قراءة المستقبل في رواية “أولاد الحاجة رتيبة” للروائي جواد الكاتب

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 31 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 3253
قراءة المستقبل في رواية “أولاد الحاجة رتيبة” للروائي جواد الكاتب

قراءة المستقبل في رواية “أولاد الحاجة رتيبة” للروائي جواد الكاتب
حين يتحول الماضي إلى مشروع لصناعة المستقبل

….

ما قبل النقد
ليست الرواية في جوهرها حكاية تروى عن زمن مضى فحسب، ولا هي استعادة للذاكرة بوصفها غاية بحد ذاتها، فالرواية الحقيقية تستطيع أن تنظر إلى ما وراء اللحظة الراهنة وأن تلتقط من تفاصيل الحاضر إشارات لما يمكن أن يكون عليه المستقبل. وهذا ما وجدته في عدد من روايات الروائي جواد الكاتب، التي شعرت وأنا أقرأها سابقاً بأنها تمتلك قدرة لافتة على استشراف المستقبل، ولا سيما في جوانبه السياسية والاجتماعية.
وفي روايته الجديدة “أولاد الحاجة رتيبة” يواصل الكاتب هذه القراءة وإن كان يلجأ في الفصول الأولى إلى مساحة من الفانتازيا التي تمنح العمل أجواءً غرائبية قبل أن تنفتح الرواية تدريجياً على أسئلة أكثر واقعية تتصل بالإنسان والمجتمع والسياسة، وبالعلاقة المعقدة بين الماضي والحاضر والمستقبل.
ولعل الفكرة الأكثر أهمية التي تطرحها الرواية أن المستقبل لا يأتي من فراغ، وإنما يتحدد إلى حد بعيد بما نتخذه اليوم من قرارات، وبما ننجزه أو نفسده في حاضرنا. ومن هنا تأتي قدرة الرواية على استشراف المستقبل ليس عبر النبوءات وإنما عبر قراءة دقيقة لما يحدث الآن.
ومن المشاهد اللافتة في الرواية ذلك الموقف الذي يستعيد فيه الراوي ذكريات طفولته مع أحد زملائه في المدرسة، والذي كان يسكن معه في الزقاق نفسه، ثم يكشف لنا بعد سنوات أن ذلك الطفل المذعور أصبح واحداً من أفراد حماية السلطة الحاكمة. يقول:
“كان المعلم يدرك أن لقبح وجهي يداً في أزمة زميلي، غير أن ما لم يدركه هو أن ذلك الطفل المذعور أصبح له اليوم شأن بين أفراد حماية سدة الحكم”.
إن هذا المشهد لا يكتفي بالمفارقة بين طفل خائف ومستقبل رجل ينتمي إلى منظومة حماية السلطة بل يكشف عن واحدة من آليات الكاتب في قراءة المستقبل: الأشخاص الذين نراهم اليوم في مواقع هامشية قد يصبحون غداً جزءاً من صناعة القرار والقوة، وأن تفاصيل تبدو عابرة في طفولتهم قد تكتسب دلالتها عندما نقرأها من المستقبل.
وفي مقابل ذلك تسلط الرواية الضوء على النفور من المستقبل، وعلى تشبث الشخصيات بالماضي والعادات والتقاليد، وكأن المجتمع عاجز عن مغادرة ذاكرته، حتى عندما تتغير الظروف السياسية والاجتماعية من حوله.
ويظهر ذلك بوضوح في الحوار المتعلق بالأنساب والهويات والانتماءات الدينية والطائفية، حين يقول أحد الشخصيات:
