الإبداع الشعري والمتخيل الإبداعي
الشعر فن إبداعي أساسه اللغة والشعور والرؤية ، إنه فن تشترك فيها سائر الأمم والحضارات ، ولكنه عند العرب ديوانهم ، وعلامتهم المميزة الأولى في عالمهم الإبداعي ، منذ الجاهلية إلى يومنا ، فالعلاقة بين الشعر والحياة والناس والأشياء تضرب بجذورها في المخيلة الإبداعية العربية ، مثلما هي مؤصلة في الوجدان الجمعي والفردي العربي . فإذا امتلك الشاعر أدواته الشعرية ، كان عليه أن يتخيل، أو يعيش التخييل ، ولأن الشاعر في الفضاء التقني عليه أن يتخيل ، فهو يحيي بذلك أساسا شعريا ، لا غنى عنه ، عندما يطلق ذهنه خيالا ، ويجعل فؤاده محلقا في فضاءات ليست في السماء ، وإنما في عالم افتراضي ممتد .
وفي التخييل عرّف النقاد العرب الشعر منذ القدم ، على نحو ما يذكر حازم القرطاجني: الشعر كلام مُخيَّلٌ موزون. مُختصٌّ في لسان العرب بزيادة التقفية. والتئامه من مُقدَّمات مُخيَّلة، صادقة كانت أو كاذبة، لا يشترط فيها -بما هي شعر -غير التخييل.
فالتخييل هو المُعْتَبرُ في صناعة الشعر. فـــ ” صنعةَ الشاعر هي جودةُ التأليف وحُسن المحاكاة. وموضوعها الألفاظ وما تدلّ عليه” . وبالتالي إذا حصل ” التخييل والمحاكاة كان الكلام قولاً شعرياً. لأن الشعر لا تُعتبر فيه المادة. بل ما يقع في المادة من التخييل”، أَيْ أنه بالنسبة إلى حقيقة الشعر، لا فرقَ بين أن تكون المعاني مما يشترك فيه العامة والخاصة، أو تنفرد فيه الخاصة دون العامة.. إذا كان التخييل في جميع ذلك على حدٍّ واحد. إذ المُعْتَبر في حقيقة الشعر إنمَّا هو التخييل والمحاكاة في أيّ معنى اتّفق ذلك ، المهم أن يكون الخيال فريدا جديدا ، يمكن للقارئ العادي أن يتخيل ، مشتركا في ذلك مع الشاعر ، ولكن الشاعر يبزُّه بالموهبة التي تحيل الخيال نصا ، بألفاظ وصور وعالم مبدع ، قد يجد فيه القارئ ما تخيله ، وما يمكن أن يتخيله ، مثلما يجد أحلامه وأحاسيسه .
وقد أكّد القرطاجني هذا المعنى حين ذكر أن التخييل في الشعر إنما هو إنشاءُ صورةٍ أو صور في ذهن المتلقّي ترتبط بالنفس وتُحرّك فعاليَّتها، سلباً أو إيجاباً. يقول: ” التخييل أن تتمَّثل للسامع من لفظ الشاعر المُخيّل أو معانيه أو أسلوبه ونظامه، وتقوم في خياله صورةٌ أو صورٌ ينفعل لتخيّلها وتصورها، أو تصّور شيء آخر بها. انفعالاً من غير رويَّة إلى جهة من الانبساط أو الانقباض”.
بداية لابد أن ندرك أن الخيال المبدع وسيلة لإحداث التغيير الروحي، مصحوبا بالحب للعالم الجديد ، والأشياء فيه ، فالحب هو القيمة الروحية التي تفجر الفن ، لذا تجب العناية به من لدن المبدع ، والتمييز بينه وبين طلب الشيء ، أو إرادة الشيء، كما يجب التمييز بينه وبين التوهم وأحلام اليقظة.
