التقيتُها ذاتَ يوم
وكانت تضعُ قطعةَ قماشٍ سوداء
على صدرِها
كأنها تحملُ حزنَها بيديها
وكأنَّ قلبَها الصغير
أكبرُ من أن يحتملَ غيابَ العندليب
كانت دموعُها
كالدررِ تتساقطُ على خدِّها الأسمر
فتزيدُ ذلك الوجهَ البريءَ
ضياءً وجمالًا
كانت تبكي…
لا كمن فقدَ مطربًا فحسب
بل كأنَّ حلمًا من أحلامِ صباها
قد رحلَ إلى الأبد
وكأنَّ شيئًا ثمينًا
اقتُلعَ من أعماقِها
ومزَّقَ أحشاءَها
نَظرتْ إليَّ بعينينِ غارقتينِ بالدمع
وقالت بصوتٍ مكسور…
عدنان… ماتَ عبدُ الحليم
توقفتُ أمامَ حزنِها
وأحسستُ أنني لا أملكُ سوى
أن أشاركَها وجعَها
فأنا أيضًا
كنتُ حزينًا على رحيلِ العندليب
ذلك الذي كان يغني
لقلوبِنا الصغيرة
ويضعُ الحبَّ في أفواهِنا
قبل أن نعرفَ كيف نحب
حاولتُ أن أهدِّئها
فقالت وهي تمسحُ دموعَها…
وكيف تريدُ منّي أن أهدأ
ثم أطلقت عبارتها العفوية
(إصوّر المنظر)
فالتفتُّ يمينًا ويسارًا
أبحثُ عن المنظر
نظرتْ إليَّ بأستغراب… وقالت…
ماذا تفعل
قلتُ لها
أبحثُ عن المنظر
قالت
أيُّ منظر
قلتُ
يا هذه… أنتِ قلتِ (إصوّر المنظر)
فضحكتْ…
وخرجت من بين دموعِها
ابتسامةٌ تشبهُ شمسًا صغيرة
أشرقتْ فجأةً في سماءِ الحزن
وقالت…
يا لطيبةِ قلبِك…
هذا أسلوبي بالكلام
ضحكنا…
ويا لها من ضحكة…
ضحكةٌ أعادتنا للحظة
إلى أيامِ الصبا
حين كانت الكلماتُ بريئة
والقلوبُ لا تعرفُ الخبث
والحزنُ نفسه
كان يجدُ طريقًا إلى الابتسامة
سرنا معًا…
وكانت ابتسامتُنا
تقودُ خطانا
نظرتُ صوبَها
فلم أرَ تلك الفتاةَ الحزينة
التي كانت قبل قليل
تغرقُ في دموعِها…
رأيتُ وجهًا
يفيضُ جمالًا وبهجة
وعينينِ عاد إليهما الضوء
وقلبًا ما زال يحتفظُ
بطفولةٍ لم تستطعِ الأيامُ أن تسرقَها
كانت من أولئك الذين
لا يحتاجون إلى زينةٍ كي يكونوا جميلين
فجمالُهم في أرواحِهم
وفي عفويتِهم
وفي صدقِ مشاعرِهم
كانت نبيلةَ الحزن
صادقةَ الفرح
طيبةَ القلب
نقيّةَ السريرة
لا تعرفُ التصنّع
ولا تجيدُ ارتداءَ الأقنعة
وكانت براءتُها
أجملَ ما فيها…
تلك البراءةُ التي تجعلُ الإنسانَ
يقول ما يشعرُ به
ويضحكُ حين يفرح
ويبكي حين يتألم
ويحبُّ دون حساب
يا فتاةَ الأمس…
كم كان شبابُنا جميلًا
حين كانت أغنيةٌ واحدة
تجمعُنا
وحين كان صوتُ عبدِ الحليم
يوقظُ فينا أحلامَ الحب
وحين كانت دمعةٌ على خدِّ فتاة
تستطيعُ أن تختصرَ
حكايةَ عمرٍ كامل
لم نكن نملكُ يومها
كثرةَ الأشياء…
لكننا كنا نملكُ
قلوبًا عامرةً بالأحلام
كنا نحبُّ ببساطة
ونحزنُ ببساطة
ونفرحُ من كلمة
ونضحكُ من موقفٍ صغير
ثم نعودُ إلى بيوتنا
ونحملُ تلك اللحظات
في ذاكرتِنا سنواتٍ طويلة
واليوم…
كلما مرَّ طيفُ تلك الحكاية
عادَ وجهُها إلى ذاكرتي
وعادت دموعُها
وعادت ضحكتُها
وعادت عبارتها العفوية
(إصوّر المنظر)
فأبتسم…
وأقولُ في سرّي
ما أجملَ أولئك الذين
تركوا في أرواحِنا ذكرى
لا تشيخ
سلامٌ على قلبِها
يوم حزنَ على عبدِ الحليم…
وسلامٌ على روحِها
يوم أشرقتْ ابتسامتها
من بين الدموع…
وسلامٌ على براءتِها
التي لم تُفسدْها الأيام…
وسلامٌ على صدقِها
وعفويتِها
ونبلِ مشاعرِها…
وسلامٌ على اسمِها
أينما حلَّت
وأينما كانت
وأينما أخذتها الحياة…
فبعضُ الوجوهِ
لا تغادرُ الذاكرة
وبعضُ النساءِ
لا يبقينَ في الذاكرةِ
كأسماء…
بل يبقينَ
كقطعةٍ جميلة
من شبابِنا
ماتَ حليم…
لكنَّ تلك الذكرى لم تمت
وحَفِظَ اللهُ اسمها .
