أولًا / التَّأثيرُ والتَّأثّرُ : اختلف العلماء حول وجود المدارس النحوية اختلافًا كبيرًا ؛ فمنهم من أنكر وجودها ، ومنهم من قال بوجود مدرستين : هما مدرسة البصرة النَّحوية ومدرسة الكوفة النَّحوية ، ومنهم من قال بوجود مدارس أخرى ومنها المدرسة الاندلسيّة .
وفي هذا المقام تبرز مجموعة أسئلة متعلقة بالمذكور آنفًا، فهل صحيح قولهم : إنَّ النَّحو الاندلسيّ بدأ كوفيًا ؟ ثم عَلامَ يُطلق مصطلح (نحاة الاندلس) ؟ ومن هو أَوّل عالم نحويّ اندلسيّ؟ وكيف وصل كتاب سيبويه إلى الاندلس؟ .
لقد تأخرت الدراسات النحويّة واللغويّة في الاندلس عن مثيلاتها في المشرق العربي، وذلك بحكم تأخّر الفتح العربي الاسلامي لهذا الاقليم الذي كان بحدود ( 92ه )، وقد اختلف الباحثون في تحديد المدة الزمنية التي انتقل فيها النّحو من المشرق إلى المغرب ، فمنهم من قال: إنَّ النَّحو الاندلسي يرجع إلى القرن الثالث الهجري، ومنهم من قال :إنَّه ظهر في منتصف القرن الخامس الهجري وإنَّه نضج وتطور في القرنين السادس والسابع الهجريين ، ومنهم من قال :إنَّ النَّحو الاندلسيّ ظهر في أَوّل مؤلف وهو كتاب (الواضح في علم اللغة)لأبي بكر الزبيديّ (ت379 ه).
إنَّ أوّل عالمٍ نحويٍّ اندلسيٍّ هو جودي بن عثمان(ت198ه)الذي رحل إلى بغداد وأخذ بها عن علماء مدرسة الكوفة ولا سيما شيخا هذه المدرسة وهما ( الكسائيّ والفرّاء ) ،وظلَّ يدرس كتاب الكسائيّ بعد رجوعه إلى الاندلس. وإذا ما نظرنا إلى وفاته نجد أنَّه توفي في نهاية القرن الثاني الهجري.
وبعد ظهور النَّحو في الاندلس ما لبث أن تطور بفعل عوامل متعددة أهمها الرحلة الى الشرق ؛ فقد كان لكثير من العلماء والمشايخ الاندلسيين رحلات علمية يدفعهم إليها الحرص على علاقات الشيوخ والعلماء المعاصرين لهم في المشرق أو الرغبة في نيل الإجازة العلمية والحصول على الأسانيد العلمية .
وبفعل التواصل العلمي بين علماء الاندلس وعلماء المشرق تطورت الدراسات النَّحوية في الاندلس ولا سيما في القرنيين الخامس والسادس الهجريين ؛ إذ لم يكتفِ علماء الاندلس بالأخذ عن علماء المشرق؛ بل أصبحت لهم اختيارات وترجيحات .
ويطلق مصطلح ( نحاة الاندلس ) على فئة كبيرة من العلماء الذي غلبت عليهم العناية بالدّرس النّحويّ بمعناه الشامل المتضمن المباحث التَّصريفية والنَّحويّة . والذي عليه بعض الباحثين أنَّ هذا المصطلح يشمل كل من وُلِدَ في الاندلس وعاش مدة تسمح له بالتأثير والافادة من علماء هذا البلد.
إنَّ نحاة الاندلس قد رحلوا إلى المشرق وأخذوا عن جلِّ علمائه ، وبالمقابل رحل علماء المشرق إلى الاندلس بفعل عوامل متعددة أهمها ؛ الرغبة في الحصول على الأموال بعد أن أغدق ولاة الاندلس الأموال الطائلة في جذب علماء المشرق بسبب المنافسة الكبيرة بينهم وبين الولاة في المشرق الاسلامي ،وعلى هذا نميل الى أنَّ مصطلح (نحاة الاندلس)يشمل من وُلِدَ في الاندلس ومات فيها أو انتقل منها الى الأقاليم الاسلامية أو من رحل إلى الاندلس وكان له أثر في تطور النّحو الاندلسيّ تأليفًا وتدريسًا.
