جزاء الإحسان

صورة الكاتب
بقلم: داود سلمان عجاج
التاريخ: 20 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3525
جزاء الإحسان

كان صباحاً شتائياً بارداً حين دخل مدير الحسابات إلى مبنى الشركة. إذ كانت الساعة تقترب من الثامنة، والضباب الخفيف يعلّق خيوطه بين أبنية الشركة والحي السكني القريب من مكان العمل، بينما كانت السيارات تسير ببطء في الشارع كأن الجميع يخاف من شيء لا يعرف اسمه.
في الطابق الأول، حيث تقع دائرة الحسابات، جلس خلف مكتبه، يقلب ملفات الموظفين واحدة تلو الأخرى. كان يحب الأرقام؛ فهي في رأيه كما هو، أكثر صدقاً من أغلب البشر. فالرقم لا يجامل، ولا يبتسم وفي داخله شيء آخر، ولا يقول شيئاً ثم ينكره بعد أيام. ومع ذلك، كان نفسه يعيش على النقيض من هذه الفكرة. حيث كان يثق بالناس، أو هكذا كان يظن.
دخل أحد الموظفين الغرفة متردداً. كان وجهه شاحباً، وجسده قد فقد شيئاً من امتلائه، حتى بدا معطفه الفضفاض أكبر من جسده.
رفع مدير الحسابات رأسه.
– تفضل، ماذا هناك؟
ظل سالم واقفاً للحظات، ثم قال:
– أحتاج إلى مساعدتك.
أشار إليه بالجلوس.
– اجلس.
جلس سالم، لكنه لم يرفع عينيه.
– الطبيب طلب مني أن أراجع المشفى مرة أخرى، وهناك فحوصات وأدوية، وأنا… توقف صوته.
فهم مدير الحسابات قبل أن يكمل. كان يعرف بمرضه واصابته بالسرطان، لكنه لم يكن يعرف أن الأمور وصلت إلى هذا الحد، لذا اقترب منه قليلاً:
– كم تحتاج؟
رفع سالم عينيه، وكأن السؤال فاجأه.
– أحتاج مبلغاً كسلفة من الشركة، وسأتحمل خصمها من راتبي.
فتح مدير الحسابات درج مكتبه، ثم أغلقه. توقف، كان يعرف التعليمات جيداً. فالسلفة تحتاج إلى موافقة مدير الشركة، والإجراءات واضحة، والصلاحيات أكثر وضوحاً. لذا قال في نفسه:
– هذه ليست مسألة عاطفة. أنت محاسب، وعليك أن تلتزم.
ثم نظر إلى سالم. كان أمامه رجل مريض، لا ملفاً. عاد الصوت في داخله:
– وماذا لو انتظرت الموافقة؟ يوم؟ يومين؟ أسبوعاً؟ وماذا لو كان موعد علاجه اليوم؟
سأل سالم:
– متى موعد مراجعتك؟
– اليوم مساءً.
ظل مدير الحسابات صامتاً. ثم فتح الصندوق، أخرج المبلغ ووضعه أمامه.
– خذه.
حدق سالم في المال، ثم في وجه مدير الحسابات.
– لكن الموافقة…
قاطعه:
– موضوعها عائداً لي.
ظل سالم ساكناً، وكأنه يخشى أن يمد يده.
– اعتبرها ديناً عليّ.
هز المدير رأسه.
– أنت موظفنا، سأعتبرها سلفة تستقطع من رواتبك تباعاً.
مد سالم يده وأخذ المال، وقبل أن يخرج، التفت إليه:
– لن أنسى هذا الجميل.
ابتسم.
– لا أريد منك أن تتذكره.
خرج سالم. وبقي مدير الحسابات وحده. نظر إلى الباب المغلق، ثم قال في سره:
– ربما أخطأت.
سكت قليلاً.
– لكن هل الخطأ أن أنقذ إنساناً، أم أن أتركه ينتظر توقيعاً بينما المرض لا ينتظر؟
عاد إلى ملفاته، ولم يفكر في الأمر بعد ذلك.
مرت أياماً قليلة لا أكثر، راجع فيها سالم الأطباء في أربيل، ثم عاد. أما مدير الحسابات فقد انشغل بعمله الروتيني، حتى جاءه اتصال من مكتب المدير العام.
– السيد المدير يريدك في مكتبه.
