حافٍ.. أعلّق راحتيَّ بلا يدي
وأجرُّ نارَ التيهِ نحوَ تعددي
وأفرُّ من وجهِ النهارِ كأنني
ظلٌّ تعثّرَ في متاهٍ مُجهدِ
أهفو لأفقٍ كلما ضاقَ الأسى
فتحَ الجراحَ على جراحٍ أجددِ
وأصوغُ من صمتِ الخرابِ قصيدتي
وأقيمُ من كسرِ التلعثمِ معبدي
دربي وعورٌ.. والرياحُ قبيلتي
والخوفُ آخرُ ما تبقّى في غدي
أطوي النزيفَ على النزيفِ كأنني
قبرٌ يواري بعضَهُ في المهجدِ
مستغرقٌ في ذاتِ ذاتي، واجفٌ
مني إليَّ، وفي ضياعي أهتدي
أشتاقُ لي، فأرى اشتياقي حاجبًا
بيني وبيني، والضياعُ تعبّدي
وأفرُّ مني نحوَ أخرى لا أرى
إلا صداها في مرايا المقصدِ
بي من شظايا الصمتِ صوتٌ صامتٌ
يمشي أمامي، كي يصوغَ ترددي
ما كنتُ أبحثُ عن يقينٍ نافقٍ
بل كنتُ أبحثني كشاكٍ أرمدِ
أسري بفقدي في دهاليزِ الفنا
حتى تلاشى في الضياعِ تفرّدي
وأرى البقاءَ مجردَ الأسماءِ لا
شيئًا يُقيمُ على حقيقةِ مسعدي
أعمى أرى نورَ الغيوبِ، ومبصرٌ
في ليلِ حسّي لا أرى غيرَ الصدي
والملمُ الأشياءَ وهي عقيمةٌ
وأعودُ من معنىً لآخرَ مفردِ
أنا سِفرُ هذا الكونِ يطوي بعضُهُ
بعضًا، ويُفني ظهرَهُ في منفدي
والكونُ مرآةُ الغريبِ إذا انثنتْ
أهدابُهُ انكشفَ الغيابُ لمشهدي
شجرٌ أنا.. في جمرِ أهوالِ المدى
جذري رمادٌ، والتشتتُ سيدي
سأبخّرُ المعنى.. وأمطرُ وحشةً
فوقَ اليبابِ بنبضيَ المتجمّدِ
والوقتُ يُنكرني، وأُنكرُ وجهَهُ
ضدّانِ نركضُ في فضاءٍ موصدِ
يا قاتلي الكونيَّ.. أسلخ غربتي
إنّي شتاتٌ والوجيبُ توقدي
متفرّدٌ في المحوِ.. أثبتُ عتمتي
حقًّا، ويخبو في الظلامِ تجسدي
كم متُّ فيَّ لكي أعيشَ، وكم
صحوتُ على الغيابِ كراهبٍ متعبدِ
مني ابتدأتُ، وفي ابتداءِ بدايتي
ضاعتْ ملامحُ أولي وتجرّدي
مني إليَّ تدورُ دائرةُ الأسى
كالفلكِ ابهر ظل كونٍ أدردِ
فأعودُ أولَ ما أكونُ كأنني
لم أدرِ أني كنتُ بعضَ تشرّدي
فأنا المُبددُ في يقيني كلِّهِ
فمتى طلبتُ الوصلَ لاحَ تبدّدي
أفنيتُ عمري في الوصولِ فلم
أجدْ إلا الطريقَ يدورُ حولَ توحّدي
ركضًا وراءَ الذاتِ.. أهربُ من يدي
وأعودُ منها كالمحالِ الأجردِ
حتى إذا سقطَ السؤالُ من المدى
وانهارَ آخرُ مرقدٍ في مرقدي
لم يبقَ غيرُ الصمتِ يكتبُ سيرتي
ويقولُ: هذا والدٌ لم يُولدِ
……………………………..
الرؤية النقدية الإيقاعية الصوتية
في قصيدة «مقابر الجهة الثامنة» للشاعر رافد عزيز القريشي
تدخل قصيدة «مقابر الجهة الثامنة» منذ عنوانها منطقة شعرية غير مألوفة؛ فالعنوان لا يحيل إلى مكان جغرافي معلوم، لأن الجهات المكانية المعهودة لا تعرف «جهة ثامنة»، وبذلك يخلق الشاعر مكانًا وجوديًا متخيَّلًا خارج خرائط العالم.
أما «المقابر» فتنقل هذا المكان من الحياد إلى الفناء. ومن اقتران اللفظتين يتولد المعنى المركزي: إنها مقابر الذات حين تفقد الجهات التي يمكن أن تهتدي بها إلى نفسها.
