(اللغة عورة الجهّال)

صورة الكاتب
بقلم: دیار الخفاجي
التاريخ: 27 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 2171
(اللغة عورة الجهّال)

أخذت بعض الجهات التعليمية المحلية والخارجية بتصدير شهادات عليا إلى أفراد لا يمتلكون الحد الأدنى من الكفاءة التي تؤهلهم لشغل المسمّى الوظيفي اللائق، ولا القدرة التي تجعل منهم شخوص بنّائين يُشدّ بهم العزم.

إلا أن النقطة السوداء لا تقف عند هذا الحد، بل تتجاوزها إلى أهلّية حامل تلك الورقة المزيفة؛ إذ لا تُقاس الأهلية بما دفعه صاحبها، أو بما قدّمه إلى بعض اللجان، بل بما يمتلكه من رصانةٍ علميةٍ وكفاءة حقيقية.

فالمؤسسات الرصينة لا تكتفي بمنح التقديرات بقدر ما تقف على جاهزية أصحابها وأهلِّيتهم العلمية واللغوية، وما يمكن أن يقدموه مستقبلًا.

غير أن المشهد الأكاديمي بات يعجّ بالكثير من الهواة الذين تخلو مداركهم من أساسيات المعرفة، ولا يمتلكون من أدوات الاختصاص ما يؤهلهم للتصدر أو الإلمام بقواعدها.

حتى استغلوا ضعف بعض المؤسسات وانشغالها بالجانب الربحي، فتوهموا أن المحصلة الشكلية التي جاؤا بها ستكون بضاعةً رابحة تؤتيهم أكلها في الوظيفة والوجاهة والترّقي من دون أدنى التفات إلى خطورة ذلك في تنشئة الأجيال.

فكيف لمؤسساتٍ أكاديمية أن تمنح شهادات عُليا لباحثين لم يرَوا جامعاتهم إلا مرتين أو ثلاثًا وفي فترات متباعدة، لم تكن تلك الزيارات إلا لتسديد المتطلبات النفعية وإنجاز الإجراءات الورقية، لا لطلب العلم أو ممارسة البحث العلمي بصورته الفعلية؟
وعند الحصاد يتساوى الحابل بالنابل، وتهدر قيمة الشهادة، وتتراجع مكانة الأكاديمية والبحث العلمي.

ونتيجة لغياب العنصر الكفوء في بعض المؤسسات التعليمية أخذت تُخرِّج أجيال في مختلف التخصصات تفتقر إلى الأهلِّية اللغوية الأساسية.
وهو ما نشهده اليوم في عدد من مرافق مختلفة في الدولة.
إذ لا يجيد كثير من العاملين فيها الكتابة السليمة، حتى أضحت بعض الكتب الرسمية لا تخلو من الأخطاء اللغوية والإملائية الفادحة، ناهيك عما تنشره المنصات الرقمية والصحف الورقية أو ما يُنشر في صفحات التواصل الاجتماعي من نصوص لأفراد يدّعون امتلاك مهارة الكتابة وموهبة الشعر أو السرد أو كتابة السيناريست، وهم لا يميزون بين الهاء والتاء المربوطة، أو بين الضاد والظاء،وهمزة الوصل والقطع…
ويكتبون وفق ما يلفظون بالرغم من محصلاتهم العلمية والأكاديمية.

ولو عملت كل وزارة أو مؤسسة على تأهيل موظفيها لغويًا لما بلغنا هذا القدر من الفوضى.
ولو حرصت الجامعات على تأهيل طلبتها إملائيًا ونحويًا، لكان ذلك من المزايا التي تُحسب لها، ولسبقت غيرها في أداء رسالتها، وأسهمت في إنتاج جيل من البنّائين الذين يدركون خطورة الخطأ ويعرفون أن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون وسيلة للتعبير.

إن قبول الأفراد في المؤسسات التربوية والأكاديميةوحتى الأدبية ينبغي أن يراعي الحد الأدنى من سلامة اللغة والقدرة على التعبير للفرد المراد قبوله، ولا سيما في التخصصات التي تقوم رسالتها على التعليم والبحث والكتابة.

فالشهادة قبل أن تكون ورقة خُطّت عليها أرقام بالحبر هي شرف لحاملها، وأمانة في عنقه، وسمعة للمؤسسة التي أصدرتها، ومسؤولية تجاه العلم والمجتمع.

إن الخلل الشائع يكمن في النظرة النفعية المحدودة إلى الشهادة من قبل صاحبها والجهة المانحة؛ إذ يُنظر إليها أحيانًا بوصفها وسيلة للتكسب، أو للوجاهة الاجتماعية المقترنة باللقب العلمي، أو طريقًا إلى زيادة المرتب، بدل أن تكون ثمرةً لنمو عقلي ومعرفي حقيقي.