كان الصوت مختلفاً لا كما عهده سابقاً، لذا نهض مدير الحسابات، وخرج من مكتبه، ثم دخل مكتب المدير العالم. رفع الأخير عينيه من فوق الورقة الموضوعة أمامه.
– هل منحتَ سالم سلفة دون الموافقات الأصولية؟
شعر بشيء بارد يمر في داخله.
– نعم.
– لماذا؟
أجاب ببساطة:
– كان بحاجة إليها للعلاج.
صمت المدير قليلاً. ثم قال:
– هل تعرف أنك تجاوزت صلاحياتك؟
– أعرف.
دفع المدير الورقة نحوه.
– هناك شكوى ضدك.
نظر مدير الحسابات إلى الورقة. قرأ الاسم، سالم. لم يقرأ بقية السطور، بقيت عيناه معلقتين بالاسم: سالم؟ عاد المشهد إلى رأسه: المعطف الفضفاض، الوجه الشاحب، الصوت المتردد، المال الموضوع أمامه، ثم الجملة: لن أنسى هذا الجميل. خفض الورقة.
قال المدير العام:
– هل لديك ما تقوله؟
ظل مدير الحسابات صامتاً، إذ كان داخله يعج بأسئلة كثيرة: لماذا؟ هل كان يريد أن أتركه يموت خلف الإجراءات؟ هل كنت ساذجاً إلى هذا الحد؟
ثم جاءه صوت آخر من أعماقه:
– ربما لم يكن ممتناً أصلاً.
ثم أجابه صوت ثالث:
– ولماذا، هل كنت تنتظر منه الامتنان؟
صمت.
– لأنك إنسان، والإنسان حين يعطي، يتمنى ألا يُطعن باليد نفسها.
رفع مدير الحسابات رأسه. كان المدير العام ينتظر، ثم قال:
– نعم، تجاوزت الصلاحيات.
استغرب المدير هدوءه.
– وهذا كل شيء؟
هز مدير الحسابات رأسه.
– ماذا تريدني أن أقول؟
– هناك شكوى، وقد تُتخذ بحقك إجراءات.
نظر مدير الحسابات مرة أخرى إلى اسم سالم، ثم قال:
– إنه موظفنا.
توقف قليلاً.
– وحريّ بنا أن نقف معه.
ساد الصمت في المكتب. نظر المدير العام إليه طويلاً، وكأنه يحاول أن يفهم الرجل الذي يجلس أمامه. أما هو فكان قد حسم أمره، لم يعد يفكر في الشكوى، كان يفكر في شيء آخر: هل يتغير الإنسان حين يُساء إليه؟
ثم أجاب نفسه:
– ربما.
– وهل ينبغي أن أتعلم القسوة لأن أحدهم لم يعرف معنى الرحمة؟
لم يجد جواباً. في طريق عودته إلى مكتبه، مرّ بالقرب من النافذة المطلة على الشارع. كان المطر قد بدأ يهطل، رأى الموظفين يركضون بحثاً عن مأوى. توقف لحظة، تذكر سالم، وتذكر يده وهي تمتد بالمال، ثم تذكر الورقة. ابتسم ابتسامة خفيفة، لا فرح فيها ولا حزن.
وقال في سره:
– لم أخسر شيئاً.
ثم صحح لنفسه:
– بل خسرت شيئاً واحداً، ظني.
عاد إلى مكتبه، جلس أمام الأرقام من جديد. كان كل شيء في مكانه: الملفات، الأوراق، الآلة الحاسبة، الصندوق. لكن شيئاً واحداً لم يعد كما كان، قلبه. لم يصبح أسود، ولم يتعلم الشك. فقط صار يعرف أن الإحسان ليس عقداً يضمن الوفاء، وأن اليد التي تمتد لإنقاذ إنسان قد تعود إليه يوماً لتشير إليه.
ومع ذلك، حين جاء موظف آخر في نهاية الدوام، يطلب مساعدة صغيرة لأمر طارئ، رفع مدير الحسابات رأسه. نظر إليه، ثم إلى الصندوق. تردد للحظة، كان صوت قديم في داخله يقول:
– احذر.
لكن صوتاً أعمق قال:
– افعل ما كنت ستفعله كأنك لم تعرف ما حدث.
لذا فتح الصندوق، وأخرج المال. وحين مدّه إلى الموظف، ابتسم. لم يكن ينتظر شكراً، ولم يعد يسأل نفسه عن الجزاء. فقد فهم أخيراً أن بعض الناس يفعلون الخير لأنهم ينتظرون مقابله، بينما هناك آخرون يفعلونه لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا غير ذلك.

