الحياة بوصفها سرداً في رواية “مذكرات خاتون كرخية” للروائي ” خضير فليح الزيدي”

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 12 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2424
الحياة بوصفها سرداً في رواية “مذكرات خاتون كرخية” للروائي ” خضير فليح الزيدي”

 

الحياة بوصفها سرداً في رواية “مذكرات خاتون كرخية” للروائي ” خضير فليح الزيدي”

ما قبل النقد
مقدمة
تسعى الرواية الحديثة إلى تجاوز الأشكال التقليدية للسرد، عبر الاشتغال على التجريب وكسر المألوف، والبحث عن مناطق جديدة في التعبير الروائي، وهو ما نجده بوضوح في رواية “مذكرات خاتون كرخية” للروائي خضير فليح الزيدي، الذي يواصل مشروعه السردي القائم على الغرائبية والاشتغال على التفاصيل اليومية بوصفها عتبات لفهم الوجود والموت والذاكرة.
فالزيدي لا يقدم حكاية تقليدية بقدر ما يصوغ رؤية سردية تتحول فيها الحياة ذاتها إلى نص مفتوح، يتجاور فيه الواقعي مع المتخيل، واليومي مع الفانتازي، ليخلق عالماً روائياً مشبعاً بالتأمل والأسئلة والدهشة.
*الدلالات المكانية والثقافية
يحمل عنوان الرواية “مذكرات خاتون كرخية” دلالات مكانية وثقافية عميقة، إذ يستدعي فضاء الكرخ بوصفه مدينة نابضة بالحياة والذاكرة الشعبية، بينما تحيل مفردة “خاتون” إلى الحضور الأنثوي بوصفه قطباً موازياً لعالم الرواية.
وقد عزز الروائي هذه الدلالات عبر النص الموازي الذي يشرح معنى “الكرخ” بوصفها المدينة المسورة الزاهرة بأسواقها وناسها وأحيائها العامرة، في إحالة إلى الجذر السرياني الآرامي للمفردة، مما يمنح العنوان بعداً تاريخياً وحضارياً.
أما التصدير المقتبس من فيودور دوستويفسكي:
“وقد قيل في الأثر: السلاحف أكثر حكمة من الأرانب، ففي هذه الحياة لا شيء يستحق الركض”،
فيكشف منذ البداية عن طبيعة الرؤية الفلسفية التي تحكم الرواية حيث التأمل في عبث الحياة وسرعة زوالها، وهي الفكرة التي ستتكرر بأشكال متعددة داخل المتن السردي.
*استهلال يفتح أبواب الموت والحياة
يبدأ الزيدي روايته من فضاء مستشفى ابن البيطار، في مشهد سردي كثيف ومشحون بالإيحاءات إذ يرسم صورة مدينة غائبة عنها علامات الحياة بينما الموت وحده يواصل عمله بلا توقف. يقول السارد:
“حتى بدت لي أن الحياة متوقفة تماماً، فيما الموت وحده ظل يزاول عمله بجد، لم يتوقف ولم يكل أو يتعب، وتلك هي الكارثة.”
هذا الاستهلال من أكثر المقاطع السردية توهجاً في الرواية لأنه لا يصف المكان فحسب، بل يؤسس للمناخ النفسي والفلسفي للنص كله. فالمدينة هنا تبدو معلقة بين الفناء والصمت فيما يتحول الموت إلى كائن فاعل ومهيمن.
ويحسب للزيدي قدرته على تحويل المشهد اليومي إلى مشهد غرائبي مشبع بالتوتر، إذ يجعل القارئ يدخل منذ اللحظة الأولى في عالم تتجاور فيه الحقيقة مع اللا معقول.
