(هان شرزمان) تجريب قصصي على مستوى الشكل والمضمون!

صورة الكاتب
بقلم: سالم بخشي
التاريخ: 28 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 3773
(هان شرزمان) تجريب قصصي على مستوى الشكل والمضمون!

عوّدنا الناقد القدير، إسماعيل ابراهيم عبد، أن يقدم لنا دراسات نقدية رصينة في السرد والشعر، تتصف بالتجريب والتحديث، بما يكفي لتأسيس نظريات، وتخليق مصطلحات أدبية جديدة، وضعها وابتكرها الكاتب ذاته؛ لمواكبة هذا الكم الهائل من الدراسات النقدية المهمة.
يبدو أن هذا الأمر من التجريب والتحديث، انسحب على كتابه القصصي الموسّم: (هان شرزمان) الصادر عن مؤسسة ثائر العصامي للنشر/ الطبعة الثانية، مطبوعات العام 2021.
كي يضعنا في الصورة؛ قدّم لنا الكاتب في مهاده النظري، معرّفًا القص الصوري- فوتو قص- الذي كتب بموجبه قصصه القصيرة: ((القص الصوري بحسب ما نريده، وما يخص اللغة: تزود بطاقة إيقاع لفظي، ودلالي، لما عليه الواقعية السرّدية من مضمون، ليكون للسرد نظام إيقاعي حدثي، تتحقق مباغي هذا الايقاع، لا بالتكرار، إنما بتطوير الأفكار على أعقاب التقابل الفني، والقيمي للبيئة وعناصر احيائها)). الصفحة رقم (9).
رغم هذا التعريف الفخم، وما أعقبه من توضيح تفصيلي؛ لتبرير كتابه بطريقة القص الصوري، فهو لا يخرج عن سياق تقديم تجربة سردية مختلفة على مستوى الشكل والمضمون، مغايرة بالضرورة عما ألفناه من قراءاتنا السابقة للسرد القصصي. فهل نجح في ذلك، وهل قدّم لنا مبررات جمالية كافية، دعته للكتابة بهذه الطريقة المتفرّدة؟!
إن أية صورة فوتوغرافية مجردة، تتكون بالضرورة من عناصر معينة، سواء أكانت هذه العناصر أشكالاً بشرية، أو حيوانية، أو حتى أشكالاً من الجمادات والطبيعة الصامتة، أو المناظر الطبيعية، أو أية عناصر أخرى يمكن أن نتخيلها، وهي لا عد لها ولا حصر، تحيط بنا ونتعايش معها. هذه الصورة عبارة عن مقطع عرضي، بزاوية نظر معينة – غالبًا عمودية- تقتطع في زمان ما، ومكان ما، لغرض ما، وتنتقل مع مالكها إلى أزمنة وعوالم لاحقة؛ لتفي بالغرض الذي التقطت من أجله، كأن تكون: ذكرى شخصية، أو عائلية، أو اجتماعية – صور الأصدقاء والتخرج الجامعي- أو من أجل منشور صحفي ورقي أو إلكتروني، وأحيانًا من أجل غايات وبحوث علمية، وربما من أجل أغراض عسكرية واستخباراتية، وغايات أخرى لا عد لها كذلك ولا حصر..
وعندما نتأملها لاحقًا بعد مرور الزمن، يمكن أن تثير فينا بعض المشاعر والإيحاءات، وربما بعض المتعة، وتذكرنا ببعض المواقف والقصص لكن لا يمكن لهذه الصور وبأي حال من الأحوال، أن تحل محل القصة ذاتها، وتنتحل الوظيفة السردية لها؛ كون الأدوات السردية للقصة من لغة وأفكار- شكل ومضمون- مغايرة تمامًا للأدوات المادية– الورق والألوان وربما مواد التحميض الكيمائية- التي تتكون منها الصورة الفوتوغرافية المجردة.