إنَّ المتتبع للدرس النَّحويِّ في الاندلس يجد أنَّه بدأ كوفيًا وشاهدنا على ذلك أنَّ أوّل عالمٍ اندلسيٍّ رحل إلى المشرق أخذ عن شيوخ المدرسة الكوفية ؛ فقد أخذ ( جودي بن عثمان ) النَّحو عن الكسائيِّ والفرّاء وهو أوّل من أدخل كتابَ الكسائيّ إلى الاندلس . وتجدر الإشارة إلى أنَّ الإفادة من المذهبِ النحويِّ الكوفيِّ لم تقتصر على الأخذ المباشر عن علماء المدرسة الكوفية في بغداد أو عن طريق كتبهم فحسب بل تعددت مصادره لتشمل كذلك الإفادة من الكتب التي عنيت بالنقل عن المذهب الكوفي مثل (الاصول لابن السراج والجمل للزجاجي وكتب الفارسي وابن جني ) وغيرها .
لقد تناول الاندلسيون هذه الكتب بالشرح والايضاح واعتمدوها في تعليم الطلبة والدارسين ولم يغب النّحو الكوفيّ عن التأثير في الساحة العلميّة الاندلسيّة في أيِّ وقت من الأوقات وإن كان هذا التأثير يخفت حينًا ويزداد حينًا أخرى .
من كل هذا يتبين أنَّ المدرسة النحويّة الاندلسية قد صبت اهتمامها بالنحو الكوفيّ منذ نشأتها .
ثانيًا / كتابُ سيبويه والنّحو الاندلسيّ :
بعد مضي مدة زمنية طويلة من العناية بالنحو الكوفيّ نُقل كتاب سيبويه إلى الاندلس. وقيل إنَّ أكبر عناية بكتاب سيبويه كانت على يد أبي عبد الله محمد بن يحيى بن عبد السلام الازديّ الرياحيّ الجيانيّ (ت 358ه) فقد رحل إلى المشرق والتقى بأبي جعفر النّحاس أكبر نحاة مصر وأخذ عنه كتاب سيبويه رواية .
ويمثل نقل كتاب سيبويه المرحلة الثانية من مراحل تطور النّحو الاندلسيّ وتطور منهجه والذي يمثل النّحو الكوفيّ مرحلته الأولى .
ثالثًا / تطور منهج النّحو الاندلسيّ : ويتحقق هذا الأمر بالأخذ عن المدرستين الكوفيّة والبصريّة وهو النهج الذي اتخذه علماء المدرسة البغدادية القائم على الاختيار من آراء نحاة الكوفة والبصرة.
ومن أشهر علمائهم ابن خروف (ت602ه)وابن عصفور الأشبيلي (ت662ه) والشلوبيين والبطليوسي (ت521ه) وابن الطراوة والسهيلي(ت583ه) وابن مالك صاحب الألفية .
وبذلك يكون النّحو الاندلسيّ امتدادًا لمدرستي النّحو في الكوفة والبصرة ، ولكنه اتسم بطابع خاص امتزج ببيئتهم وظروفهم العلميّة والثقافيّة ، فهو ليس مذهبًا جديدًا مثل الكوفيين والبصريين ، فقد جمعوا بين المذهبين وكانوا أقل تعصبًا يأخذون الرأي الأقوى حجةً حتّى لو كان من الكوفيين ، و( ابن مالك ) شاهد على ذلك .
وقد دخل من غير العرب في الإسلام في الاندلس ولذلك عملوا على تيسير النحو ، فقد ظهرت المتون التي يسهل حفظها ، وقد كانت الاندلس بيئة لغة وأدب وشعر، فكان النحويُّ يستعين بالشاهد القرآنيِّ والشعريِّ، ولذلك ظهرت العناية بالقراءات القرآنيّة واللغة الأدبيّة.
ومن أبرز أعلامهم ( أبو علي القالي، وابن سيدة ، وابن الطراوة ، وابن مضاء القرطبي ، وابن مالك ، وأبو حيان الاندلسي ) وغيرهم .
وقد اعتمد نحويّو الاندلس طريقة التقعيد التعليميّ نحو ألفية ابن مالك وابن آجروم ،فضلًا عن فتح باب الانتقاد في مراجعة الأبواب النحويّة ، زيادة على وجود الموسوعات في حفظ الخلاف بين الكوفيين والبصريين في المسائل النَّحويّة نحو كتاب ارتشاف الضرب وتسهيل الفوائد…
فالنّحو الاندلسيّ اتسم بالوسطية والاعتدال والأثر التعليميّ والجمع بين المذهبين الكوفيّ والبصريّ ، فضلًا عن خدمة القرآن الكريم والشعر.