*الغرائبية بوصفها تقنية سردية
يمتلك خضير فليح الزيدي حساً سردياً قائماً على توظيف الغرائبية لا بوصفها زينة شكلية، بل أداة للكشف عن هشاشة الواقع وعبثيته.
فموت الأب ــ الكاتب المغمور ــ يتحول إلى نقطة انطلاق لسلسلة من المفارقات التي تجعل الحياة نفسها تبدو وكأنها سرد طويل.
ومن أبرز تجليات هذه الغرائبية مشهد الابن وهو يحمل جثة أبيه خلال حظر التجوال، بحثاً عن تابوت بعد تعطل برادات حفظ الجثث.
قد يبدو المشهد مخالفاً للواقع، لكن الروائي يتعمد كسر الثوابت الواقعية من أجل بناء مناخ رمزي يضاعف الإحساس بالعزلة والاختناق.
ويبلغ هذا الاشتغال ذروته حين يجلس الابن جثة أبيه في مكتبته، ويعيد النظارة إلى عينيه، ثم يلتقط له صورة أخيرة. هنا تتحول الجثة من جسد ميت إلى حضور رمزي يواصل مراقبة الحياة، وكأن الكاتب يريد القول إن المبدع لا يغادر العالم تماماً، بل يبقى معلقاً داخل نصوصه وذاكرته.
*الأب الكاتب… وسؤال الخيبة الأدبية
تكشف الرواية تدريجياً أن الأب كان كاتب قصة قصيرة حقق نجاحاً محدوداً بقصة واحدة، لكنه أخفق في مواصلة مشروعه الأدبي. ومن خلال شخصية الابن “زيد”، يفتح الزيدي باب التأمل في خيبات المثقف العراقي وصراعه مع التهميش والنسيان.
يقول السارد:
“أشعر بغمامة حزن تعيق حركتي كالصداع المزمن لأن أبي لم يحقق ما كان يطمح له من ارتقاء وحظوة في سلم الأدب الشائك طيلة عمره.”
هذا المقطع يمنح الرواية بعدها الإنساني العميق، إذ تتحول الحكاية من قصة موت إلى تأمل في المصير الثقافي للكاتب الذي يستهلك عمره في الكتابة دون أن ينال الاعتراف الذي يستحقه.
*البناء السردي ولغة الرواية
اعتمد الزيدي لغة سردية مرنة تجمع بين الشعرية واليومية مع قدرة واضحة على التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى مشاهد نابضة بالحياة. كما أن الرواية تقوم على تقنية الاستذكار والاسترجاع وهو ما أضفى على السرد حيوية وتشويقاً.
وتبدو الرواية، في كثير من مقاطعها وكأنها قصص قصيرة متداخلة داخل بنية روائية واحدة، وهو ما منح النص تنوعاً إيقاعياً وثراءً في المشاهد والصور.
خاتمة
في رواية “مذكرات خاتون كرخية” يقدم خضير فليح الزيدي نصاً روائياً مشبعاً بالتجريب والغرائبية والأسئلة الوجودية، حيث تتحول الحياة إلى سرد مفتوح ويتحول الموت إلى بوابة للتأمل في الإنسان والذاكرة والكتابة.
لقد استطاع الروائي أن يصوغ عالماً متماسكاً رغم غرابته، وأن يجعل من التفاصيل اليومية مادة فلسفية وجمالية في آن واحد.
الرواية الصادرة عن اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، والواقعة في 165 صفحة من القطع المتوسط، تضم واحداً وعشرين مقطعاً سردياً، وتؤكد أن خضير فليح الزيدي يواصل مشروعه السردي بثقة، عبر كتابة تنحاز إلى التجريب وكشف المناطق المعتمة في الروح والحياة.