وليس هناك مجال أن تتحرك هذه الصورة الفوتوغرافية الجامدة، وتؤدي وظيفة سردية مباشرة في القصة، وليس أمامها سوى أن يدرجها القاص في متن القصة؛ لتؤدي وظيفة غير مباشرة، تحتمها ثيمة القصة ذاتها. وليس لهذا القاص مهما أوتي من حرفنة وبراعة، أن يحوّل النص القصصي ذاته إلى قص صوري، ولن تؤدي وتنتهي محاولاته إلا إلى نوع من التجريب القصصي الحديث، وقد يكون ممتعًا لكن بعيدًا عن القص الصوري الذي أشار إليه القاص في مقدمة كتابه.
لكي نقرب الفهم للمتلقي؛ سأقوم بإدراج مثال شخصي سريع– لأهميته- قبل أن نستعرض لاحقًا مثالاً تطبيقيًا من المجموعة ذاتها. في إحدى قصصي القصيرة المعنونة (صورة عائلية) أدرج فيها صورة فوتوغرافية، تحتوي على عناصر بشرية، لعائلة عراقية- كما يشي العنوان- في زمن النظام البائد، ولم أفصح عن مصير بقية أفراد العائلة المنكوبة، إلا بعد تمهيد سردي مناسب؛ ليشكل الكشف الأخير الضربة القصصية المناسبة لنهاية القصة. ولا يمكن لي أو أي قاص آخر أن يتصرف بطريقة مغايرة، الطريقة التي تتمثل في إدراج الصورة في متن القصة وحتى الرواية، بما يخدم الثيمة فيها، وأية محاولة خارج هذا الإطار، يعني إدراج قصة جديدة، بعيدًا عن الصورة الفوتوغرافية المجردة.
الأمر أشبه بمشاهدتنا لصورة فوتوغرافية معلقة وسط جدار. لنفترض أن الصورة تجمع بين العناصر البشرية، والجمادات في منظر طبيعي مبهر: مجموعة من البحارة في استراحة غداء على متن سفينة مبحرة في بحر فيروزي هادئ.. ما أن نشاهد هذا المنظر حتى تتشكل علاقة جمالية تثير في نفوسنا الرضا والحبور، وهناك نظريات جمالية تفسر هذه العلاقة، لسنا بصددها الآن. لكن يمكن لهذه الصورة أن تغذي خيالنا، وتدفعنا أحيانًا لبعض الايحاءات والتكهنات.. وينتهي الأمر. لكن ماذا ينتابنا لو دبّت الحياة في عناصر الصورة فجأة، وبدأت السفينة تمخر عباب البحر، وصرنا نسمع قهقهات البحارة وهم يتناولون طعامهم مطمئنين.. لا بأس، لا يمكن للصورة إلا أن توحي بهذه التوقعات البسيطة، ولا تخرج الصورة الفوتوغرافية عن وظيفتها الإمتاعية والجمالية. لكن ماذا لو حدث أمر جلل، وقلب المشهد بالكامل، وظهر حوت عملاق، مهاجمًا السفينة، ومرتطمًا بها بقوة! بالتأكيد سينهي هذا الحدث المرحلة التمهيدية، أو ما يعرف بالقص الصوري، ويدخلنا في صلب قصة حيوية جديدة، تحيل كل المصطلحات الأخرى، بما فيها القص الصوري إلى الفناء.
لو تفحصنا القصص الواردة في (هان شرزمان) لوجدنا معظمها لا يخرج عن هذا السياق.
مثال تطبيقي
قصة (واجهة تسلل) الصفحة رقم 28 من الكتاب
عند نهاية ورقة المتسلق، تستقر بلونها الأصفر أو البني أو ربما البني الغامق.. كأنها تزدهي بلونها الجبلي..
وبلونها الجذاب تعطي عنقود عنب لاصف، مغر، يكاد يبزّ حلمات عذارى التين المجاورة، وثوبًا وشهية.. إنها تغطي سويقات غصن بهي، تتنازع العصافير للنوم عليه، بل أن بعضها ينام معلقًا برجل واحدة بما يشبه النوم بأرجوحة..