“إن ما سمعتموه من فضيلة الشيخ ليس غريباً على محلتنا، فهي منذ أن خلقت متعددة الأديان والطوائف، إلا أن ما أثار التساؤل حالياً هو لماذا أبقى داوود المطير على نسبه الآخر”.
ثم يتصاعد الجدل حول النسب والأصل والهوية، في إشارة إلى أن الماضي لا يزال قادراً على إعادة إنتاج نفسه داخل الحاضر، وأن ما كان الناس يخفونه خوفاً من النظام السابق قد يتحول في زمن جديد إلى وسيلة لإعلان الذات أو الحصول على مكانة اجتماعية.
لكن جواد الكاتب لا يكتفي بتشخيص التعلق بالماضي بل يذهب أبعد من ذلك، فيكشف كيف يمكن لبعض المظاهر والمعتقدات أن تتحول إلى أدوات لصناعة مستقبل مشوه، خصوصاً عندما تتدخل المصالح السياسية والمالية.
وهنا تأتي حكاية “شجرة العنب المباركة”، وهي من أكثر المقاطع دلالة على رؤية الكاتب. فبعد أن تنتشر الحكاية حول كرامات الشجرة، يبدأ أحد السياسيين المعروفين بالتفكير في استثمارها، عبر تخصيص الأموال لترميم البيت وتحويله إلى مقام وإقامة مسجد صغير وتقديم الذبائح والعطايا حتى يصبح المكان مشروعاً دينياً وسياحياً يدر الأموال.
ثم يصل الأمر إلى محاولة شراء البيت من صاحبه فيقول جبار وهو يرمي رزم النقود في حضن أبيه:
“خذ يا أبا جبار، هذه رزمة عوضاً عن بر الوالدين إحساناً، وهذه أخرى كفارة هم، ولا تقل لهما أف، وهذه ثالثة ورابعة عن قيمة هذا البيت”.
المفارقة هنا أن جبار، شارب الخمر، يتحول فجأة إلى مؤمن بكرامات الشجرة، لا لأن إيمانه تغير، بل لأن الشجرة أصبحت قادرة على جلب المال. وهكذا تتحول المقدسات إلى سلعة والمعتقد إلى مشروع استثماري وتتحول الخرافة إلى أداة سياسية واقتصادية.
وهذه واحدة من أخطر قراءات الرواية للمستقبل: فما نراه اليوم من استغلال للدين والمعتقدات والموروث الشعبي يمكن أن يتحول غداً إلى منظومة أكثر اتساعاً وتأثيراً إذا لم تتم مواجهته في الحاضر.
ومن هنا فإن استشراف المستقبل في “أولاد الحاجة رتيبة” لا يقوم على النبوءة بالمعنى التقليدي، ولا على ادعاء معرفة ما سيحدث، وإنما يقوم على تخيل مستقبل محتمل انطلاقاً من مقدماته الموجودة في الواقع. فالروائي يلتقط الظواهر الصغيرة والعادات الراسخة والتحولات السياسية والاجتماعية، ثم يضعها في سياق سردي يسمح لنا برؤية نتائجها المحتملة.
إن المستقبل، وفق هذه الرؤية، ليس قدراً مكتوباً بالكامل، وإنما هو نتيجة لما نفعله اليوم. وما يبدو تفصيلاً صغيراً في الحاضر قد يصبح بعد سنوات عاملاً أساسياً في تشكيل المجتمع والسياسة والوعي.
لهذا تبدو رواية “أولاد الحاجة رتيبة” جديرة بوقفات نقدية متعددة لأنها لا تقدم حكاية واحدة مغلقة بل تفتح أمام القارئ أبواباً عديدة للتأويل خصوصاً في علاقتها بالذاكرة والهوية والسياسة والمعتقد الشعبي، وبالسؤال الأهم: أي مستقبل نصنعه اليوم، ونحن نظن أننا لا نفعل سوى العيش في حاضرنا؟