وحين يتعلق الأمر بشخص يتصدر منصة أكاديمية أو يتولى تعليم الآخرين، أو عضوًا في مؤسسة أدبية يصبح أثر الخلل أكثر خطورة؛ فالمعلم والأستاذ والأديب لا ينقلان المعرفة فحسب، بل يقدمان نموذجًا لغويًا وفكريًا للمتلقّين.
ومن هنا فإن وقوع بعض أصحاب الشهادات العليا في أخطاء إملائية ولغوية فادحة لا يمثل مجرد هفوة عابرة، بل يثير أسئلة مشروعة حول مستوى التأهيل الذي حصلوا عليه، وحول جدوى منظومة تعليمية تسمح بمرور صاحب الشهادة من مراحلها المختلفة دون أن يمتلك أدوات لغته الأساسية.

فكيف ننتظر من الخطّائين و الطارئين والدخلاء، أن يعلّموا أجيالًا جديدة آلية الكتابة السليمة، وأن يكونوا مرجعًا لهم في المعرفة واللغة؟

ليست المشكلة في الخطأ العابر، فالخطأ من طبيعة البشر.
إنما المشكلة حين يتحول الخطأ إلى علامة على خلل أعمق، وحين تصبح الشهادة غطاءً لقصور لا يُراد الاعتراف به، وحين يتقدم حاملها إلى مواقع مؤثرة دون أن يمتلك الحد الأدنى من أدواتها.
عندها لا تعود القضية قضية ورقة تحمل ختم مؤسسة، ولا لقب يسبق الاسم، بل قضية علم وأمانة ومستقبل أجيال.

وهنا فقط تنكشف الحقيقة التي حاولت الشهادة أن تسترها؛ فاللغة عورة الجُهّال.

عن الکاتب / الکاتبة

دیار الخفاجي
دیار الخفاجي
شاعر ومدرس اللغة/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

ظاهرة الشكل وانعدام الموهبة

ظاهرة الشكل وانعدام الموهبة

  في الآونة الأخيرة أخذت ظاهرة الشكل تطفو فوق سطح الموهبة؛ لما يحمله المظهر من…

صورة الكاتب دیار الخفاجي
3 أكتوبر 2026
اقرأ المزيد
“صلاة الوحشة”

“صلاة الوحشة”

صلاة الوحشة   لا مناديلَ كورقِ البردي تُجففُ أعين الجنوبيات وفاءً منهنَّ للهور صفّارةُ الإنذارِ…

صورة الكاتب دیار الخفاجي
23 أبريل 2026
اقرأ المزيد
” بين كَفَّتَين “

” بين كَفَّتَين “

( بين كَفَّتَين ) ما بالُكَ أيُّها المنسيُّ بينَ مرأى ومسمعٍ تجوبُ الدجى… لا يدَ…

صورة الكاتب دیار الخفاجي
5 يناير 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


(اللغة عورة الجهّال)

بقلم: دیار الخفاجي | التاريخ: 27 أكتوبر 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

أخذت بعض الجهات التعليمية المحلية والخارجية بتصدير شهادات عليا إلى أفراد لا يمتلكون الحد الأدنى من الكفاءة التي تؤهلهم لشغل المسمّى الوظيفي اللائق، ولا القدرة التي تجعل منهم شخوص بنّائين يُشدّ بهم العزم.

إلا أن النقطة السوداء لا تقف عند هذا الحد، بل تتجاوزها إلى أهلّية حامل تلك الورقة المزيفة؛ إذ لا تُقاس الأهلية بما دفعه صاحبها، أو بما قدّمه إلى بعض اللجان، بل بما يمتلكه من رصانةٍ علميةٍ وكفاءة حقيقية.

فالمؤسسات الرصينة لا تكتفي بمنح التقديرات بقدر ما تقف على جاهزية أصحابها وأهلِّيتهم العلمية واللغوية، وما يمكن أن يقدموه مستقبلًا.

غير أن المشهد الأكاديمي بات يعجّ بالكثير من الهواة الذين تخلو مداركهم من أساسيات المعرفة، ولا يمتلكون من أدوات الاختصاص ما يؤهلهم للتصدر أو الإلمام بقواعدها.

حتى استغلوا ضعف بعض المؤسسات وانشغالها بالجانب الربحي، فتوهموا أن المحصلة الشكلية التي جاؤا بها ستكون بضاعةً رابحة تؤتيهم أكلها في الوظيفة والوجاهة والترّقي من دون أدنى التفات إلى خطورة ذلك في تنشئة الأجيال.

