُمحى والحكاية التي تبدأ ولا تنتهي في البحر، نجد أنفسنا نتهجّى اللغة، ونُعيد ترتيب الحياة من جديد
البحر هو الأجمل لأنه الأكثر شبهًا بنا.