وربما خيرٌ لنا أن نقول العبارة المعتادة في مثل هذه الحالة (أن المعنى في قلب الشاعر)
فبرحلة الذات من نفسها إلى نفسها يفتتح القريشي النص بصورة صادمة:
حافٍ.. أعلّق راحتيَّ بلا يدي
وأجرُّ نارَ التيهِ نحوَ تعددي
فالذات حافية، أي مجردة من وسائل الحماية، ثم تبلغ المفارقة ذروتها في «أعلق راحتي بلا يدي»؛ إذ يفصل الشاعر الجزء عن كُلّه، وكأن الذات فقدت وحدتها الجسدية قبل أن تفقد وحدتها النفسية.
أما «نار التيه» فتنقل الضياع من حالة ذهنية إلى مادة محرقة يجرها الشاعر وراءه، في حين تكشف «تعددي» أن التيه ليس في الطريق وحده، بل في انشطار الأنا نفسها.
ويتعمق الاغتراب:
وأفرُّ من وجهِ النهارِ كأنني
ظلٌّ تعثّرَ في متاهٍ مُجهدِ
لقد أصبح للنهار وجه، وأصبحت الذات ظلًا يتعثر. والمفارقة أن الإنسان عادة يبحث عن النهار للخلاص من الظلمة، أما هذه الذات فتهرب منه؛ لأن أزمتها لم تعد أزمة ضوء وظلام، بل أزمة وجود لا يجد مكانه في أي منهما.
ومن الصور الموفقة:
أهفو لأفقٍ كلما ضاقَ الأسى
فتحَ الجراحَ على جراحٍ أجددِ
فالأفق، وهو رمز الانفتاح عادة، لا يؤدي إلى الخلاص، وإنما يفتح جرحًا على جرح. وبذلك تقلب القصيدة الدلالات المألوفة: الأفق لا يحرر، والنهار لا ينقذ، والطريق لا يوصل، واليقين لا يمنح الطمأنينة.
الكتابة من أنقاض الخراب
يقول:
وأصوغُ من صمتِ الخرابِ قصيدتي
وأقيمُ من كسرِ التلعثمِ معبدي
هذان الشطران يكشفان، في تقديري، فلسفة الكتابة في القصيدة كلها.
فالشاعر لا يكتب بعد انتهاء الخراب، وإنما يصوغ قصيدته من صمت الخراب ذاته. كما أنه لا يبني معبده من كلام مكتمل، بل من «كسر التلعثم»؛ أي من بقايا اللغة حين تعجز عن الكلام.
والصورة عميقة؛ لأنها تجعل النقص مادةً للبناء: الخراب ينتج قصيدة، والتلعثم ينتج معبدًا. وهكذا تصبح الكتابة محاولة لترميم الذات، ولكنها ترميم يعرف منذ البداية أنه مصنوع من الشظايا.
الاغتراب عن الذات
يتكثف البعد الوجودي في:
مستغرقٌ في ذاتِ ذاتي، واجفٌ
مني إليَّ، وفي ضياعي أهتدي
ثم:
أشتاقُ لي، فأرى اشتياقي حاجبًا
بيني وبيني، والضياعُ تعبّدي
هذه من أهم مناطق القصيدة. فالشاعر لا يشتاق إلى وطن أو محبوب أو زمن، وإنما يشتاق إلى نفسه. والأشد مأساوية أن الاشتياق ذاته يصبح حاجبًا بين «بيني وبيني».
إن تكرار ضمير المتكلم ليس تكرارًا لغويًا عابرًا؛ بل هو تجسيد لانشطار الأنا إلى ذات تبحث وذات يُبحث عنها.
ولذلك يقول:
وأفرُّ مني نحوَ أخرى لا أرى
إلا صداها في مرايا المقصدِ
فالرحلة كلها انتقال من «أنا» إلى «أنا أخرى»، لكنها لا تظهر إلا صدى في المرآة. وهنا يجتمع السمع والبصر: الصدى يُسمع، والمرآة تُرى، لكن الشاعر يضع الصدى داخل المرآة، فتتشابك الحواس كما تتشابك هويات الذات.
مفارقات العمى والبصيرة
يقول:
أعمى أرى نورَ الغيوبِ، ومبصرٌ
في ليلِ حسّي لا أرى غيرَ الصدى
هذا البيت مبني على مفارقة مركبة: أعمى/أرى، مبصر/لا أرى، نور/ليل. فالعمى الظاهري يمنح بصيرة، بينما الإبصار الحسي ينتهي إلى العجز.
وحتى «الصدى» هنا يتجاوز طبيعته؛ فالصدى مسموع، لكن الشاعر يراه، وهذا ضرب من تراسل الحواس يتناسب مع عالم القصيدة الذي انهارت فيه الحدود المعتادة بين الأشياء.