ليس المقصود بالحب هنا عاطفة الحب المعتادة في القلوب ، والتي كانت عنوانا للمدرسة الرومانسية ، وجعلت الأحاسيس بوصلتها في الحياة والأدب ، وإنما الحب بمعنى الحميمية التي يقيمها الأديب مع العالم من حوله ، أيا كان هذا العالم ، عالم يعيشه ويأتلف معه سواء كان بشريا ، نباتيا ، جبليا ، صحراويا ، افتراضيا ، واقعيا، حتى لو خياليا ، فلا إبداع لمن لم يتعايش مع العالم المراد الكتابة عنه ، والتعايش أساسه الانحياز والحب والألفة . ومن جانب آخر ، لا معنى لخيال مبدع ، يفتقد التواصل مع القارئ ، فيمكن للمبدع أن يتخيل ما لا يتوقع ، ويكون السؤال ماذا عن القارئ ودرجة تقبله لهذا وتذوقه لجماله ، واستيعابه لطرحه . إن الخيال المبدع مثل المغناطيسية ، يحتاج إلى قطبين، حتى يوجد قطب موجب وقطب سالب ، فهو ليس فعلا واحدا ، بل متبادلا : إعطاء وتلقيا ، وهو يحتاج إلى توتر يصل بين المعطي والمتلقي ، والفن أحد أشكال هذا التوتر. .
فالإبداع أساسه العمل الخلاق كما يقول شتاين Stein بأنه عملية ينتج عنها عمل جديد يرضي جماعة ما ، أو تقبله على أنه مفيد. وهو هنا يربط الجَدّة في الإبداع بمدى تقبل القارئ له ، فلا معنى لإبداع ملغز على القارئ ، والقارئ ليس مفردا ، وإنما جماعة من القراء ، يقرأون الإبداع ، ويتذوقونه ومن ثم يتعاطفون مع تجربته ، وينهضون لاستقبالها واستتقبال أشباهها على طريقتها .
الإبداع الشعري والمتخيل الإبداعي
الإبداع الشعري والمتخيل الإبداعي
الشعر فن إبداعي أساسه اللغة والشعور والرؤية ، إنه فن تشترك فيها سائر الأمم والحضارات ، ولكنه عند العرب ديوانهم ، وعلامتهم المميزة الأولى في عالمهم الإبداعي ، منذ الجاهلية إلى يومنا ، فالعلاقة بين الشعر والحياة والناس والأشياء تضرب بجذورها في المخيلة الإبداعية العربية ، مثلما هي مؤصلة في الوجدان الجمعي والفردي العربي . فإذا امتلك الشاعر أدواته الشعرية ، كان عليه أن يتخيل، أو يعيش التخييل ، ولأن الشاعر في الفضاء التقني عليه أن يتخيل ، فهو يحيي بذلك أساسا شعريا ، لا غنى عنه ، عندما يطلق ذهنه خيالا ، ويجعل فؤاده محلقا في فضاءات ليست في السماء ، وإنما في عالم افتراضي ممتد .
وفي التخييل عرّف النقاد العرب الشعر منذ القدم ، على نحو ما يذكر حازم القرطاجني: الشعر كلام مُخيَّلٌ موزون. مُختصٌّ في لسان العرب بزيادة التقفية. والتئامه من مُقدَّمات مُخيَّلة، صادقة كانت أو كاذبة، لا يشترط فيها -بما هي شعر -غير التخييل.