وفي طريقه إلى البيت، كان المطر يزداد. رفع مدير الحسابات ياقة معطفه، ومشى وحده تحت المطر. وفجأة، خطر له السؤال القديم: ما جزاء الإحسان؟
ابتسم. هذه المرة لم يبحث عن إجابة، فربما كان جزاء الإحسان الحقيقي، أن يبقى الإنسان قادراً على الإحسان، حتى بعد أن يتعلم كيف يمكن للآخرين أن يؤذوه.

عن الکاتب / الکاتبة

داود سلمان عجاج
داود سلمان عجاج
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

ما بين جناح الحر وأسراب الزرازير في قصة وادي الجُفر للكاتب خميس علاوي الجميلي

ما بين جناح الحر وأسراب الزرازير في قصة وادي الجُفر للكاتب خميس علاوي الجميلي

ما بين جناح الحر وأسراب الزرازير في قصة وادي الجُفر للكاتب خميس علاوي الجميلي  …

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
16 سبتمبر 2026
اقرأ المزيد
الطريق الذي لا يصفق له أحد

الطريق الذي لا يصفق له أحد

لم يكن يعرف لماذا اختار الصدق، أو لعلّه كان يعرف، لكنه لم يكن يجرؤ على…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
13 سبتمبر 2026
اقرأ المزيد
لهيب الصمت

لهيب الصمت

  آه… من سيرِ رماد الذكريات، آه… من لهيب الصمت الطويل، آه… من أشواك الأحزان…

صورة الكاتب داود سلمان عجاج
5 سبتمبر 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جزاء الإحسان