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

تقنيات السرد في رواية مذكرات خاتون كرخية للروائي خضير فليح الزيدي

تقنيات السرد في رواية مذكرات خاتون كرخية للروائي خضير فليح الزيدي

تقنيات السرد في رواية مذكرات خاتون كرخية للروائي خضير فليح الزيدي   مقدمة تعد الرواية…

صورة الكاتب حمدي العطار
14 مايو 2026
اقرأ المزيد
عدنا إلى الاكتشاف مع فريق لاماسو رحلة في أعماق التاريخ العراقي بين كفري وسرقلعة

عدنا إلى الاكتشاف مع فريق لاماسو رحلة في أعماق التاريخ العراقي بين كفري وسرقلعة

عدنا إلى الاكتشاف مع فريق لاماسو رحلة في أعماق التاريخ العراقي بين كفري وسرقلعة مقدمة…

صورة الكاتب حمدي العطار
9 مايو 2026
اقرأ المزيد
معجم مصطلحات الرحلة… محاولة لتأصيل المفهوم وبناء مرجعية نقدية لأدب الرحلات

معجم مصطلحات الرحلة… محاولة لتأصيل المفهوم وبناء مرجعية نقدية لأدب الرحلات

معجم مصطلحات الرحلة… محاولة لتأصيل المفهوم وبناء مرجعية نقدية لأدب الرحلات مقدمة يشهد حقل أدب…

صورة الكاتب حمدي العطار
5 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الحياة بوصفها سرداً في رواية “مذكرات خاتون كرخية” للروائي ” خضير فليح الزيدي”

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 12 مايو 2026

التصنيف: الأدب

 

الحياة بوصفها سرداً في رواية “مذكرات خاتون كرخية” للروائي ” خضير فليح الزيدي”