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الانفلات السردي والميتاسرد في رواية «الإبحار إلى كالكوتا» للروائي والرحالة حسن البحار

الانفلات السردي والميتاسرد في رواية «الإبحار إلى كالكوتا» للروائي والرحالة حسن البحار

الورقة النقدية التي قدمت في جلسة عن رواية ( رحلة الى كالكوتا) للروائي “حسن البحار”…

صورة الكاتب حمدي العطار
8 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
القطار والفلوكة والوصية رواية زكية الحجي بين غواية المكان ومفارقة الزمن الرقمي

القطار والفلوكة والوصية رواية زكية الحجي بين غواية المكان ومفارقة الزمن الرقمي

القطار والفلوكة والوصية رواية زكية الحجي بين غواية المكان ومفارقة الزمن الرقمي مقدمة في مشهد…

صورة الكاتب حمدي العطار
25 يوليو 2026
اقرأ المزيد
بين بركات الجبل وسحر البحر… يومٌ آخر في ذاكرة باكو

بين بركات الجبل وسحر البحر… يومٌ آخر في ذاكرة باكو

بين بركات الجبل وسحر البحر… يومٌ آخر في ذاكرة باكو   ليست المدن شوارع ومبانٍ…

صورة الكاتب حمدي العطار
15 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


قراءة المستقبل في رواية “أولاد الحاجة رتيبة” للروائي جواد الكاتب

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 31 أغسطس 2026

التصنيف: النقد الأدبي

قراءة المستقبل في رواية “أولاد الحاجة رتيبة” للروائي جواد الكاتب
حين يتحول الماضي إلى مشروع لصناعة المستقبل

….

