تأملات في ادب الأطفال
الخيال في الطفولة ودوره في الإبداع(3)
يتصور البعض أن الخيال مجرد وسيلة للتسلية أو الهروب من الواقع، لكنه في الحقيقة إحدى أعظم النعم التي وهبها الله للإنسان، فهو البذرة الأولى لكل فكرة جديدة، والشرارة التي تنطلق منها الاكتشافات والاختراعات والأعمال الأدبية والفنية فلكل انجاز او ابداع إلا وكان في بدايته فكرةً سكنت خيال صاحبها، ثم وجدت من يؤمن بها حتى أصبحت واقعاً ملموساً. لذلك فإن تنمية الخيال لدى الطفل هي استثمار حقيقي في بناء إنسان قادر على التفكير والإبداع وصناعة المستقبل.
وخلال سنوات عملي في تدريس الأطفال، كنت أرى أن أكثر اللحظات ابداعاً داخل الصف لم تكن تلك التي يحفظ فيها التلميذ معلومة جديدة، بل حين يطلق العنان لخياله. كنت أجد في أسئلتهم البريئة، وفي محاولاتهم تفسير الأشياء بطريقتهم الخاصة، عالماً غنياً بالأفكار التي تستحق الإصغاء. وكان يكفيني أن أطرح سؤالًا يبدأ بـ((ماذا لو؟)) حتى تمتلئ القاعة بأيدٍ صغيرة تتسابق للإجابة، وكأن باباً واسعاً قد انفتح أمام خيالهم وكثيراً ما كانت ملاحظاتهم العفوية وأسئلتهم البريئة تتحول في ذهني إلى فكرة قصة أو مسرحية موجهة للأطفال، فأدرك أن الطفل يلهم الكاتب الخيال ويشاركه الكتابة . يمتلك الطفل بطبيعته قدرة فطرية على التخيل تفوق البالغين، فهو لا يرى العالم كما هو ، بل يمكن أن تتحول قطعة خشب في يده إلى سفينة تجوب البحار، أو إلى حصان يعدو في السهول، وقد تصبح الغرفة الهادئة غابةً تعج بالحيوانات، أو محطةً ينطلق منها إلى الفضاء. وهذه القدرة ليست وهماً ، بل هي نشاط عقلي يساهم في بناء التفكير، ويمنح الطفل مرونة في التعامل مع المواقف، ويعلمه أن لكل مشكلة أكثر من حل، ولكل سؤال أكثر من إجابة.
إن الطفل لا يفصل بين التعلم واللعب، فهما بالنسبة إليه موضوع واحد . ومن خلال اللعب التخيلي يعيد بناء العالم بطريقته الخاصة، فيتعلم دون أن يشعر بأنه يتعلم، ويكتسب المهارات اللغوية والاجتماعية والعاطفية وهو يعيش أدواراً يتخيلها ويمنحها الحياة. لذلك فإن اللعب ليس مضيعة للوقت كما يعتقد بعض الكبار، بل هو المدرسة الأولى التي يتدرب فيها الطفل على التفكير، والتواصل، والتعاون، واتخاذ القرار. ولم يعد الاهتمام بالخيال مجرد رؤية أدبية أو انطباع شخصي، بل أصبح حقيقة تؤكدها الدراسات التربوية الحديثة. فقد رأى عالم النفس السويسري جان بياجيه أن الطفل لا يستقبل المعرفة بصورة سلبية، وإنما يبنيها بنفسه من خلال تفاعله مع البيئة، ويظهر ذلك بوضوح في اللعب التخيلي، حين يمنح الأشياء معاني جديدة تتجاوز وظيفتها الحقيقية. أما عالم النفس الروسي ليف فيغوتسكي، فقد أكد أن الخيال لا ينشأ من الفراغ، بل يتكون من الخبرات التي يعيشها الطفل، وكلما اتسعت تجاربه بالقراءة، والحوار، والفنون، واللعب، ازدادت قدرته على الإبداع وإنتاج أفكار جديدة.