بقلم: داود سلمان عجاج | التاريخ: 20 سبتمبر 2026

التصنيف: قصة قصيرة و قصيرة جدا

كان صباحاً شتائياً بارداً حين دخل مدير الحسابات إلى مبنى الشركة. إذ كانت الساعة تقترب من الثامنة، والضباب الخفيف يعلّق خيوطه بين أبنية الشركة والحي السكني القريب من مكان العمل، بينما كانت السيارات تسير ببطء في الشارع كأن الجميع يخاف من شيء لا يعرف اسمه.
في الطابق الأول، حيث تقع دائرة الحسابات، جلس خلف مكتبه، يقلب ملفات الموظفين واحدة تلو الأخرى. كان يحب الأرقام؛ فهي في رأيه كما هو، أكثر صدقاً من أغلب البشر. فالرقم لا يجامل، ولا يبتسم وفي داخله شيء آخر، ولا يقول شيئاً ثم ينكره بعد أيام. ومع ذلك، كان نفسه يعيش على النقيض من هذه الفكرة. حيث كان يثق بالناس، أو هكذا كان يظن.
دخل أحد الموظفين الغرفة متردداً. كان وجهه شاحباً، وجسده قد فقد شيئاً من امتلائه، حتى بدا معطفه الفضفاض أكبر من جسده.
رفع مدير الحسابات رأسه.
– تفضل، ماذا هناك؟
ظل سالم واقفاً للحظات، ثم قال:
– أحتاج إلى مساعدتك.
أشار إليه بالجلوس.
– اجلس.
جلس سالم، لكنه لم يرفع عينيه.
– الطبيب طلب مني أن أراجع المشفى مرة أخرى، وهناك فحوصات وأدوية، وأنا… توقف صوته.
فهم مدير الحسابات قبل أن يكمل. كان يعرف بمرضه واصابته بالسرطان، لكنه لم يكن يعرف أن الأمور وصلت إلى هذا الحد، لذا اقترب منه قليلاً:
– كم تحتاج؟
رفع سالم عينيه، وكأن السؤال فاجأه.
– أحتاج مبلغاً كسلفة من الشركة، وسأتحمل خصمها من راتبي.
فتح مدير الحسابات درج مكتبه، ثم أغلقه. توقف، كان يعرف التعليمات جيداً. فالسلفة تحتاج إلى موافقة مدير الشركة، والإجراءات واضحة، والصلاحيات أكثر وضوحاً. لذا قال في نفسه:
– هذه ليست مسألة عاطفة. أنت محاسب، وعليك أن تلتزم.
ثم نظر إلى سالم. كان أمامه رجل مريض، لا ملفاً. عاد الصوت في داخله:
– وماذا لو انتظرت الموافقة؟ يوم؟ يومين؟ أسبوعاً؟ وماذا لو كان موعد علاجه اليوم؟
سأل سالم:
– متى موعد مراجعتك؟
– اليوم مساءً.
ظل مدير الحسابات صامتاً. ثم فتح الصندوق، أخرج المبلغ ووضعه أمامه.
– خذه.
حدق سالم في المال، ثم في وجه مدير الحسابات.
– لكن الموافقة…
قاطعه:
– موضوعها عائداً لي.
ظل سالم ساكناً، وكأنه يخشى أن يمد يده.
– اعتبرها ديناً عليّ.
هز المدير رأسه.
– أنت موظفنا، سأعتبرها سلفة تستقطع من رواتبك تباعاً.
مد سالم يده وأخذ المال، وقبل أن يخرج، التفت إليه:
– لن أنسى هذا الجميل.
ابتسم.
– لا أريد منك أن تتذكره.
خرج سالم. وبقي مدير الحسابات وحده. نظر إلى الباب المغلق، ثم قال في سره:
– ربما أخطأت.
سكت قليلاً.
– لكن هل الخطأ أن أنقذ إنساناً، أم أن أتركه ينتظر توقيعاً بينما المرض لا ينتظر؟
عاد إلى ملفاته، ولم يفكر في الأمر بعد ذلك.
مرت أياماً قليلة لا أكثر، راجع فيها سالم الأطباء في أربيل، ثم عاد. أما مدير الحسابات فقد انشغل بعمله الروتيني، حتى جاءه اتصال من مكتب المدير العام.
– السيد المدير يريدك في مكتبه.
كان الصوت مختلفاً لا كما عهده سابقاً، لذا نهض مدير الحسابات، وخرج من مكتبه، ثم دخل مكتب المدير العالم. رفع الأخير عينيه من فوق الورقة الموضوعة أمامه.
– هل منحتَ سالم سلفة دون الموافقات الأصولية؟
شعر بشيء بارد يمر في داخله.
– نعم.
