قصتان

صورة الكاتب
بقلم: سلوان إحسان
التاريخ: 1 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3436
قصتان

1- غياب

لثلاثة أيام متواصلة، أُسقِطَت ميساء من جغرافية المكان. لم أجرؤ على سؤال أحد؛ فالأسئلةُ اعترافٌ صريحٌ بالهشاشة، وأنا فضّلتُ أن أربطَ غيابها بإيقاع الجامعة.
كنتُ أجلسُ في المقعدِ الزاويّ للكافتيريا الضيقة، المتموضعة كالمرصد تماماً قبالة البوابة التي تشهدُ اعترافاتها الدائرية كل صباح. عينايَ المنهمكتان كانتا تغوصان في سيول الطلبة النازلين من جوف حافلة النقل اليومي؛ تلك الحافلة التي تجرُّ معها روائح الدور البعيدة وأحلاماً لم تكتمل بعد. تنزلُ الفتياتُ كأوراقٍ يابسة تسقطُ واحدةً تلو الأخرى، وفي نهاية المطاف، تطلُّ صديقتها مريمُ. تحطُّ نظراتها عليّ، تقفُ قبالتي مباشرةً، ساكنةً، منتظرةً أن أتحللَ من غروري وأسألها عن الغائبة. لكنني ألوذُ بالصمت، وأتركُ فراغَ السؤالِ ينهشُ المسافة بيننا.
في اليوم الرابع، وحين كانت شمسُ تشرين الثاني تتوسطُ السماءَ بثقلها البارد والمجوف، رأيتها. كانت تقفُ تحتَ حديدِ مظلةِ الانتظار المقفرة.
في تلك اللحظة بالذات، استعادَ قلبي إيقاعه الجنيني، ونبضَ بضراوة. هرولتُ نحوها، لكن كلما زدتُ من سرعتي، ثَقُلَت قدمايَ وكأن الأرضَ تحولت إلى مادةٍ زئبقية تشدّني إلى القاع. بدأت عقاربُ الساعة تتصرفُ بريبة؛ تحولت إلى نظام توقيتٍ ضوئيّ مرعب، تحسبُ اللحظاتِ بسنين ضوئية ثقيلة يمتد فيها الزمن بطريقةٍ أينشتاينية قاتلة.
وعندما وصلتُ أخيراً وصرتُ على قيد خطواتٍ من المظلة، شقّت الحافلةُ الفضاءَ بيننا كالجسد الحديدي الغريب، ووقفت قاطعةً مجرى رؤيتي. صعدتْ هي بسرعة. وفي الكسرِ الأخيرِ من اللحظة، نظرتْ إليَّ من خلف الزجاج المعتم لمقعدها، ورفعت يدها لتوميَ لي بإصبعٍ واحد… إصبعٍ كان مخنوقاً بخاتمٍ ذهبيٍّ جديد يلمعُ كإشارةِ حسمٍ لا ترحم.
في تلك اللحظة الصامتة، وتحت شمس تشرين المنكسرة، فهمتُ أسبابَ غيابها الطويل؛ كان غياباً لا يُقاسُ بالأيام، بل بسنواتٍ ضوئيةٍ من الفقد.

……………..

2- سؤالٌ معلّق
رنّ الهاتفُ النقّال. ارتفعَ صوته حاداً ومفاجئاً ليقطعَ الصمت المطبق في غرفة مكتبي، تلك التي تحولت إلى مشهدِ خرابٍ مصغّر، تراكمت فيه أوراقُ العمل والتقارير اليومية كطبقاتٍ من التاريخ المنسي الذي لا يحفل به أحد.
وكعادتي في كل صباح، حين تلامسُ العقاربُ العاشرة، أفرُّ من هذا الحصار الأكاديمي والورقي نحو الكافتيريا. أهربُ لأمارسَ طقسي الأثير: أعبئُ رئتيَّ المجهدتين بدخانِ سيجارةٍ يحترقُ معها الوقت، وأحتسي كوباً من الشاي الساخن الذي يتصاعدُ بخاره ليرسمَ خيالاتٍ تتلاشى في الهواء.
لكنّ نغمةَ النقال الشاذة كانت قد أربكت رتابةَ المكان وأزعجت الزملاء الغارقين في صمتهم. لم يطل بي المهرب؛ إذ لحق بي “أحمد”، ملتحفاً بوجهٍ مكفهرٍ يُفصح عن ضيقه من ذلك الصخب المفاجئ، بينما كان هاتفي يواصلُ صراخه المعدني بين يديه. أخذتُ منه الجهازَ وشكرته بنبرةٍ خفيضة، وما إن استقرّ بين أناملي حتى انقطع الصراخ فجأة، وكأن الآلةَ أدركت أنها وصلت إلى وجهتها.
على الشاشة الشاحبة، أضاءت لافتةٌ صغيرة تعلن عن وصول رسالةٍ نصيةٍ قصيرة. فتحتها بأصابع مترددة، لتقرأ عيناي جملةً واحدةً مكثفة، تجسد كل هذا الامتداد من الغياب والانتظار:
“أنا ميساء… هل أنت بخير؟”

 

عن الکاتب / الکاتبة

سلوان إحسان
سلوان إحسان
قاص . ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