فالتخييل هو المُعْتَبرُ في صناعة الشعر. فـــ ” صنعةَ الشاعر هي جودةُ التأليف وحُسن المحاكاة. وموضوعها الألفاظ وما تدلّ عليه” . وبالتالي إذا حصل ” التخييل والمحاكاة كان الكلام قولاً شعرياً. لأن الشعر لا تُعتبر فيه المادة. بل ما يقع في المادة من التخييل”، أَيْ أنه بالنسبة إلى حقيقة الشعر، لا فرقَ بين أن تكون المعاني مما يشترك فيه العامة والخاصة، أو تنفرد فيه الخاصة دون العامة.. إذا كان التخييل في جميع ذلك على حدٍّ واحد. إذ المُعْتَبر في حقيقة الشعر إنمَّا هو التخييل والمحاكاة في أيّ معنى اتّفق ذلك ، المهم أن يكون الخيال فريدا جديدا ، يمكن للقارئ العادي أن يتخيل ، مشتركا في ذلك مع الشاعر ، ولكن الشاعر يبزُّه بالموهبة التي تحيل الخيال نصا ، بألفاظ وصور وعالم مبدع ، قد يجد فيه القارئ ما تخيله ، وما يمكن أن يتخيله ، مثلما يجد أحلامه وأحاسيسه .
وقد أكّد القرطاجني هذا المعنى حين ذكر أن التخييل في الشعر إنما هو إنشاءُ صورةٍ أو صور في ذهن المتلقّي ترتبط بالنفس وتُحرّك فعاليَّتها، سلباً أو إيجاباً. يقول: ” التخييل أن تتمَّثل للسامع من لفظ الشاعر المُخيّل أو معانيه أو أسلوبه ونظامه، وتقوم في خياله صورةٌ أو صورٌ ينفعل لتخيّلها وتصورها، أو تصّور شيء آخر بها. انفعالاً من غير رويَّة إلى جهة من الانبساط أو الانقباض”.
بداية لابد أن ندرك أن الخيال المبدع وسيلة لإحداث التغيير الروحي، مصحوبا بالحب للعالم الجديد ، والأشياء فيه ، فالحب هو القيمة الروحية التي تفجر الفن ، لذا تجب العناية به من لدن المبدع ، والتمييز بينه وبين طلب الشيء ، أو إرادة الشيء، كما يجب التمييز بينه وبين التوهم وأحلام اليقظة.
ليس المقصود بالحب هنا عاطفة الحب المعتادة في القلوب ، والتي كانت عنوانا للمدرسة الرومانسية ، وجعلت الأحاسيس بوصلتها في الحياة والأدب ، وإنما الحب بمعنى الحميمية التي يقيمها الأديب مع العالم من حوله ، أيا كان هذا العالم ، عالم يعيشه ويأتلف معه سواء كان بشريا ، نباتيا ، جبليا ، صحراويا ، افتراضيا ، واقعيا، حتى لو خياليا ، فلا إبداع لمن لم يتعايش مع العالم المراد الكتابة عنه ، والتعايش أساسه الانحياز والحب والألفة . ومن جانب آخر ، لا معنى لخيال مبدع ، يفتقد التواصل مع القارئ ، فيمكن للمبدع أن يتخيل ما لا يتوقع ، ويكون السؤال ماذا عن القارئ ودرجة تقبله لهذا وتذوقه لجماله ، واستيعابه لطرحه . إن الخيال المبدع مثل المغناطيسية ، يحتاج إلى قطبين، حتى يوجد قطب موجب وقطب سالب ، فهو ليس فعلا واحدا ، بل متبادلا : إعطاء وتلقيا ، وهو يحتاج إلى توتر يصل بين المعطي والمتلقي ، والفن أحد أشكال هذا التوتر. .
فالإبداع أساسه العمل الخلاق كما يقول شتاين Stein بأنه عملية ينتج عنها عمل جديد يرضي جماعة ما ، أو تقبله على أنه مفيد. وهو هنا يربط الجَدّة في الإبداع بمدى تقبل القارئ له ، فلا معنى لإبداع ملغز على القارئ ، والقارئ ليس مفردا ، وإنما جماعة من القراء ، يقرأون الإبداع ، ويتذوقونه ومن ثم يتعاطفون مع تجربته ، وينهضون لاستقبالها واستتقبال أشباهها على طريقتها .
التعليقات