النَّحو الاندلسيّ
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
النَّحو الاندلسيّ
أولًا / التَّأثيرُ والتَّأثّرُ : اختلف العلماء حول وجود المدارس النحوية اختلافًا كبيرًا ؛ فمنهم من أنكر وجودها ، ومنهم من قال بوجود مدرستين : هما مدرسة البصرة النَّحوية ومدرسة الكوفة النَّحوية ، ومنهم من قال بوجود مدارس أخرى ومنها المدرسة الاندلسيّة .
وفي هذا المقام تبرز مجموعة أسئلة متعلقة بالمذكور آنفًا، فهل صحيح قولهم : إنَّ النَّحو الاندلسيّ بدأ كوفيًا ؟ ثم عَلامَ يُطلق مصطلح (نحاة الاندلس) ؟ ومن هو أَوّل عالم نحويّ اندلسيّ؟ وكيف وصل كتاب سيبويه إلى الاندلس؟ .
لقد تأخرت الدراسات النحويّة واللغويّة في الاندلس عن مثيلاتها في المشرق العربي، وذلك بحكم تأخّر الفتح العربي الاسلامي لهذا الاقليم الذي كان بحدود ( 92ه )، وقد اختلف الباحثون في تحديد المدة الزمنية التي انتقل فيها النّحو من المشرق إلى المغرب ، فمنهم من قال: إنَّ النَّحو الاندلسي يرجع إلى القرن الثالث الهجري، ومنهم من قال :إنَّه ظهر في منتصف القرن الخامس الهجري وإنَّه نضج وتطور في القرنين السادس والسابع الهجريين ، ومنهم من قال :إنَّ النَّحو الاندلسيّ ظهر في أَوّل مؤلف وهو كتاب (الواضح في علم اللغة)لأبي بكر الزبيديّ (ت379 ه).
إنَّ أوّل عالمٍ نحويٍّ اندلسيٍّ هو جودي بن عثمان(ت198ه)الذي رحل إلى بغداد وأخذ بها عن علماء مدرسة الكوفة ولا سيما شيخا هذه المدرسة وهما ( الكسائيّ والفرّاء ) ،وظلَّ يدرس كتاب الكسائيّ بعد رجوعه إلى الاندلس. وإذا ما نظرنا إلى وفاته نجد أنَّه توفي في نهاية القرن الثاني الهجري.
وبعد ظهور النَّحو في الاندلس ما لبث أن تطور بفعل عوامل متعددة أهمها الرحلة الى الشرق ؛ فقد كان لكثير من العلماء والمشايخ الاندلسيين رحلات علمية يدفعهم إليها الحرص على علاقات الشيوخ والعلماء المعاصرين لهم في المشرق أو الرغبة في نيل الإجازة العلمية والحصول على الأسانيد العلمية .
وبفعل التواصل العلمي بين علماء الاندلس وعلماء المشرق تطورت الدراسات النَّحوية في الاندلس ولا سيما في القرنيين الخامس والسادس الهجريين ؛ إذ لم يكتفِ علماء الاندلس بالأخذ عن علماء المشرق؛ بل أصبحت لهم اختيارات وترجيحات .
ويطلق مصطلح ( نحاة الاندلس ) على فئة كبيرة من العلماء الذي غلبت عليهم العناية بالدّرس النّحويّ بمعناه الشامل المتضمن المباحث التَّصريفية والنَّحويّة . والذي عليه بعض الباحثين أنَّ هذا المصطلح يشمل كل من وُلِدَ في الاندلس وعاش مدة تسمح له بالتأثير والافادة من علماء هذا البلد.
إنَّ نحاة الاندلس قد رحلوا إلى المشرق وأخذوا عن جلِّ علمائه ، وبالمقابل رحل علماء المشرق إلى الاندلس بفعل عوامل متعددة أهمها ؛ الرغبة في الحصول على الأموال بعد أن أغدق ولاة الاندلس الأموال الطائلة في جذب علماء المشرق بسبب المنافسة الكبيرة بينهم وبين الولاة في المشرق الاسلامي ،وعلى هذا نميل الى أنَّ مصطلح (نحاة الاندلس)يشمل من وُلِدَ في الاندلس ومات فيها أو انتقل منها الى الأقاليم الاسلامية أو من رحل إلى الاندلس وكان له أثر في تطور النّحو الاندلسيّ تأليفًا وتدريسًا.