ما قبل النقد
ليست الرواية في جوهرها حكاية تروى عن زمن مضى فحسب، ولا هي استعادة للذاكرة بوصفها غاية بحد ذاتها، فالرواية الحقيقية تستطيع أن تنظر إلى ما وراء اللحظة الراهنة وأن تلتقط من تفاصيل الحاضر إشارات لما يمكن أن يكون عليه المستقبل. وهذا ما وجدته في عدد من روايات الروائي جواد الكاتب، التي شعرت وأنا أقرأها سابقاً بأنها تمتلك قدرة لافتة على استشراف المستقبل، ولا سيما في جوانبه السياسية والاجتماعية.
وفي روايته الجديدة “أولاد الحاجة رتيبة” يواصل الكاتب هذه القراءة وإن كان يلجأ في الفصول الأولى إلى مساحة من الفانتازيا التي تمنح العمل أجواءً غرائبية قبل أن تنفتح الرواية تدريجياً على أسئلة أكثر واقعية تتصل بالإنسان والمجتمع والسياسة، وبالعلاقة المعقدة بين الماضي والحاضر والمستقبل.
ولعل الفكرة الأكثر أهمية التي تطرحها الرواية أن المستقبل لا يأتي من فراغ، وإنما يتحدد إلى حد بعيد بما نتخذه اليوم من قرارات، وبما ننجزه أو نفسده في حاضرنا. ومن هنا تأتي قدرة الرواية على استشراف المستقبل ليس عبر النبوءات وإنما عبر قراءة دقيقة لما يحدث الآن.
ومن المشاهد اللافتة في الرواية ذلك الموقف الذي يستعيد فيه الراوي ذكريات طفولته مع أحد زملائه في المدرسة، والذي كان يسكن معه في الزقاق نفسه، ثم يكشف لنا بعد سنوات أن ذلك الطفل المذعور أصبح واحداً من أفراد حماية السلطة الحاكمة. يقول:
“كان المعلم يدرك أن لقبح وجهي يداً في أزمة زميلي، غير أن ما لم يدركه هو أن ذلك الطفل المذعور أصبح له اليوم شأن بين أفراد حماية سدة الحكم”.
إن هذا المشهد لا يكتفي بالمفارقة بين طفل خائف ومستقبل رجل ينتمي إلى منظومة حماية السلطة بل يكشف عن واحدة من آليات الكاتب في قراءة المستقبل: الأشخاص الذين نراهم اليوم في مواقع هامشية قد يصبحون غداً جزءاً من صناعة القرار والقوة، وأن تفاصيل تبدو عابرة في طفولتهم قد تكتسب دلالتها عندما نقرأها من المستقبل.
وفي مقابل ذلك تسلط الرواية الضوء على النفور من المستقبل، وعلى تشبث الشخصيات بالماضي والعادات والتقاليد، وكأن المجتمع عاجز عن مغادرة ذاكرته، حتى عندما تتغير الظروف السياسية والاجتماعية من حوله.
ويظهر ذلك بوضوح في الحوار المتعلق بالأنساب والهويات والانتماءات الدينية والطائفية، حين يقول أحد الشخصيات:
“إن ما سمعتموه من فضيلة الشيخ ليس غريباً على محلتنا، فهي منذ أن خلقت متعددة الأديان والطوائف، إلا أن ما أثار التساؤل حالياً هو لماذا أبقى داوود المطير على نسبه الآخر”.
ثم يتصاعد الجدل حول النسب والأصل والهوية، في إشارة إلى أن الماضي لا يزال قادراً على إعادة إنتاج نفسه داخل الحاضر، وأن ما كان الناس يخفونه خوفاً من النظام السابق قد يتحول في زمن جديد إلى وسيلة لإعلان الذات أو الحصول على مكانة اجتماعية.
لكن جواد الكاتب لا يكتفي بتشخيص التعلق بالماضي بل يذهب أبعد من ذلك، فيكشف كيف يمكن لبعض المظاهر والمعتقدات أن تتحول إلى أدوات لصناعة مستقبل مشوه، خصوصاً عندما تتدخل المصالح السياسية والمالية.
وهنا تأتي حكاية “شجرة العنب المباركة”، وهي من أكثر المقاطع دلالة على رؤية الكاتب. فبعد أن تنتشر الحكاية حول كرامات الشجرة، يبدأ أحد السياسيين المعروفين بالتفكير في استثمارها، عبر تخصيص الأموال لترميم البيت وتحويله إلى مقام وإقامة مسجد صغير وتقديم الذبائح والعطايا حتى يصبح المكان مشروعاً دينياً وسياحياً يدر الأموال.
ثم يصل الأمر إلى محاولة شراء البيت من صاحبه فيقول جبار وهو يرمي رزم النقود في حضن أبيه:
“خذ يا أبا جبار، هذه رزمة عوضاً عن بر الوالدين إحساناً، وهذه أخرى كفارة هم، ولا تقل لهما أف، وهذه ثالثة ورابعة عن قيمة هذا البيت”.
المفارقة هنا أن جبار، شارب الخمر، يتحول فجأة إلى مؤمن بكرامات الشجرة، لا لأن إيمانه تغير، بل لأن الشجرة أصبحت قادرة على جلب المال. وهكذا تتحول المقدسات إلى سلعة والمعتقد إلى مشروع استثماري وتتحول الخرافة إلى أداة سياسية واقتصادية.
وهذه واحدة من أخطر قراءات الرواية للمستقبل: فما نراه اليوم من استغلال للدين والمعتقدات والموروث الشعبي يمكن أن يتحول غداً إلى منظومة أكثر اتساعاً وتأثيراً إذا لم تتم مواجهته في الحاضر.
ومن هنا فإن استشراف المستقبل في “أولاد الحاجة رتيبة” لا يقوم على النبوءة بالمعنى التقليدي، ولا على ادعاء معرفة ما سيحدث، وإنما يقوم على تخيل مستقبل محتمل انطلاقاً من مقدماته الموجودة في الواقع. فالروائي يلتقط الظواهر الصغيرة والعادات الراسخة والتحولات السياسية والاجتماعية، ثم يضعها في سياق سردي يسمح لنا برؤية نتائجها المحتملة.
إن المستقبل، وفق هذه الرؤية، ليس قدراً مكتوباً بالكامل، وإنما هو نتيجة لما نفعله اليوم. وما يبدو تفصيلاً صغيراً في الحاضر قد يصبح بعد سنوات عاملاً أساسياً في تشكيل المجتمع والسياسة والوعي.
لهذا تبدو رواية “أولاد الحاجة رتيبة” جديرة بوقفات نقدية متعددة لأنها لا تقدم حكاية واحدة مغلقة بل تفتح أمام القارئ أبواباً عديدة للتأويل خصوصاً في علاقتها بالذاكرة والهوية والسياسة والمعتقد الشعبي، وبالسؤال الأهم: أي مستقبل نصنعه اليوم، ونحن نظن أننا لا نفعل سوى العيش في حاضرنا؟