الذات بين الشجرة والرماد
ومن أجمل الصور:
شجرٌ أنا.. في جمرِ أهوالِ المدى
جذري رمادٌ، والتشتتُ سيدي
الشجرة في أصل رمزيتها تعني الثبات والنمو والامتداد، لكن الشاعر يقلب الرمز: الجذر الذي يفترض أن يكون مصدر الحياة صار رمادًا. إنها شجرة لا تمتلك أصلًا صالحًا لاستمرارها، ولذلك يصبح التشتت سيدها.
وتتصل بها الصورة التالية:
سأبخّرُ المعنى.. وأمطرُ وحشةً
فوقَ اليبابِ بنبضيَ المتجمّدِ
وهي صورة ذات تركيب سريالي واضح: المعنى يُبخَّر، والوحشة تُمطر، والنبض يتجمد. وتقوم جماليتها على قلب قوانين الطبيعة؛ فالماء هو الذي يتبخر عادة، والمطر ماء، والنبض حركة وحرارة. لكن الشاعر يستبدل بها: المعنى، الوحشة، التجمد، لأن العالم الخارجي أصبح انعكاسًا لخراب الذات الداخلي.
ويقول:
والوقتُ يُنكرني، وأُنكرُ وجهَهُ
ضدّانِ نركضُ في فضاءٍ موصدِ
يشخص الشاعر الزمن ويمنحه القدرة على الإنكار، ثم يجعل الذات والزمن ضدين يركضان، لكنهما يركضان في «فضاء موصد». وهنا تتولد مفارقة مكانية جميلة؛ فالفضاء يفترض الانفتاح، أما وصفه بـ«الموصد» فيحوله إلى سجن كوني.
فالقصيدة لا تقول إن الإنسان مسجون في غرفة؛ بل إن الفضاء نفسه أصبح مغلقًا.
وتتجلى إحدى أهم مفارقات النص في:
كم متُّ فيَّ لكي أعيشَ، وكم
صحوتُ على الغيابِ كراهبٍ متعبدِ
الموت والحياة هنا ليسا نقيضين نهائيين، وإنما مرحلتان داخل الذات الواحدة. فالشاعر يموت في نفسه كي يعيش، ويصحو لا على الحضور، وإنما على الغياب.
وهذا يفسر حضور ألفاظ: الفناء، المحو، الغياب، الرماد، المقابر، المرقد، الموت؛ فهي ليست مفردات موت جسدي بقدر ما تؤسس لفكرة موت الهوية القديمة ومحاولة ولادة هوية لا تكتمل.
البنية العميقة للقصيدة
يقول: مني إليَّ تدورُ دائرةُ الأسى
ثم:
فأعودُ أولَ ما أكونُ كأنني
لم أدرِ أني كنتُ بعضَ تشرّدي
ويقول لاحقًا:
أفنيتُ عمري في الوصولِ فلم
أجدْ إلا الطريقَ يدورُ حولَ توحّدي
وهنا تنكشف هندسة القصيدة: إنها دائرة لا خط مستقيم. يبدأ الشاعر من ذاته، يهرب منها، يبحث عنها، يشتاق إليها، ثم يعود إليها دون أن يبلغها كاملة.
ولهذا فإن الطريق لا يصل إلى غاية، بل يدور حول الذات.
وهذه الدائرية تفسر تكرار «مني»، «إليَّ»، «بيني وبيني»، «ذاتي»، «أبحثني»، «أهرب من يدي»، «أعود منها». فالضمير نفسه يتحول إلى إيقاع وجودي.
موسيقى الحروف
تعتمد القصيدة على روي الدال في غالب أبياتها: يدي، تعددي، مجهدِ، أجددِ، معبدي، غدي، أهتدي، تعبدي، المقصد، ترددي، تفردي، المتجمد، الموصد، تجسدي، تبددي….
والدال صوت مجهور شديد، وفي تكراره المتتابع إحساس بالطرق والإغلاق، وهو ملائم لنص تتكرر فيه صور السد، القيد، الانغلاق، المرقد، الفناء.
لكن اقترانه المتكرر بالياء في كثير من القوافي: يدي، تعددي، غدي، أهتدي، تعبدي، ترددي، تفردي، تجسدي، تبددي يجعل الشدة تنفتح على امتداد الياء؛ فتتولد موسيقى تجمع الانكسار والامتداد.
ويلفت النظر أيضًا حضور التاء والدال في الكلمات المركزية:
تعددي – ترددي – تفردي – تجسدي – تبددي – توحدي – تشرّدي.
وهذه ليست قوافي متقاربة صوتيًا فحسب، بل تشكل سلسلة دلالية تكاد تلخص أزمة الذات:
تعدّد ← تردّد ← تفرّد ← تجسّد ← تبدّد ← توحّد ← تشرّد.
وهنا يبلغ التناسب بين الصوت والدلالة مستوى لافتًا؛ إذ تحتفظ الكلمات بهيكل صوتي متقارب بينما تتغير حالات الذات من معنى إلى آخر.