ومن هنا فإن مسؤولية الأسرة والمدرسة لا تقتصر على تزويد الطفل بالمعلومات، بل تتعدى ذلك إلى تهيئة بيئة غنية بالمثيرات الثقافية والفنية، تشجعه على التساؤل، والاكتشاف، والتعبير عن أفكاره بحرية. فالطفل الذي يشعر بأن أفكاره تحظى بالاحترام، وأن خياله يجد من يصغي إليه، ينمو أكثر ثقة بنفسه، وأكثر قدرة على التفكير المستقل، وأكثر استعداداً لتحويل أحلامه الصغيرة إلى إنجازات حقيقية في المستقبل.
إن الطفل يتفاعل مع الصورة والحكاية أكثر مما يتفاعل مع المعلومات المباشرة، وهنا تكمن براعة كاتب أدب الأطفال؛ فهو لا يفرض الفكرة على القارئ او المتلقي الصغير، بل يدعوه إلى اكتشافها بنفسه من خلال الأحداث والشخصيات، فيشعر أنه شارك في الوصول إلى المعنى، لا أنه تلقاه جاهز
ومن واقع تجربتي في تدريس الأطفال وكتابة المسرح والقصص الموجهة إليهم، كنت ألاحظ أن الطفل يتفاعل مع الشخصية الخيالية بسرعة مدهشة. وما إن تبدأ الحكاية حتى يصبح جزءاً منها، يفرح لفرح أبطالها، ويحزن لحزنهم، ويقترح حلولًا لمشكلاتهم، وكأنه يعيش بينهم. وقد لمست أن الدرس الذي يقدم في صورة قصة أو مشهد تمثيلي يبقى في الذاكرة زمناً أطول من الدرس الذي يعتمد على الشرح المباشر، لأن الخيال يمنح المعرفة واقعية ويحولها من كلمات محفوظة الى تجربة جميلة ..فعندما كتبت قصة (غرفة جميل) كانت فكرتها مستوحاة من موقف حدث مع ابن أخي الصغير، إذ كان كثيراً ما يترك حقيبته وملابسه وألعابه مبعثرة في كل مكان، وكانت والدته تطلب منه باستمرار ترتيبها. سألته يومها: هل فكرت يوماً أن للأشياء من حولنا شعوراً؟ فأجاب مستغرباً: وكيف أعرف وهي لا تتكلم؟ فقلت له: تخيل لو أنها تستطيع الكلام، ماذا ستقول لك؟ أخذ يفكر، ثم بدأ يتخيل شكوى الحقيبة والملابس والألعاب من الإهمال، وكأنها كائنات حية تنتظر من يعتني بها. ومن تلك اللحظة ولدت فكرة القصة، وأدركت مرة أخرى أن الخيال قادر على غرس المسؤولية في الطفل بطريقة أعمق من أي نصيحة مباشرة .
ولذلك فإن مسؤولية الكاتب لا تقتصر على امتلاك لغة جميلة أو حبكة مشوقة، بل تمتد إلى حسن توظيف الخيال. فالخيال الذي ينمي التفكير، ويوقظ الفضول، ويفتح أبواب التساؤل، يختلف عن الخيال الذي يقدم الحلول السحرية لكل مشكلة، أو يجعل الطفل يعتقد أن النجاح يأتي من دون جهد أو مثابرة. إن الطفل بحاجة إلى أن يحلم، لكنه بحاجة أيضاً إلى أن يدرك أن الأحلام لا تتحول إلى واقع إلا بالعلم والعمل والإصرار.
وفي زمن تتسارع فيه وسائل الاتصال، لم تعد القصة الورقية وحدها المصدر الذي يغذي خيال الطفل، بل أصبحت الرسوم المتحركة، والألعاب الإلكترونية، والمنصات الرقمية، جزءاً من عالمه اليومي. وهذا يفرض علينا أن نعيد النظر في الطريقة التي نقدم بها الأدب للطفل، فلا يكون منافساً للتقنية، بل شريكاً لها في تنمية الفكر والوجدان، مع الحفاظ على متعة القراءة….