(هنا تشعر أن القاص يرسم بالكلمات، ويمنح ورقة المتسلق، لونًا ووجودًا بهيًا، ومعنى لما يجاورها من نبات وطيور)
قبل هذا وذاك، كانت تجاور برعمًا، لولا تظليلها إياه من أشعة الشمس، لمات يباسًا، إنها تحنو عليه، تبعث بنسغ غذائها إليه قبل أن تتغذى.. تلتف حوله لتخلصه من نمل الجذوع، وحشرة الارضة.
(القاص يكشف عن مهمة نبيلة تقوم بها الورقة من خلال حمايتها لبرعم صغير يجاورها، لدرجة أنها تمنحه غذائها، وربما هنا استعارة مضمرة، لما يبذله بعض الناس النبلاء من تضحيات في حماية الآخرين)
كانت زاهية، فرحة، سامقة، متناسقة الألوان، خضراء داكنة إلى خضراء فاتحة، حتى الزهرة القريبة منها، كانت ترتكن بأهدابها على خدها.. لا تمل من نومها طيلة القيلولة – ولأشهر- تحت ظلها.
(حتى هذه اللحظة، الأمر يسير بسلاسة وأمان، ولا يخرج النسق السردي عن تقديم لوحة زاهية، تصور عناصر نباتية وحيوانية في حالة ائتلاف ووئام، ولك أن تطلق عليها ما تشاء: قص صوري، أو صورة فوتوغرافية مفعمة بالسحر والجمال.. لكن هل يستمر الأمر هكذا حتى النهاية، إذا أردنا أن نصنف كتابتنا على أنه سرد قصصي؟!)
لقد بوغتت بقرصة ما، قد تكون (لزاحف) أو يرقة ما، أو طفيلية أو فك ريح السموم، أو غضب ماء مالح، أو ضربة حمقاء لحاسد، أو قضمة لحرة هائجة، أو هاوية ما.. أو.. أو.. أو…
(هناء تنقلب الصورة السردية التمهيدية الفاترة إلى قصة ما، لدخول الحدث المهم الذي منحها هذا الامتياز، باعتبار لا توجد قصة من دون حدث، رغم الفاعل المبهم، الذي قام بالحدث، وعبر عنه المؤلف بتكهنات شتى، كسب به فضولنا لمعرفته)
وهي في طريقها لتغيير الألوان نحو الأصفر ثم البني الجبلي، سيصير تراجعها إلى ما لا تدريه..
قبل هذا استقر يقينها على أن قرصتها جاءت من متسلق دنا غصنها وأخفى فأرة لتقرضها.
(في نهاية المطاف، نكتشف المجرم الذي قام بجريمة القرض – فأرة متسللة- والتي جعلت ورقة المتسلق، تسير ببطء نحو نهاتها المفجعة، على الرغم من وجودها النبيل، وهنا استعارة مضمرة جديدة، تشير للقدر الظالم الذي يحصد أرواح النبلاء على أيدي الطفيليين الجهلة أحيانًا، رغم أهمية وجودهم بالنسبة للآخرين، وربما هناك تأويلات أخرى يمكن أن نستشفها؛ إذا ما أمعنا النظر فيها بروية).
لقد تمكن الكاتب البديع اسماعيل ابراهيم عبد، منحنا نمطًا قصصيًا تجريبيًا معاصرًا، تبدو للوهلة الأولى بسيطة، ومباشرة لكن عند التمعن فيها، نكتشف أنها تضمر أفكارًا ورؤى فلسفية عميقة، تنفتح على تأويلات عديدة، وقضايا مهمة، درجها بإيقاعات لفظية متنوعة- غاية في الروعة- تتماهى مع القصيدة الشعرية في كثير من الأحيان.