كما تكثر الصاد والسين والشين في: الصمت، أصوغ، شظايا، صوت صامت، السؤال، سيرتي، فتولد احتكاكًا وهمسًا يناسب حضور الصمت. ويبلغ ذلك ذروته في:
بي من شظايا الصمتِ صوتٌ صامتٌ
فتجاور الشين والصاد والسين يجعل البيت يهمس وهو يتحدث عن الصمت؛ أي إن الدلالة تتحول إلى أداء صوتي.
المفارقة الكبرى في الخاتمة
تصل القصيدة إلى ذروتها الأخيرة:
حتى إذا سقطَ السؤالُ من المدى
وانهارَ آخرُ مرقدٍ في مرقدي
ثم تأتي القفلة:
لم يبقَ غيرُ الصمتِ يكتبُ سيرتي
ويقولُ: هذا والدٌ لم يُولدِ
وهي قفلة ذات مفارقة وجودية حادة. فـالصمت يكتب، وهو جمع بين النقيضين، ثم يأتي وصف: «والدٌ لم يولد» ليختصر أزمة النص بأكملها: كائن قادر رمزيًا على الإنجاب والامتداد، لكنه نفسه لم يحقق ولادته.
وكأن الذات تستطيع أن تنتج القصيدة والمعنى والسؤال، لكنها تعجز عن إنتاج نفسها مكتملة.
وهذه النهاية تعيدنا إلى عنوان «مقابر الجهة الثامنة»؛ فالمقبرة الحقيقية تصبح، في أحد مستويات القراءة، مقبرة الاحتمالات التي كان يمكن أن تولد ولم تولد.
لذلك أرى أن رافد عزيز القريشي أقام نصه على هندسة التشظي؛ فالقصيدة طويلة نسبيًا، لكن صورتها المركزية واحدة: إنسان يبحث عن ذاته بأدوات ذاتٍ مكسورة.
ولذلك فإن كل محاولة للوصول تعيد إنتاج الضياع،
وكل يقين يفضي إلى الشك،
وكل حضور يكشف غيابًا،
وكل بداية تعيد صاحبها إلى البداية.
وأحسب أن أكثر ما يميز النص هو نجاحه في بناء معجم داخلي مترابط: التيه، المتاه، الخراب، التلعثم، الخوف، النزيف، الضياع، الصمت، الفناء، الغياب، الرماد، الوحشة، المحو، الظلام، التشرّد، التبدد، المرقد.
وهذه المفردات لا تعمل منفردة، بل تصنع مناخًا وجوديًا متصلًا.
غير أن هذه الكثافة نفسها تحمل موطن القوة وموطن الخطر معًا؛ فهي تمنح القصيدة وحدتها النفسية والفلسفية، لكنها حين تتوالى صور الضياع والمحو والذات والصمت والتبدد بكثافة شديدة تقترب بعض المواضع من التخمة التجريدية.
وكان يمكن للاقتصاد في عدد قليل من الصور المتقاربة أن يجعل بعض الضربات الشعرية أشد نفاذًا؛ لأن صورًا مثل «صمت الخراب» و«أشتاق لي» و«شجر أنا… جذري رماد» و«الوقت ينكرني» و«والد لم يولد» قوية بما يكفي لتحمل مساحات واسعة من الرؤية وحدها.
ومع ذلك فإن القصيدة تحقق خصوصيتها في قدرتها على جعل اللغة نفسها تعاني أزمة الذات: الصمت يتكلم، والأعمى يرى، والمبصر لا يرى، والجذر رماد، والفضاء موصد، والميت يعيش، والطريق يدور، والصمت يكتب، والوالد لم يولد.
ولذلك يمكن قراءة «الجهة الثامنة» بوصفها تسمية شعرية للمكان الذي لا يقع شرقًا ولا غربًا ولا شمالًا ولا جنوبًا، ولا في الجهات المتفرعة بينها، وإنما يقع داخل الإنسان نفسه.
إنها الجهة التي يتجه إليها المرء عندما تنتهي خرائط الخارج، فيكتشف أن أشد الرحلات وعورة ليست الرحلة إلى المجهول، بل الرحلة التي عبّر عنها الشاعر مرارًا بأقصر تركيب وأعمقه: «مني إليَّ».
وهذه، في تقديري، هي البؤرة الإيقاعية والفكرية والصورية التي تنتظم حولها «مقابر الجهة الثامنة» كلها. والجميل أن العنوان لا يقول «مقبرة» بل «مقابر»؛ لأن الشاعر في القصيدة لا يموت مرة واحدة، بل يقول صراحة: «كم متُّ فيَّ». هذه الـ**«كم»**، في تقديري، تفسر جمع «مقابر» تفسيرًا شعريًا بالغ القوة.