ما قبل النقد
مقدمة
تسعى الرواية الحديثة إلى تجاوز الأشكال التقليدية للسرد، عبر الاشتغال على التجريب وكسر المألوف، والبحث عن مناطق جديدة في التعبير الروائي، وهو ما نجده بوضوح في رواية “مذكرات خاتون كرخية” للروائي خضير فليح الزيدي، الذي يواصل مشروعه السردي القائم على الغرائبية والاشتغال على التفاصيل اليومية بوصفها عتبات لفهم الوجود والموت والذاكرة.
فالزيدي لا يقدم حكاية تقليدية بقدر ما يصوغ رؤية سردية تتحول فيها الحياة ذاتها إلى نص مفتوح، يتجاور فيه الواقعي مع المتخيل، واليومي مع الفانتازي، ليخلق عالماً روائياً مشبعاً بالتأمل والأسئلة والدهشة.
*الدلالات المكانية والثقافية
يحمل عنوان الرواية “مذكرات خاتون كرخية” دلالات مكانية وثقافية عميقة، إذ يستدعي فضاء الكرخ بوصفه مدينة نابضة بالحياة والذاكرة الشعبية، بينما تحيل مفردة “خاتون” إلى الحضور الأنثوي بوصفه قطباً موازياً لعالم الرواية.
وقد عزز الروائي هذه الدلالات عبر النص الموازي الذي يشرح معنى “الكرخ” بوصفها المدينة المسورة الزاهرة بأسواقها وناسها وأحيائها العامرة، في إحالة إلى الجذر السرياني الآرامي للمفردة، مما يمنح العنوان بعداً تاريخياً وحضارياً.
أما التصدير المقتبس من فيودور دوستويفسكي:
“وقد قيل في الأثر: السلاحف أكثر حكمة من الأرانب، ففي هذه الحياة لا شيء يستحق الركض”،
فيكشف منذ البداية عن طبيعة الرؤية الفلسفية التي تحكم الرواية حيث التأمل في عبث الحياة وسرعة زوالها، وهي الفكرة التي ستتكرر بأشكال متعددة داخل المتن السردي.
*استهلال يفتح أبواب الموت والحياة
يبدأ الزيدي روايته من فضاء مستشفى ابن البيطار، في مشهد سردي كثيف ومشحون بالإيحاءات إذ يرسم صورة مدينة غائبة عنها علامات الحياة بينما الموت وحده يواصل عمله بلا توقف. يقول السارد:
“حتى بدت لي أن الحياة متوقفة تماماً، فيما الموت وحده ظل يزاول عمله بجد، لم يتوقف ولم يكل أو يتعب، وتلك هي الكارثة.”
هذا الاستهلال من أكثر المقاطع السردية توهجاً في الرواية لأنه لا يصف المكان فحسب، بل يؤسس للمناخ النفسي والفلسفي للنص كله. فالمدينة هنا تبدو معلقة بين الفناء والصمت فيما يتحول الموت إلى كائن فاعل ومهيمن.
ويحسب للزيدي قدرته على تحويل المشهد اليومي إلى مشهد غرائبي مشبع بالتوتر، إذ يجعل القارئ يدخل منذ اللحظة الأولى في عالم تتجاور فيه الحقيقة مع اللا معقول.
*الغرائبية بوصفها تقنية سردية
يمتلك خضير فليح الزيدي حساً سردياً قائماً على توظيف الغرائبية لا بوصفها زينة شكلية، بل أداة للكشف عن هشاشة الواقع وعبثيته.
فموت الأب ــ الكاتب المغمور ــ يتحول إلى نقطة انطلاق لسلسلة من المفارقات التي تجعل الحياة نفسها تبدو وكأنها سرد طويل.
ومن أبرز تجليات هذه الغرائبية مشهد الابن وهو يحمل جثة أبيه خلال حظر التجوال، بحثاً عن تابوت بعد تعطل برادات حفظ الجثث.
قد يبدو المشهد مخالفاً للواقع، لكن الروائي يتعمد كسر الثوابت الواقعية من أجل بناء مناخ رمزي يضاعف الإحساس بالعزلة والاختناق.
ويبلغ هذا الاشتغال ذروته حين يجلس الابن جثة أبيه في مكتبته، ويعيد النظارة إلى عينيه، ثم يلتقط له صورة أخيرة. هنا تتحول الجثة من جسد ميت إلى حضور رمزي يواصل مراقبة الحياة، وكأن الكاتب يريد القول إن المبدع لا يغادر العالم تماماً، بل يبقى معلقاً داخل نصوصه وذاكرته.
*الأب الكاتب… وسؤال الخيبة الأدبية
تكشف الرواية تدريجياً أن الأب كان كاتب قصة قصيرة حقق نجاحاً محدوداً بقصة واحدة، لكنه أخفق في مواصلة مشروعه الأدبي. ومن خلال شخصية الابن “زيد”، يفتح الزيدي باب التأمل في خيبات المثقف العراقي وصراعه مع التهميش والنسيان.
يقول السارد:
“أشعر بغمامة حزن تعيق حركتي كالصداع المزمن لأن أبي لم يحقق ما كان يطمح له من ارتقاء وحظوة في سلم الأدب الشائك طيلة عمره.”
هذا المقطع يمنح الرواية بعدها الإنساني العميق، إذ تتحول الحكاية من قصة موت إلى تأمل في المصير الثقافي للكاتب الذي يستهلك عمره في الكتابة دون أن ينال الاعتراف الذي يستحقه.
*البناء السردي ولغة الرواية
اعتمد الزيدي لغة سردية مرنة تجمع بين الشعرية واليومية مع قدرة واضحة على التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى مشاهد نابضة بالحياة. كما أن الرواية تقوم على تقنية الاستذكار والاسترجاع وهو ما أضفى على السرد حيوية وتشويقاً.
وتبدو الرواية، في كثير من مقاطعها وكأنها قصص قصيرة متداخلة داخل بنية روائية واحدة، وهو ما منح النص تنوعاً إيقاعياً وثراءً في المشاهد والصور.
خاتمة
في رواية “مذكرات خاتون كرخية” يقدم خضير فليح الزيدي نصاً روائياً مشبعاً بالتجريب والغرائبية والأسئلة الوجودية، حيث تتحول الحياة إلى سرد مفتوح ويتحول الموت إلى بوابة للتأمل في الإنسان والذاكرة والكتابة.
لقد استطاع الروائي أن يصوغ عالماً متماسكاً رغم غرابته، وأن يجعل من التفاصيل اليومية مادة فلسفية وجمالية في آن واحد.
الرواية الصادرة عن اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، والواقعة في 165 صفحة من القطع المتوسط، تضم واحداً وعشرين مقطعاً سردياً، وتؤكد أن خضير فليح الزيدي يواصل مشروعه السردي بثقة، عبر كتابة تنحاز إلى التجريب وكشف المناطق المعتمة في الروح والحياة.