تأملات في ادب الأطفال الخيال في الطفولة ودوره في الإبداع(3)
تأملات في ادب الأطفال
الخيال في الطفولة ودوره في الإبداع(3)
يتصور البعض أن الخيال مجرد وسيلة للتسلية أو الهروب من الواقع، لكنه في الحقيقة إحدى أعظم النعم التي وهبها الله للإنسان، فهو البذرة الأولى لكل فكرة جديدة، والشرارة التي تنطلق منها الاكتشافات والاختراعات والأعمال الأدبية والفنية فلكل انجاز او ابداع إلا وكان في بدايته فكرةً سكنت خيال صاحبها، ثم وجدت من يؤمن بها حتى أصبحت واقعاً ملموساً. لذلك فإن تنمية الخيال لدى الطفل هي استثمار حقيقي في بناء إنسان قادر على التفكير والإبداع وصناعة المستقبل.
وخلال سنوات عملي في تدريس الأطفال، كنت أرى أن أكثر اللحظات ابداعاً داخل الصف لم تكن تلك التي يحفظ فيها التلميذ معلومة جديدة، بل حين يطلق العنان لخياله. كنت أجد في أسئلتهم البريئة، وفي محاولاتهم تفسير الأشياء بطريقتهم الخاصة، عالماً غنياً بالأفكار التي تستحق الإصغاء. وكان يكفيني أن أطرح سؤالًا يبدأ بـ((ماذا لو؟)) حتى تمتلئ القاعة بأيدٍ صغيرة تتسابق للإجابة، وكأن باباً واسعاً قد انفتح أمام خيالهم وكثيراً ما كانت ملاحظاتهم العفوية وأسئلتهم البريئة تتحول في ذهني إلى فكرة قصة أو مسرحية موجهة للأطفال، فأدرك أن الطفل يلهم الكاتب الخيال ويشاركه الكتابة . يمتلك الطفل بطبيعته قدرة فطرية على التخيل تفوق البالغين، فهو لا يرى العالم كما هو ، بل يمكن أن تتحول قطعة خشب في يده إلى سفينة تجوب البحار، أو إلى حصان يعدو في السهول، وقد تصبح الغرفة الهادئة غابةً تعج بالحيوانات، أو محطةً ينطلق منها إلى الفضاء. وهذه القدرة ليست وهماً ، بل هي نشاط عقلي يساهم في بناء التفكير، ويمنح الطفل مرونة في التعامل مع المواقف، ويعلمه أن لكل مشكلة أكثر من حل، ولكل سؤال أكثر من إجابة.
إن الطفل لا يفصل بين التعلم واللعب، فهما بالنسبة إليه موضوع واحد . ومن خلال اللعب التخيلي يعيد بناء العالم بطريقته الخاصة، فيتعلم دون أن يشعر بأنه يتعلم، ويكتسب المهارات اللغوية والاجتماعية والعاطفية وهو يعيش أدواراً يتخيلها ويمنحها الحياة. لذلك فإن اللعب ليس مضيعة للوقت كما يعتقد بعض الكبار، بل هو المدرسة الأولى التي يتدرب فيها الطفل على التفكير، والتواصل، والتعاون، واتخاذ القرار. ولم يعد الاهتمام بالخيال مجرد رؤية أدبية أو انطباع شخصي، بل أصبح حقيقة تؤكدها الدراسات التربوية الحديثة. فقد رأى عالم النفس السويسري جان بياجيه أن الطفل لا يستقبل المعرفة بصورة سلبية، وإنما يبنيها بنفسه من خلال تفاعله مع البيئة، ويظهر ذلك بوضوح في اللعب التخيلي، حين يمنح الأشياء معاني جديدة تتجاوز وظيفتها الحقيقية. أما عالم النفس الروسي ليف فيغوتسكي، فقد أكد أن الخيال لا ينشأ من الفراغ، بل يتكون من الخبرات التي يعيشها الطفل، وكلما اتسعت تجاربه بالقراءة، والحوار، والفنون، واللعب، ازدادت قدرته على الإبداع وإنتاج أفكار جديدة.