فكيف لمؤسساتٍ أكاديمية أن تمنح شهادات عُليا لباحثين لم يرَوا جامعاتهم إلا مرتين أو ثلاثًا وفي فترات متباعدة، لم تكن تلك الزيارات إلا لتسديد المتطلبات النفعية وإنجاز الإجراءات الورقية، لا لطلب العلم أو ممارسة البحث العلمي بصورته الفعلية؟
وعند الحصاد يتساوى الحابل بالنابل، وتهدر قيمة الشهادة، وتتراجع مكانة الأكاديمية والبحث العلمي.

ونتيجة لغياب العنصر الكفوء في بعض المؤسسات التعليمية أخذت تُخرِّج أجيال في مختلف التخصصات تفتقر إلى الأهلِّية اللغوية الأساسية.
وهو ما نشهده اليوم في عدد من مرافق مختلفة في الدولة.
إذ لا يجيد كثير من العاملين فيها الكتابة السليمة، حتى أضحت بعض الكتب الرسمية لا تخلو من الأخطاء اللغوية والإملائية الفادحة، ناهيك عما تنشره المنصات الرقمية والصحف الورقية أو ما يُنشر في صفحات التواصل الاجتماعي من نصوص لأفراد يدّعون امتلاك مهارة الكتابة وموهبة الشعر أو السرد أو كتابة السيناريست، وهم لا يميزون بين الهاء والتاء المربوطة، أو بين الضاد والظاء،وهمزة الوصل والقطع…
ويكتبون وفق ما يلفظون بالرغم من محصلاتهم العلمية والأكاديمية.

ولو عملت كل وزارة أو مؤسسة على تأهيل موظفيها لغويًا لما بلغنا هذا القدر من الفوضى.
ولو حرصت الجامعات على تأهيل طلبتها إملائيًا ونحويًا، لكان ذلك من المزايا التي تُحسب لها، ولسبقت غيرها في أداء رسالتها، وأسهمت في إنتاج جيل من البنّائين الذين يدركون خطورة الخطأ ويعرفون أن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون وسيلة للتعبير.

إن قبول الأفراد في المؤسسات التربوية والأكاديميةوحتى الأدبية ينبغي أن يراعي الحد الأدنى من سلامة اللغة والقدرة على التعبير للفرد المراد قبوله، ولا سيما في التخصصات التي تقوم رسالتها على التعليم والبحث والكتابة.

فالشهادة قبل أن تكون ورقة خُطّت عليها أرقام بالحبر هي شرف لحاملها، وأمانة في عنقه، وسمعة للمؤسسة التي أصدرتها، ومسؤولية تجاه العلم والمجتمع.

إن الخلل الشائع يكمن في النظرة النفعية المحدودة إلى الشهادة من قبل صاحبها والجهة المانحة؛ إذ يُنظر إليها أحيانًا بوصفها وسيلة للتكسب، أو للوجاهة الاجتماعية المقترنة باللقب العلمي، أو طريقًا إلى زيادة المرتب، بدل أن تكون ثمرةً لنمو عقلي ومعرفي حقيقي.

وحين يتعلق الأمر بشخص يتصدر منصة أكاديمية أو يتولى تعليم الآخرين، أو عضوًا في مؤسسة أدبية يصبح أثر الخلل أكثر خطورة؛ فالمعلم والأستاذ والأديب لا ينقلان المعرفة فحسب، بل يقدمان نموذجًا لغويًا وفكريًا للمتلقّين.
ومن هنا فإن وقوع بعض أصحاب الشهادات العليا في أخطاء إملائية ولغوية فادحة لا يمثل مجرد هفوة عابرة، بل يثير أسئلة مشروعة حول مستوى التأهيل الذي حصلوا عليه، وحول جدوى منظومة تعليمية تسمح بمرور صاحب الشهادة من مراحلها المختلفة دون أن يمتلك أدوات لغته الأساسية.

فكيف ننتظر من الخطّائين و الطارئين والدخلاء، أن يعلّموا أجيالًا جديدة آلية الكتابة السليمة، وأن يكونوا مرجعًا لهم في المعرفة واللغة؟

ليست المشكلة في الخطأ العابر، فالخطأ من طبيعة البشر.
إنما المشكلة حين يتحول الخطأ إلى علامة على خلل أعمق، وحين تصبح الشهادة غطاءً لقصور لا يُراد الاعتراف به، وحين يتقدم حاملها إلى مواقع مؤثرة دون أن يمتلك الحد الأدنى من أدواتها.
عندها لا تعود القضية قضية ورقة تحمل ختم مؤسسة، ولا لقب يسبق الاسم، بل قضية علم وأمانة ومستقبل أجيال.

وهنا فقط تنكشف الحقيقة التي حاولت الشهادة أن تسترها؛ فاللغة عورة الجُهّال.