 

 

عن الکاتب / الکاتبة

سالم بخشي
سالم بخشي
ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


(هان شرزمان) تجريب قصصي على مستوى الشكل والمضمون!

بقلم: سالم بخشي | التاريخ: 28 أكتوبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

عوّدنا الناقد القدير، إسماعيل ابراهيم عبد، أن يقدم لنا دراسات نقدية رصينة في السرد والشعر، تتصف بالتجريب والتحديث، بما يكفي لتأسيس نظريات، وتخليق مصطلحات أدبية جديدة، وضعها وابتكرها الكاتب ذاته؛ لمواكبة هذا الكم الهائل من الدراسات النقدية المهمة.
يبدو أن هذا الأمر من التجريب والتحديث، انسحب على كتابه القصصي الموسّم: (هان شرزمان) الصادر عن مؤسسة ثائر العصامي للنشر/ الطبعة الثانية، مطبوعات العام 2021.
كي يضعنا في الصورة؛ قدّم لنا الكاتب في مهاده النظري، معرّفًا القص الصوري- فوتو قص- الذي كتب بموجبه قصصه القصيرة: ((القص الصوري بحسب ما نريده، وما يخص اللغة: تزود بطاقة إيقاع لفظي، ودلالي، لما عليه الواقعية السرّدية من مضمون، ليكون للسرد نظام إيقاعي حدثي، تتحقق مباغي هذا الايقاع، لا بالتكرار، إنما بتطوير الأفكار على أعقاب التقابل الفني، والقيمي للبيئة وعناصر احيائها)). الصفحة رقم (9).
رغم هذا التعريف الفخم، وما أعقبه من توضيح تفصيلي؛ لتبرير كتابه بطريقة القص الصوري، فهو لا يخرج عن سياق تقديم تجربة سردية مختلفة على مستوى الشكل والمضمون، مغايرة بالضرورة عما ألفناه من قراءاتنا السابقة للسرد القصصي. فهل نجح في ذلك، وهل قدّم لنا مبررات جمالية كافية، دعته للكتابة بهذه الطريقة المتفرّدة؟!
إن أية صورة فوتوغرافية مجردة، تتكون بالضرورة من عناصر معينة، سواء أكانت هذه العناصر أشكالاً بشرية، أو حيوانية، أو حتى أشكالاً من الجمادات والطبيعة الصامتة، أو المناظر الطبيعية، أو أية عناصر أخرى يمكن أن نتخيلها، وهي لا عد لها ولا حصر، تحيط بنا ونتعايش معها. هذه الصورة عبارة عن مقطع عرضي، بزاوية نظر معينة – غالبًا عمودية- تقتطع في زمان ما، ومكان ما، لغرض ما، وتنتقل مع مالكها إلى أزمنة وعوالم لاحقة؛ لتفي بالغرض الذي التقطت من أجله، كأن تكون: ذكرى شخصية، أو عائلية، أو اجتماعية – صور الأصدقاء والتخرج الجامعي- أو من أجل منشور صحفي ورقي أو إلكتروني، وأحيانًا من أجل غايات وبحوث علمية، وربما من أجل أغراض عسكرية واستخباراتية، وغايات أخرى لا عد لها كذلك ولا حصر..
وعندما نتأملها لاحقًا بعد مرور الزمن، يمكن أن تثير فينا بعض المشاعر والإيحاءات، وربما بعض المتعة، وتذكرنا ببعض المواقف والقصص لكن لا يمكن لهذه الصور وبأي حال من الأحوال، أن تحل محل القصة ذاتها، وتنتحل الوظيفة السردية لها؛ كون الأدوات السردية للقصة من لغة وأفكار- شكل ومضمون- مغايرة تمامًا للأدوات المادية– الورق والألوان وربما مواد التحميض الكيمائية- التي تتكون منها الصورة الفوتوغرافية المجردة.