رؤية في قصيدة مَقَابِرُ الجِهَةِ الثَّامِنَة لرافد عزيز القريشي
حافٍ.. أعلّق راحتيَّ بلا يدي
وأجرُّ نارَ التيهِ نحوَ تعددي
وأفرُّ من وجهِ النهارِ كأنني
ظلٌّ تعثّرَ في متاهٍ مُجهدِ
أهفو لأفقٍ كلما ضاقَ الأسى
فتحَ الجراحَ على جراحٍ أجددِ
وأصوغُ من صمتِ الخرابِ قصيدتي
وأقيمُ من كسرِ التلعثمِ معبدي
دربي وعورٌ.. والرياحُ قبيلتي
والخوفُ آخرُ ما تبقّى في غدي
أطوي النزيفَ على النزيفِ كأنني
قبرٌ يواري بعضَهُ في المهجدِ
مستغرقٌ في ذاتِ ذاتي، واجفٌ
مني إليَّ، وفي ضياعي أهتدي
أشتاقُ لي، فأرى اشتياقي حاجبًا
بيني وبيني، والضياعُ تعبّدي
وأفرُّ مني نحوَ أخرى لا أرى
إلا صداها في مرايا المقصدِ
بي من شظايا الصمتِ صوتٌ صامتٌ
يمشي أمامي، كي يصوغَ ترددي
ما كنتُ أبحثُ عن يقينٍ نافقٍ
بل كنتُ أبحثني كشاكٍ أرمدِ
أسري بفقدي في دهاليزِ الفنا
حتى تلاشى في الضياعِ تفرّدي
وأرى البقاءَ مجردَ الأسماءِ لا
شيئًا يُقيمُ على حقيقةِ مسعدي
أعمى أرى نورَ الغيوبِ، ومبصرٌ
في ليلِ حسّي لا أرى غيرَ الصدي
والملمُ الأشياءَ وهي عقيمةٌ
وأعودُ من معنىً لآخرَ مفردِ
أنا سِفرُ هذا الكونِ يطوي بعضُهُ
بعضًا، ويُفني ظهرَهُ في منفدي
والكونُ مرآةُ الغريبِ إذا انثنتْ
أهدابُهُ انكشفَ الغيابُ لمشهدي
شجرٌ أنا.. في جمرِ أهوالِ المدى
جذري رمادٌ، والتشتتُ سيدي
سأبخّرُ المعنى.. وأمطرُ وحشةً
فوقَ اليبابِ بنبضيَ المتجمّدِ
والوقتُ يُنكرني، وأُنكرُ وجهَهُ
ضدّانِ نركضُ في فضاءٍ موصدِ
يا قاتلي الكونيَّ.. أسلخ غربتي
إنّي شتاتٌ والوجيبُ توقدي
متفرّدٌ في المحوِ.. أثبتُ عتمتي
حقًّا، ويخبو في الظلامِ تجسدي
كم متُّ فيَّ لكي أعيشَ، وكم
صحوتُ على الغيابِ كراهبٍ متعبدِ
مني ابتدأتُ، وفي ابتداءِ بدايتي
ضاعتْ ملامحُ أولي وتجرّدي
مني إليَّ تدورُ دائرةُ الأسى
كالفلكِ ابهر ظل كونٍ أدردِ
فأعودُ أولَ ما أكونُ كأنني
لم أدرِ أني كنتُ بعضَ تشرّدي
فأنا المُبددُ في يقيني كلِّهِ
فمتى طلبتُ الوصلَ لاحَ تبدّدي
أفنيتُ عمري في الوصولِ فلم
أجدْ إلا الطريقَ يدورُ حولَ توحّدي
ركضًا وراءَ الذاتِ.. أهربُ من يدي
وأعودُ منها كالمحالِ الأجردِ
حتى إذا سقطَ السؤالُ من المدى
وانهارَ آخرُ مرقدٍ في مرقدي
لم يبقَ غيرُ الصمتِ يكتبُ سيرتي
ويقولُ: هذا والدٌ لم يُولدِ
……………………………..
الرؤية النقدية الإيقاعية الصوتية
في قصيدة «مقابر الجهة الثامنة» للشاعر رافد عزيز القريشي
تدخل قصيدة «مقابر الجهة الثامنة» منذ عنوانها منطقة شعرية غير مألوفة؛ فالعنوان لا يحيل إلى مكان جغرافي معلوم، لأن الجهات المكانية المعهودة لا تعرف «جهة ثامنة»، وبذلك يخلق الشاعر مكانًا وجوديًا متخيَّلًا خارج خرائط العالم.
أما «المقابر» فتنقل هذا المكان من الحياد إلى الفناء. ومن اقتران اللفظتين يتولد المعنى المركزي: إنها مقابر الذات حين تفقد الجهات التي يمكن أن تهتدي بها إلى نفسها.