 مطر

 مطر

 مطر الكافتيريا ضيقةٌ كحُجرةِ انتظارٍ قديمة، تُحاصرنا بجدرانها وتلفظُ الزحامَ إلى الخارج ، حيث يتراكضُ…

صورة الكاتب سلوان إحسان
24 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


قصتان

بقلم: سلوان إحسان | التاريخ: 1 سبتمبر 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

1- غياب

لثلاثة أيام متواصلة، أُسقِطَت ميساء من جغرافية المكان. لم أجرؤ على سؤال أحد؛ فالأسئلةُ اعترافٌ صريحٌ بالهشاشة، وأنا فضّلتُ أن أربطَ غيابها بإيقاع الجامعة.
كنتُ أجلسُ في المقعدِ الزاويّ للكافتيريا الضيقة، المتموضعة كالمرصد تماماً قبالة البوابة التي تشهدُ اعترافاتها الدائرية كل صباح. عينايَ المنهمكتان كانتا تغوصان في سيول الطلبة النازلين من جوف حافلة النقل اليومي؛ تلك الحافلة التي تجرُّ معها روائح الدور البعيدة وأحلاماً لم تكتمل بعد. تنزلُ الفتياتُ كأوراقٍ يابسة تسقطُ واحدةً تلو الأخرى، وفي نهاية المطاف، تطلُّ صديقتها مريمُ. تحطُّ نظراتها عليّ، تقفُ قبالتي مباشرةً، ساكنةً، منتظرةً أن أتحللَ من غروري وأسألها عن الغائبة. لكنني ألوذُ بالصمت، وأتركُ فراغَ السؤالِ ينهشُ المسافة بيننا.
في اليوم الرابع، وحين كانت شمسُ تشرين الثاني تتوسطُ السماءَ بثقلها البارد والمجوف، رأيتها. كانت تقفُ تحتَ حديدِ مظلةِ الانتظار المقفرة.
في تلك اللحظة بالذات، استعادَ قلبي إيقاعه الجنيني، ونبضَ بضراوة. هرولتُ نحوها، لكن كلما زدتُ من سرعتي، ثَقُلَت قدمايَ وكأن الأرضَ تحولت إلى مادةٍ زئبقية تشدّني إلى القاع. بدأت عقاربُ الساعة تتصرفُ بريبة؛ تحولت إلى نظام توقيتٍ ضوئيّ مرعب، تحسبُ اللحظاتِ بسنين ضوئية ثقيلة يمتد فيها الزمن بطريقةٍ أينشتاينية قاتلة.
وعندما وصلتُ أخيراً وصرتُ على قيد خطواتٍ من المظلة، شقّت الحافلةُ الفضاءَ بيننا كالجسد الحديدي الغريب، ووقفت قاطعةً مجرى رؤيتي. صعدتْ هي بسرعة. وفي الكسرِ الأخيرِ من اللحظة، نظرتْ إليَّ من خلف الزجاج المعتم لمقعدها، ورفعت يدها لتوميَ لي بإصبعٍ واحد… إصبعٍ كان مخنوقاً بخاتمٍ ذهبيٍّ جديد يلمعُ كإشارةِ حسمٍ لا ترحم.
في تلك اللحظة الصامتة، وتحت شمس تشرين المنكسرة، فهمتُ أسبابَ غيابها الطويل؛ كان غياباً لا يُقاسُ بالأيام، بل بسنواتٍ ضوئيةٍ من الفقد.

……………..

2- سؤالٌ معلّق
رنّ الهاتفُ النقّال. ارتفعَ صوته حاداً ومفاجئاً ليقطعَ الصمت المطبق في غرفة مكتبي، تلك التي تحولت إلى مشهدِ خرابٍ مصغّر، تراكمت فيه أوراقُ العمل والتقارير اليومية كطبقاتٍ من التاريخ المنسي الذي لا يحفل به أحد.
وكعادتي في كل صباح، حين تلامسُ العقاربُ العاشرة، أفرُّ من هذا الحصار الأكاديمي والورقي نحو الكافتيريا. أهربُ لأمارسَ طقسي الأثير: أعبئُ رئتيَّ المجهدتين بدخانِ سيجارةٍ يحترقُ معها الوقت، وأحتسي كوباً من الشاي الساخن الذي يتصاعدُ بخاره ليرسمَ خيالاتٍ تتلاشى في الهواء.
لكنّ نغمةَ النقال الشاذة كانت قد أربكت رتابةَ المكان وأزعجت الزملاء الغارقين في صمتهم. لم يطل بي المهرب؛ إذ لحق بي “أحمد”، ملتحفاً بوجهٍ مكفهرٍ يُفصح عن ضيقه من ذلك الصخب المفاجئ، بينما كان هاتفي يواصلُ صراخه المعدني بين يديه. أخذتُ منه الجهازَ وشكرته بنبرةٍ خفيضة، وما إن استقرّ بين أناملي حتى انقطع الصراخ فجأة، وكأن الآلةَ أدركت أنها وصلت إلى وجهتها.
على الشاشة الشاحبة، أضاءت لافتةٌ صغيرة تعلن عن وصول رسالةٍ نصيةٍ قصيرة. فتحتها بأصابع مترددة، لتقرأ عيناي جملةً واحدةً مكثفة، تجسد كل هذا الامتداد من الغياب والانتظار:
“أنا ميساء… هل أنت بخير؟”