وليس هناك مجال أن تتحرك هذه الصورة الفوتوغرافية الجامدة، وتؤدي وظيفة سردية مباشرة في القصة، وليس أمامها سوى أن يدرجها القاص في متن القصة؛ لتؤدي وظيفة غير مباشرة، تحتمها ثيمة القصة ذاتها. وليس لهذا القاص مهما أوتي من حرفنة وبراعة، أن يحوّل النص القصصي ذاته إلى قص صوري، ولن تؤدي وتنتهي محاولاته إلا إلى نوع من التجريب القصصي الحديث، وقد يكون ممتعًا لكن بعيدًا عن القص الصوري الذي أشار إليه القاص في مقدمة كتابه.
لكي نقرب الفهم للمتلقي؛ سأقوم بإدراج مثال شخصي سريع– لأهميته- قبل أن نستعرض لاحقًا مثالاً تطبيقيًا من المجموعة ذاتها. في إحدى قصصي القصيرة المعنونة (صورة عائلية) أدرج فيها صورة فوتوغرافية، تحتوي على عناصر بشرية، لعائلة عراقية- كما يشي العنوان- في زمن النظام البائد، ولم أفصح عن مصير بقية أفراد العائلة المنكوبة، إلا بعد تمهيد سردي مناسب؛ ليشكل الكشف الأخير الضربة القصصية المناسبة لنهاية القصة. ولا يمكن لي أو أي قاص آخر أن يتصرف بطريقة مغايرة، الطريقة التي تتمثل في إدراج الصورة في متن القصة وحتى الرواية، بما يخدم الثيمة فيها، وأية محاولة خارج هذا الإطار، يعني إدراج قصة جديدة، بعيدًا عن الصورة الفوتوغرافية المجردة.
الأمر أشبه بمشاهدتنا لصورة فوتوغرافية معلقة وسط جدار. لنفترض أن الصورة تجمع بين العناصر البشرية، والجمادات في منظر طبيعي مبهر: مجموعة من البحارة في استراحة غداء على متن سفينة مبحرة في بحر فيروزي هادئ.. ما أن نشاهد هذا المنظر حتى تتشكل علاقة جمالية تثير في نفوسنا الرضا والحبور، وهناك نظريات جمالية تفسر هذه العلاقة، لسنا بصددها الآن. لكن يمكن لهذه الصورة أن تغذي خيالنا، وتدفعنا أحيانًا لبعض الايحاءات والتكهنات.. وينتهي الأمر. لكن ماذا ينتابنا لو دبّت الحياة في عناصر الصورة فجأة، وبدأت السفينة تمخر عباب البحر، وصرنا نسمع قهقهات البحارة وهم يتناولون طعامهم مطمئنين.. لا بأس، لا يمكن للصورة إلا أن توحي بهذه التوقعات البسيطة، ولا تخرج الصورة الفوتوغرافية عن وظيفتها الإمتاعية والجمالية. لكن ماذا لو حدث أمر جلل، وقلب المشهد بالكامل، وظهر حوت عملاق، مهاجمًا السفينة، ومرتطمًا بها بقوة! بالتأكيد سينهي هذا الحدث المرحلة التمهيدية، أو ما يعرف بالقص الصوري، ويدخلنا في صلب قصة حيوية جديدة، تحيل كل المصطلحات الأخرى، بما فيها القص الصوري إلى الفناء.
لو تفحصنا القصص الواردة في (هان شرزمان) لوجدنا معظمها لا يخرج عن هذا السياق.
مثال تطبيقي
قصة (واجهة تسلل) الصفحة رقم 28 من الكتاب
عند نهاية ورقة المتسلق، تستقر بلونها الأصفر أو البني أو ربما البني الغامق.. كأنها تزدهي بلونها الجبلي..