وربما خيرٌ لنا أن نقول العبارة المعتادة في مثل هذه الحالة (أن المعنى في قلب الشاعر)
فبرحلة الذات من نفسها إلى نفسها يفتتح القريشي النص بصورة صادمة:
حافٍ.. أعلّق راحتيَّ بلا يدي
وأجرُّ نارَ التيهِ نحوَ تعددي
فالذات حافية، أي مجردة من وسائل الحماية، ثم تبلغ المفارقة ذروتها في «أعلق راحتي بلا يدي»؛ إذ يفصل الشاعر الجزء عن كُلّه، وكأن الذات فقدت وحدتها الجسدية قبل أن تفقد وحدتها النفسية.
أما «نار التيه» فتنقل الضياع من حالة ذهنية إلى مادة محرقة يجرها الشاعر وراءه، في حين تكشف «تعددي» أن التيه ليس في الطريق وحده، بل في انشطار الأنا نفسها.
ويتعمق الاغتراب:
وأفرُّ من وجهِ النهارِ كأنني
ظلٌّ تعثّرَ في متاهٍ مُجهدِ
لقد أصبح للنهار وجه، وأصبحت الذات ظلًا يتعثر. والمفارقة أن الإنسان عادة يبحث عن النهار للخلاص من الظلمة، أما هذه الذات فتهرب منه؛ لأن أزمتها لم تعد أزمة ضوء وظلام، بل أزمة وجود لا يجد مكانه في أي منهما.
ومن الصور الموفقة:
أهفو لأفقٍ كلما ضاقَ الأسى
فتحَ الجراحَ على جراحٍ أجددِ
فالأفق، وهو رمز الانفتاح عادة، لا يؤدي إلى الخلاص، وإنما يفتح جرحًا على جرح. وبذلك تقلب القصيدة الدلالات المألوفة: الأفق لا يحرر، والنهار لا ينقذ، والطريق لا يوصل، واليقين لا يمنح الطمأنينة.
الكتابة من أنقاض الخراب
يقول:
وأصوغُ من صمتِ الخرابِ قصيدتي
وأقيمُ من كسرِ التلعثمِ معبدي
هذان الشطران يكشفان، في تقديري، فلسفة الكتابة في القصيدة كلها.
فالشاعر لا يكتب بعد انتهاء الخراب، وإنما يصوغ قصيدته من صمت الخراب ذاته. كما أنه لا يبني معبده من كلام مكتمل، بل من «كسر التلعثم»؛ أي من بقايا اللغة حين تعجز عن الكلام.
والصورة عميقة؛ لأنها تجعل النقص مادةً للبناء: الخراب ينتج قصيدة، والتلعثم ينتج معبدًا. وهكذا تصبح الكتابة محاولة لترميم الذات، ولكنها ترميم يعرف منذ البداية أنه مصنوع من الشظايا.
الاغتراب عن الذات
يتكثف البعد الوجودي في:
مستغرقٌ في ذاتِ ذاتي، واجفٌ
مني إليَّ، وفي ضياعي أهتدي
ثم:
أشتاقُ لي، فأرى اشتياقي حاجبًا
بيني وبيني، والضياعُ تعبّدي
هذه من أهم مناطق القصيدة. فالشاعر لا يشتاق إلى وطن أو محبوب أو زمن، وإنما يشتاق إلى نفسه. والأشد مأساوية أن الاشتياق ذاته يصبح حاجبًا بين «بيني وبيني».
إن تكرار ضمير المتكلم ليس تكرارًا لغويًا عابرًا؛ بل هو تجسيد لانشطار الأنا إلى ذات تبحث وذات يُبحث عنها.
ولذلك يقول:
وأفرُّ مني نحوَ أخرى لا أرى
إلا صداها في مرايا المقصدِ
فالرحلة كلها انتقال من «أنا» إلى «أنا أخرى»، لكنها لا تظهر إلا صدى في المرآة. وهنا يجتمع السمع والبصر: الصدى يُسمع، والمرآة تُرى، لكن الشاعر يضع الصدى داخل المرآة، فتتشابك الحواس كما تتشابك هويات الذات.
مفارقات العمى والبصيرة
يقول:
أعمى أرى نورَ الغيوبِ، ومبصرٌ
في ليلِ حسّي لا أرى غيرَ الصدى
هذا البيت مبني على مفارقة مركبة: أعمى/أرى، مبصر/لا أرى، نور/ليل. فالعمى الظاهري يمنح بصيرة، بينما الإبصار الحسي ينتهي إلى العجز.
وحتى «الصدى» هنا يتجاوز طبيعته؛ فالصدى مسموع، لكن الشاعر يراه، وهذا ضرب من تراسل الحواس يتناسب مع عالم القصيدة الذي انهارت فيه الحدود المعتادة بين الأشياء.