إنَّ المتتبع للدرس النَّحويِّ في الاندلس يجد أنَّه بدأ كوفيًا وشاهدنا على ذلك أنَّ أوّل عالمٍ اندلسيٍّ رحل إلى المشرق أخذ عن شيوخ المدرسة الكوفية ؛ فقد أخذ ( جودي بن عثمان ) النَّحو عن الكسائيِّ والفرّاء وهو أوّل من أدخل كتابَ الكسائيّ إلى الاندلس . وتجدر الإشارة إلى أنَّ الإفادة من المذهبِ النحويِّ الكوفيِّ لم تقتصر على الأخذ المباشر عن علماء المدرسة الكوفية في بغداد أو عن طريق كتبهم فحسب بل تعددت مصادره لتشمل كذلك الإفادة من الكتب التي عنيت بالنقل عن المذهب الكوفي مثل (الاصول لابن السراج والجمل للزجاجي وكتب الفارسي وابن جني ) وغيرها .
لقد تناول الاندلسيون هذه الكتب بالشرح والايضاح واعتمدوها في تعليم الطلبة والدارسين ولم يغب النّحو الكوفيّ عن التأثير في الساحة العلميّة الاندلسيّة في أيِّ وقت من الأوقات وإن كان هذا التأثير يخفت حينًا ويزداد حينًا أخرى .
من كل هذا يتبين أنَّ المدرسة النحويّة الاندلسية قد صبت اهتمامها بالنحو الكوفيّ منذ نشأتها .
ثانيًا / كتابُ سيبويه والنّحو الاندلسيّ :
بعد مضي مدة زمنية طويلة من العناية بالنحو الكوفيّ نُقل كتاب سيبويه إلى الاندلس. وقيل إنَّ أكبر عناية بكتاب سيبويه كانت على يد أبي عبد الله محمد بن يحيى بن عبد السلام الازديّ الرياحيّ الجيانيّ (ت 358ه) فقد رحل إلى المشرق والتقى بأبي جعفر النّحاس أكبر نحاة مصر وأخذ عنه كتاب سيبويه رواية .
ويمثل نقل كتاب سيبويه المرحلة الثانية من مراحل تطور النّحو الاندلسيّ وتطور منهجه والذي يمثل النّحو الكوفيّ مرحلته الأولى .
ثالثًا / تطور منهج النّحو الاندلسيّ : ويتحقق هذا الأمر بالأخذ عن المدرستين الكوفيّة والبصريّة وهو النهج الذي اتخذه علماء المدرسة البغدادية القائم على الاختيار من آراء نحاة الكوفة والبصرة.
ومن أشهر علمائهم ابن خروف (ت602ه)وابن عصفور الأشبيلي (ت662ه) والشلوبيين والبطليوسي (ت521ه) وابن الطراوة والسهيلي(ت583ه) وابن مالك صاحب الألفية .
وبذلك يكون النّحو الاندلسيّ امتدادًا لمدرستي النّحو في الكوفة والبصرة ، ولكنه اتسم بطابع خاص امتزج ببيئتهم وظروفهم العلميّة والثقافيّة ، فهو ليس مذهبًا جديدًا مثل الكوفيين والبصريين ، فقد جمعوا بين المذهبين وكانوا أقل تعصبًا يأخذون الرأي الأقوى حجةً حتّى لو كان من الكوفيين ، و( ابن مالك ) شاهد على ذلك .
وقد دخل من غير العرب في الإسلام في الاندلس ولذلك عملوا على تيسير النحو ، فقد ظهرت المتون التي يسهل حفظها ، وقد كانت الاندلس بيئة لغة وأدب وشعر، فكان النحويُّ يستعين بالشاهد القرآنيِّ والشعريِّ، ولذلك ظهرت العناية بالقراءات القرآنيّة واللغة الأدبيّة.
ومن أبرز أعلامهم ( أبو علي القالي، وابن سيدة ، وابن الطراوة ، وابن مضاء القرطبي ، وابن مالك ، وأبو حيان الاندلسي ) وغيرهم .
وقد اعتمد نحويّو الاندلس طريقة التقعيد التعليميّ نحو ألفية ابن مالك وابن آجروم ،فضلًا عن فتح باب الانتقاد في مراجعة الأبواب النحويّة ، زيادة على وجود الموسوعات في حفظ الخلاف بين الكوفيين والبصريين في المسائل النَّحويّة نحو كتاب ارتشاف الضرب وتسهيل الفوائد…
فالنّحو الاندلسيّ اتسم بالوسطية والاعتدال والأثر التعليميّ والجمع بين المذهبين الكوفيّ والبصريّ ، فضلًا عن خدمة القرآن الكريم والشعر.
د. سمیر الخلیل
سعاد المرنيصي
شاکر السلمان
التعليقات