وبلونها الجذاب تعطي عنقود عنب لاصف، مغر، يكاد يبزّ حلمات عذارى التين المجاورة، وثوبًا وشهية.. إنها تغطي سويقات غصن بهي، تتنازع العصافير للنوم عليه، بل أن بعضها ينام معلقًا برجل واحدة بما يشبه النوم بأرجوحة..
(هنا تشعر أن القاص يرسم بالكلمات، ويمنح ورقة المتسلق، لونًا ووجودًا بهيًا، ومعنى لما يجاورها من نبات وطيور)
قبل هذا وذاك، كانت تجاور برعمًا، لولا تظليلها إياه من أشعة الشمس، لمات يباسًا، إنها تحنو عليه، تبعث بنسغ غذائها إليه قبل أن تتغذى.. تلتف حوله لتخلصه من نمل الجذوع، وحشرة الارضة.
(القاص يكشف عن مهمة نبيلة تقوم بها الورقة من خلال حمايتها لبرعم صغير يجاورها، لدرجة أنها تمنحه غذائها، وربما هنا استعارة مضمرة، لما يبذله بعض الناس النبلاء من تضحيات في حماية الآخرين)
كانت زاهية، فرحة، سامقة، متناسقة الألوان، خضراء داكنة إلى خضراء فاتحة، حتى الزهرة القريبة منها، كانت ترتكن بأهدابها على خدها.. لا تمل من نومها طيلة القيلولة – ولأشهر- تحت ظلها.
(حتى هذه اللحظة، الأمر يسير بسلاسة وأمان، ولا يخرج النسق السردي عن تقديم لوحة زاهية، تصور عناصر نباتية وحيوانية في حالة ائتلاف ووئام، ولك أن تطلق عليها ما تشاء: قص صوري، أو صورة فوتوغرافية مفعمة بالسحر والجمال.. لكن هل يستمر الأمر هكذا حتى النهاية، إذا أردنا أن نصنف كتابتنا على أنه سرد قصصي؟!)
لقد بوغتت بقرصة ما، قد تكون (لزاحف) أو يرقة ما، أو طفيلية أو فك ريح السموم، أو غضب ماء مالح، أو ضربة حمقاء لحاسد، أو قضمة لحرة هائجة، أو هاوية ما.. أو.. أو.. أو…
(هناء تنقلب الصورة السردية التمهيدية الفاترة إلى قصة ما، لدخول الحدث المهم الذي منحها هذا الامتياز، باعتبار لا توجد قصة من دون حدث، رغم الفاعل المبهم، الذي قام بالحدث، وعبر عنه المؤلف بتكهنات شتى، كسب به فضولنا لمعرفته)
وهي في طريقها لتغيير الألوان نحو الأصفر ثم البني الجبلي، سيصير تراجعها إلى ما لا تدريه..
قبل هذا استقر يقينها على أن قرصتها جاءت من متسلق دنا غصنها وأخفى فأرة لتقرضها.
(في نهاية المطاف، نكتشف المجرم الذي قام بجريمة القرض – فأرة متسللة- والتي جعلت ورقة المتسلق، تسير ببطء نحو نهاتها المفجعة، على الرغم من وجودها النبيل، وهنا استعارة مضمرة جديدة، تشير للقدر الظالم الذي يحصد أرواح النبلاء على أيدي الطفيليين الجهلة أحيانًا، رغم أهمية وجودهم بالنسبة للآخرين، وربما هناك تأويلات أخرى يمكن أن نستشفها؛ إذا ما أمعنا النظر فيها بروية).
لقد تمكن الكاتب البديع اسماعيل ابراهيم عبد، منحنا نمطًا قصصيًا تجريبيًا معاصرًا، تبدو للوهلة الأولى بسيطة، ومباشرة لكن عند التمعن فيها، نكتشف أنها تضمر أفكارًا ورؤى فلسفية عميقة، تنفتح على تأويلات عديدة، وقضايا مهمة، درجها بإيقاعات لفظية متنوعة- غاية في الروعة- تتماهى مع القصيدة الشعرية في كثير من الأحيان.