الذات بين الشجرة والرماد
ومن أجمل الصور:
شجرٌ أنا.. في جمرِ أهوالِ المدى
جذري رمادٌ، والتشتتُ سيدي
الشجرة في أصل رمزيتها تعني الثبات والنمو والامتداد، لكن الشاعر يقلب الرمز: الجذر الذي يفترض أن يكون مصدر الحياة صار رمادًا. إنها شجرة لا تمتلك أصلًا صالحًا لاستمرارها، ولذلك يصبح التشتت سيدها.
وتتصل بها الصورة التالية:
سأبخّرُ المعنى.. وأمطرُ وحشةً
فوقَ اليبابِ بنبضيَ المتجمّدِ
وهي صورة ذات تركيب سريالي واضح: المعنى يُبخَّر، والوحشة تُمطر، والنبض يتجمد. وتقوم جماليتها على قلب قوانين الطبيعة؛ فالماء هو الذي يتبخر عادة، والمطر ماء، والنبض حركة وحرارة. لكن الشاعر يستبدل بها: المعنى، الوحشة، التجمد، لأن العالم الخارجي أصبح انعكاسًا لخراب الذات الداخلي.
ويقول:
والوقتُ يُنكرني، وأُنكرُ وجهَهُ
ضدّانِ نركضُ في فضاءٍ موصدِ
يشخص الشاعر الزمن ويمنحه القدرة على الإنكار، ثم يجعل الذات والزمن ضدين يركضان، لكنهما يركضان في «فضاء موصد». وهنا تتولد مفارقة مكانية جميلة؛ فالفضاء يفترض الانفتاح، أما وصفه بـ«الموصد» فيحوله إلى سجن كوني.
فالقصيدة لا تقول إن الإنسان مسجون في غرفة؛ بل إن الفضاء نفسه أصبح مغلقًا.
وتتجلى إحدى أهم مفارقات النص في:
كم متُّ فيَّ لكي أعيشَ، وكم
صحوتُ على الغيابِ كراهبٍ متعبدِ
الموت والحياة هنا ليسا نقيضين نهائيين، وإنما مرحلتان داخل الذات الواحدة. فالشاعر يموت في نفسه كي يعيش، ويصحو لا على الحضور، وإنما على الغياب.
وهذا يفسر حضور ألفاظ: الفناء، المحو، الغياب، الرماد، المقابر، المرقد، الموت؛ فهي ليست مفردات موت جسدي بقدر ما تؤسس لفكرة موت الهوية القديمة ومحاولة ولادة هوية لا تكتمل.
البنية العميقة للقصيدة
يقول: مني إليَّ تدورُ دائرةُ الأسى
ثم:
فأعودُ أولَ ما أكونُ كأنني
لم أدرِ أني كنتُ بعضَ تشرّدي
ويقول لاحقًا:
أفنيتُ عمري في الوصولِ فلم
أجدْ إلا الطريقَ يدورُ حولَ توحّدي
وهنا تنكشف هندسة القصيدة: إنها دائرة لا خط مستقيم. يبدأ الشاعر من ذاته، يهرب منها، يبحث عنها، يشتاق إليها، ثم يعود إليها دون أن يبلغها كاملة.
ولهذا فإن الطريق لا يصل إلى غاية، بل يدور حول الذات.
وهذه الدائرية تفسر تكرار «مني»، «إليَّ»، «بيني وبيني»، «ذاتي»، «أبحثني»، «أهرب من يدي»، «أعود منها». فالضمير نفسه يتحول إلى إيقاع وجودي.
موسيقى الحروف
تعتمد القصيدة على روي الدال في غالب أبياتها: يدي، تعددي، مجهدِ، أجددِ، معبدي، غدي، أهتدي، تعبدي، المقصد، ترددي، تفردي، المتجمد، الموصد، تجسدي، تبددي….
والدال صوت مجهور شديد، وفي تكراره المتتابع إحساس بالطرق والإغلاق، وهو ملائم لنص تتكرر فيه صور السد، القيد، الانغلاق، المرقد، الفناء.
لكن اقترانه المتكرر بالياء في كثير من القوافي: يدي، تعددي، غدي، أهتدي، تعبدي، ترددي، تفردي، تجسدي، تبددي يجعل الشدة تنفتح على امتداد الياء؛ فتتولد موسيقى تجمع الانكسار والامتداد.
ويلفت النظر أيضًا حضور التاء والدال في الكلمات المركزية:
تعددي – ترددي – تفردي – تجسدي – تبددي – توحدي – تشرّدي.
وهذه ليست قوافي متقاربة صوتيًا فحسب، بل تشكل سلسلة دلالية تكاد تلخص أزمة الذات:
تعدّد ← تردّد ← تفرّد ← تجسّد ← تبدّد ← توحّد ← تشرّد.
وهنا يبلغ التناسب بين الصوت والدلالة مستوى لافتًا؛ إذ تحتفظ الكلمات بهيكل صوتي متقارب بينما تتغير حالات الذات من معنى إلى آخر.