– لماذا؟
أجاب ببساطة:
– كان بحاجة إليها للعلاج.
صمت المدير قليلاً. ثم قال:
– هل تعرف أنك تجاوزت صلاحياتك؟
– أعرف.
دفع المدير الورقة نحوه.
– هناك شكوى ضدك.
نظر مدير الحسابات إلى الورقة. قرأ الاسم، سالم. لم يقرأ بقية السطور، بقيت عيناه معلقتين بالاسم: سالم؟ عاد المشهد إلى رأسه: المعطف الفضفاض، الوجه الشاحب، الصوت المتردد، المال الموضوع أمامه، ثم الجملة: لن أنسى هذا الجميل. خفض الورقة.
قال المدير العام:
– هل لديك ما تقوله؟
ظل مدير الحسابات صامتاً، إذ كان داخله يعج بأسئلة كثيرة: لماذا؟ هل كان يريد أن أتركه يموت خلف الإجراءات؟ هل كنت ساذجاً إلى هذا الحد؟
ثم جاءه صوت آخر من أعماقه:
– ربما لم يكن ممتناً أصلاً.
ثم أجابه صوت ثالث:
– ولماذا، هل كنت تنتظر منه الامتنان؟
صمت.
– لأنك إنسان، والإنسان حين يعطي، يتمنى ألا يُطعن باليد نفسها.
رفع مدير الحسابات رأسه. كان المدير العام ينتظر، ثم قال:
– نعم، تجاوزت الصلاحيات.
استغرب المدير هدوءه.
– وهذا كل شيء؟
هز مدير الحسابات رأسه.
– ماذا تريدني أن أقول؟
– هناك شكوى، وقد تُتخذ بحقك إجراءات.
نظر مدير الحسابات مرة أخرى إلى اسم سالم، ثم قال:
– إنه موظفنا.
توقف قليلاً.
– وحريّ بنا أن نقف معه.
ساد الصمت في المكتب. نظر المدير العام إليه طويلاً، وكأنه يحاول أن يفهم الرجل الذي يجلس أمامه. أما هو فكان قد حسم أمره، لم يعد يفكر في الشكوى، كان يفكر في شيء آخر: هل يتغير الإنسان حين يُساء إليه؟
ثم أجاب نفسه:
– ربما.
– وهل ينبغي أن أتعلم القسوة لأن أحدهم لم يعرف معنى الرحمة؟
لم يجد جواباً. في طريق عودته إلى مكتبه، مرّ بالقرب من النافذة المطلة على الشارع. كان المطر قد بدأ يهطل، رأى الموظفين يركضون بحثاً عن مأوى. توقف لحظة، تذكر سالم، وتذكر يده وهي تمتد بالمال، ثم تذكر الورقة. ابتسم ابتسامة خفيفة، لا فرح فيها ولا حزن.
وقال في سره:
– لم أخسر شيئاً.
ثم صحح لنفسه:
– بل خسرت شيئاً واحداً، ظني.
عاد إلى مكتبه، جلس أمام الأرقام من جديد. كان كل شيء في مكانه: الملفات، الأوراق، الآلة الحاسبة، الصندوق. لكن شيئاً واحداً لم يعد كما كان، قلبه. لم يصبح أسود، ولم يتعلم الشك. فقط صار يعرف أن الإحسان ليس عقداً يضمن الوفاء، وأن اليد التي تمتد لإنقاذ إنسان قد تعود إليه يوماً لتشير إليه.
ومع ذلك، حين جاء موظف آخر في نهاية الدوام، يطلب مساعدة صغيرة لأمر طارئ، رفع مدير الحسابات رأسه. نظر إليه، ثم إلى الصندوق. تردد للحظة، كان صوت قديم في داخله يقول:
– احذر.
لكن صوتاً أعمق قال:
– افعل ما كنت ستفعله كأنك لم تعرف ما حدث.
لذا فتح الصندوق، وأخرج المال. وحين مدّه إلى الموظف، ابتسم. لم يكن ينتظر شكراً، ولم يعد يسأل نفسه عن الجزاء. فقد فهم أخيراً أن بعض الناس يفعلون الخير لأنهم ينتظرون مقابله، بينما هناك آخرون يفعلونه لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا غير ذلك.

وفي طريقه إلى البيت، كان المطر يزداد. رفع مدير الحسابات ياقة معطفه، ومشى وحده تحت المطر. وفجأة، خطر له السؤال القديم: ما جزاء الإحسان؟
ابتسم. هذه المرة لم يبحث عن إجابة، فربما كان جزاء الإحسان الحقيقي، أن يبقى الإنسان قادراً على الإحسان، حتى بعد أن يتعلم كيف يمكن للآخرين أن يؤذوه.