“ماتَ حليم… وحَفِظَ اللهُ اسمَها”
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
“ماتَ حليم… وحَفِظَ اللهُ اسمَها”
التقيتُها ذاتَ يوم
وكانت تضعُ قطعةَ قماشٍ سوداء
على صدرِها
كأنها تحملُ حزنَها بيديها
وكأنَّ قلبَها الصغير
أكبرُ من أن يحتملَ غيابَ العندليب
كانت دموعُها
كالدررِ تتساقطُ على خدِّها الأسمر
فتزيدُ ذلك الوجهَ البريءَ
ضياءً وجمالًا
كانت تبكي…
لا كمن فقدَ مطربًا فحسب
بل كأنَّ حلمًا من أحلامِ صباها
قد رحلَ إلى الأبد
وكأنَّ شيئًا ثمينًا
اقتُلعَ من أعماقِها
ومزَّقَ أحشاءَها
نَظرتْ إليَّ بعينينِ غارقتينِ بالدمع
وقالت بصوتٍ مكسور…
عدنان… ماتَ عبدُ الحليم
توقفتُ أمامَ حزنِها
وأحسستُ أنني لا أملكُ سوى
أن أشاركَها وجعَها
فأنا أيضًا
كنتُ حزينًا على رحيلِ العندليب
ذلك الذي كان يغني
لقلوبِنا الصغيرة
ويضعُ الحبَّ في أفواهِنا
قبل أن نعرفَ كيف نحب
حاولتُ أن أهدِّئها
فقالت وهي تمسحُ دموعَها…
وكيف تريدُ منّي أن أهدأ
ثم أطلقت عبارتها العفوية
(إصوّر المنظر)
فالتفتُّ يمينًا ويسارًا
أبحثُ عن المنظر
نظرتْ إليَّ بأستغراب… وقالت…
ماذا تفعل
قلتُ لها
أبحثُ عن المنظر
قالت
أيُّ منظر
قلتُ
يا هذه… أنتِ قلتِ (إصوّر المنظر)
فضحكتْ…
وخرجت من بين دموعِها
ابتسامةٌ تشبهُ شمسًا صغيرة
أشرقتْ فجأةً في سماءِ الحزن
وقالت…
يا لطيبةِ قلبِك…
هذا أسلوبي بالكلام
ضحكنا…
ويا لها من ضحكة…
ضحكةٌ أعادتنا للحظة
إلى أيامِ الصبا
حين كانت الكلماتُ بريئة
والقلوبُ لا تعرفُ الخبث
والحزنُ نفسه
كان يجدُ طريقًا إلى الابتسامة
سرنا معًا…
وكانت ابتسامتُنا
تقودُ خطانا
نظرتُ صوبَها
فلم أرَ تلك الفتاةَ الحزينة
التي كانت قبل قليل
تغرقُ في دموعِها…
رأيتُ وجهًا
يفيضُ جمالًا وبهجة
وعينينِ عاد إليهما الضوء
وقلبًا ما زال يحتفظُ
بطفولةٍ لم تستطعِ الأيامُ أن تسرقَها
كانت من أولئك الذين
لا يحتاجون إلى زينةٍ كي يكونوا جميلين
فجمالُهم في أرواحِهم
وفي عفويتِهم
وفي صدقِ مشاعرِهم
كانت نبيلةَ الحزن
صادقةَ الفرح
طيبةَ القلب
نقيّةَ السريرة
لا تعرفُ التصنّع
ولا تجيدُ ارتداءَ الأقنعة
وكانت براءتُها
أجملَ ما فيها…
تلك البراءةُ التي تجعلُ الإنسانَ
يقول ما يشعرُ به
ويضحكُ حين يفرح
ويبكي حين يتألم
ويحبُّ دون حساب
يا فتاةَ الأمس…
كم كان شبابُنا جميلًا
حين كانت أغنيةٌ واحدة
تجمعُنا
وحين كان صوتُ عبدِ الحليم
يوقظُ فينا أحلامَ الحب
وحين كانت دمعةٌ على خدِّ فتاة
تستطيعُ أن تختصرَ
حكايةَ عمرٍ كامل
لم نكن نملكُ يومها
كثرةَ الأشياء…
لكننا كنا نملكُ
قلوبًا عامرةً بالأحلام
كنا نحبُّ ببساطة
ونحزنُ ببساطة
ونفرحُ من كلمة
ونضحكُ من موقفٍ صغير
ثم نعودُ إلى بيوتنا
ونحملُ تلك اللحظات
في ذاكرتِنا سنواتٍ طويلة
واليوم…
كلما مرَّ طيفُ تلك الحكاية
عادَ وجهُها إلى ذاكرتي
وعادت دموعُها
وعادت ضحكتُها
وعادت عبارتها العفوية
(إصوّر المنظر)
فأبتسم…
وأقولُ في سرّي
ما أجملَ أولئك الذين
تركوا في أرواحِنا ذكرى
لا تشيخ
سلامٌ على قلبِها
يوم حزنَ على عبدِ الحليم…
وسلامٌ على روحِها
يوم أشرقتْ ابتسامتها
من بين الدموع…
وسلامٌ على براءتِها
التي لم تُفسدْها الأيام…
وسلامٌ على صدقِها
وعفويتِها
ونبلِ مشاعرِها…
وسلامٌ على اسمِها
أينما حلَّت
وأينما كانت
وأينما أخذتها الحياة…
فبعضُ الوجوهِ
لا تغادرُ الذاكرة
وبعضُ النساءِ
لا يبقينَ في الذاكرةِ
كأسماء…
بل يبقينَ
كقطعةٍ جميلة
من شبابِنا
ماتَ حليم…
لكنَّ تلك الذكرى لم تمت
وحَفِظَ اللهُ اسمها .
د. ثائرة اكرم العكيدي
عدنان الجمیلي
شاهر خضرة
التعليقات