كما تكثر الصاد والسين والشين في: الصمت، أصوغ، شظايا، صوت صامت، السؤال، سيرتي، فتولد احتكاكًا وهمسًا يناسب حضور الصمت. ويبلغ ذلك ذروته في:
بي من شظايا الصمتِ صوتٌ صامتٌ
فتجاور الشين والصاد والسين يجعل البيت يهمس وهو يتحدث عن الصمت؛ أي إن الدلالة تتحول إلى أداء صوتي.
المفارقة الكبرى في الخاتمة
تصل القصيدة إلى ذروتها الأخيرة:
حتى إذا سقطَ السؤالُ من المدى
وانهارَ آخرُ مرقدٍ في مرقدي
ثم تأتي القفلة:
لم يبقَ غيرُ الصمتِ يكتبُ سيرتي
ويقولُ: هذا والدٌ لم يُولدِ
وهي قفلة ذات مفارقة وجودية حادة. فـالصمت يكتب، وهو جمع بين النقيضين، ثم يأتي وصف: «والدٌ لم يولد» ليختصر أزمة النص بأكملها: كائن قادر رمزيًا على الإنجاب والامتداد، لكنه نفسه لم يحقق ولادته.
وكأن الذات تستطيع أن تنتج القصيدة والمعنى والسؤال، لكنها تعجز عن إنتاج نفسها مكتملة.
وهذه النهاية تعيدنا إلى عنوان «مقابر الجهة الثامنة»؛ فالمقبرة الحقيقية تصبح، في أحد مستويات القراءة، مقبرة الاحتمالات التي كان يمكن أن تولد ولم تولد.
لذلك أرى أن رافد عزيز القريشي أقام نصه على هندسة التشظي؛ فالقصيدة طويلة نسبيًا، لكن صورتها المركزية واحدة: إنسان يبحث عن ذاته بأدوات ذاتٍ مكسورة.
ولذلك فإن كل محاولة للوصول تعيد إنتاج الضياع،
وكل يقين يفضي إلى الشك،
وكل حضور يكشف غيابًا،
وكل بداية تعيد صاحبها إلى البداية.
وأحسب أن أكثر ما يميز النص هو نجاحه في بناء معجم داخلي مترابط: التيه، المتاه، الخراب، التلعثم، الخوف، النزيف، الضياع، الصمت، الفناء، الغياب، الرماد، الوحشة، المحو، الظلام، التشرّد، التبدد، المرقد.
وهذه المفردات لا تعمل منفردة، بل تصنع مناخًا وجوديًا متصلًا.
غير أن هذه الكثافة نفسها تحمل موطن القوة وموطن الخطر معًا؛ فهي تمنح القصيدة وحدتها النفسية والفلسفية، لكنها حين تتوالى صور الضياع والمحو والذات والصمت والتبدد بكثافة شديدة تقترب بعض المواضع من التخمة التجريدية.
وكان يمكن للاقتصاد في عدد قليل من الصور المتقاربة أن يجعل بعض الضربات الشعرية أشد نفاذًا؛ لأن صورًا مثل «صمت الخراب» و«أشتاق لي» و«شجر أنا… جذري رماد» و«الوقت ينكرني» و«والد لم يولد» قوية بما يكفي لتحمل مساحات واسعة من الرؤية وحدها.
ومع ذلك فإن القصيدة تحقق خصوصيتها في قدرتها على جعل اللغة نفسها تعاني أزمة الذات: الصمت يتكلم، والأعمى يرى، والمبصر لا يرى، والجذر رماد، والفضاء موصد، والميت يعيش، والطريق يدور، والصمت يكتب، والوالد لم يولد.
ولذلك يمكن قراءة «الجهة الثامنة» بوصفها تسمية شعرية للمكان الذي لا يقع شرقًا ولا غربًا ولا شمالًا ولا جنوبًا، ولا في الجهات المتفرعة بينها، وإنما يقع داخل الإنسان نفسه.
إنها الجهة التي يتجه إليها المرء عندما تنتهي خرائط الخارج، فيكتشف أن أشد الرحلات وعورة ليست الرحلة إلى المجهول، بل الرحلة التي عبّر عنها الشاعر مرارًا بأقصر تركيب وأعمقه: «مني إليَّ».
وهذه، في تقديري، هي البؤرة الإيقاعية والفكرية والصورية التي تنتظم حولها «مقابر الجهة الثامنة» كلها. والجميل أن العنوان لا يقول «مقبرة» بل «مقابر»؛ لأن الشاعر في القصيدة لا يموت مرة واحدة، بل يقول صراحة: «كم متُّ فيَّ». هذه الـ**«كم»**، في تقديري، تفسر جمع «مقابر» تفسيرًا شعريًا بالغ القوة.
التعليقات