ومن هنا فإن مسؤولية الأسرة والمدرسة لا تقتصر على تزويد الطفل بالمعلومات، بل تتعدى ذلك إلى تهيئة بيئة غنية بالمثيرات الثقافية والفنية، تشجعه على التساؤل، والاكتشاف، والتعبير عن أفكاره بحرية. فالطفل الذي يشعر بأن أفكاره تحظى بالاحترام، وأن خياله يجد من يصغي إليه، ينمو أكثر ثقة بنفسه، وأكثر قدرة على التفكير المستقل، وأكثر استعداداً لتحويل أحلامه الصغيرة إلى إنجازات حقيقية في المستقبل.
إن الطفل يتفاعل مع الصورة والحكاية أكثر مما يتفاعل مع المعلومات المباشرة، وهنا تكمن براعة كاتب أدب الأطفال؛ فهو لا يفرض الفكرة على القارئ او المتلقي الصغير، بل يدعوه إلى اكتشافها بنفسه من خلال الأحداث والشخصيات، فيشعر أنه شارك في الوصول إلى المعنى، لا أنه تلقاه جاهز
ومن واقع تجربتي في تدريس الأطفال وكتابة المسرح والقصص الموجهة إليهم، كنت ألاحظ أن الطفل يتفاعل مع الشخصية الخيالية بسرعة مدهشة. وما إن تبدأ الحكاية حتى يصبح جزءاً منها، يفرح لفرح أبطالها، ويحزن لحزنهم، ويقترح حلولًا لمشكلاتهم، وكأنه يعيش بينهم. وقد لمست أن الدرس الذي يقدم في صورة قصة أو مشهد تمثيلي يبقى في الذاكرة زمناً أطول من الدرس الذي يعتمد على الشرح المباشر، لأن الخيال يمنح المعرفة واقعية ويحولها من كلمات محفوظة الى تجربة جميلة ..فعندما كتبت قصة (غرفة جميل) كانت فكرتها مستوحاة من موقف حدث مع ابن أخي الصغير، إذ كان كثيراً ما يترك حقيبته وملابسه وألعابه مبعثرة في كل مكان، وكانت والدته تطلب منه باستمرار ترتيبها. سألته يومها: هل فكرت يوماً أن للأشياء من حولنا شعوراً؟ فأجاب مستغرباً: وكيف أعرف وهي لا تتكلم؟ فقلت له: تخيل لو أنها تستطيع الكلام، ماذا ستقول لك؟ أخذ يفكر، ثم بدأ يتخيل شكوى الحقيبة والملابس والألعاب من الإهمال، وكأنها كائنات حية تنتظر من يعتني بها. ومن تلك اللحظة ولدت فكرة القصة، وأدركت مرة أخرى أن الخيال قادر على غرس المسؤولية في الطفل بطريقة أعمق من أي نصيحة مباشرة .
ولذلك فإن مسؤولية الكاتب لا تقتصر على امتلاك لغة جميلة أو حبكة مشوقة، بل تمتد إلى حسن توظيف الخيال. فالخيال الذي ينمي التفكير، ويوقظ الفضول، ويفتح أبواب التساؤل، يختلف عن الخيال الذي يقدم الحلول السحرية لكل مشكلة، أو يجعل الطفل يعتقد أن النجاح يأتي من دون جهد أو مثابرة. إن الطفل بحاجة إلى أن يحلم، لكنه بحاجة أيضاً إلى أن يدرك أن الأحلام لا تتحول إلى واقع إلا بالعلم والعمل والإصرار.
وفي زمن تتسارع فيه وسائل الاتصال، لم تعد القصة الورقية وحدها المصدر الذي يغذي خيال الطفل، بل أصبحت الرسوم المتحركة، والألعاب الإلكترونية، والمنصات الرقمية، جزءاً من عالمه اليومي. وهذا يفرض علينا أن نعيد النظر في الطريقة التي نقدم بها الأدب للطفل، فلا يكون منافساً للتقنية، بل شريكاً لها في تنمية الفكر والوجدان، مع الحفاظ على متعة القراءة….
التعليقات