الشاعر حسن مُطلَك ..الفتى الذي لا يهدأ
لم أعش لحظة هجران المعنى في الروايات العربية إلا مع صاحب (الكتابة وقوفًا) حسن مُطلگ الذي يُمثّل هجران المعنى لديه نوعًا من الانزياح في الكتابة السردية، فالكتابة وقوفًا عند حسن مطلگ جملةٌ ترفض الكتابة الأفقية المُنبطحة الخاضعة إلى الواقع بكل صوره وتجلّياته مُعلنةً التمرّد على كل ما هو مؤدلج وموروث، وهذه الرؤية في الكتابة تُمثّل أعلى أنواع التجرّد من الحقيقة ومواجهتها، ويذكّرني هذا المصطلح بما قاله سركون بولص عن الكتابة من الأفق، حيث تكون الرؤية للفن شاملةً لمحاكاة التجربة الحياتية للإنسان، ولا تقتصر على اللغة وحدها، وهذا النمط في الرؤية الفنية داخل بنية الرواية يُعدُّ السبيل الوحيد لإظهار ماهو قابع في النفس، فيقترب فيها المعنى السردي من حدود الدرجة الصفر، فلا إجابة عن الأسئلة، وأنَّنا لا نحتاج إلى الإجابة عنها؛ لكي لا يكون الأدب توأمًا للفلسفة، وتتجلّى هذه الأسئلة في بواكيرها عند الأطفال، فالأسئلة التي يُقدّمها الأطفال واضحة المعنى ومخيفة، تسقط أمامها الأيدلوجيات والأقنعة، إنَّها المعنى في درجة الصفر، وقد كان الطفل الذي داخل جسده يقدّم هذا المعنى بغموض واقعي في روايته الأولى( دا .. با .. دا) التي كشف فيها عن أنماط التفكير الإنساني المنعزل، والمعاناة البشرية المُكثّفة، فكان ينحتُ أجزاءها باللغة ويرسم أبعادها بالمجاز، ويلتقط الصورة بعدسة العارف المدرك لكل ما هو طبيعي، ويُحلل بالأسئلة الذات الإنسانية المتأمّلة، فلم تكن هذه الرواية عالمًا سرديًّا خالصًا فحسب، بل هي قصيدة نثر تتكئ على آليات السرد المكثف، وترتبط خيوط السرد فيها بالشخصيات والأماكن والأزمنة، إلا أنَّ كينونتها الفنية تقترب من قصيدة النثر لذا يصعب على القرّاء قراءتها كأي عمل روائي آخر، وتحتاج إلى قارئ قد أخذ قبضة من رياح الشعر وأخرى من مياه السرد، فهو سيكون أمام قصيدة نثر طويلة وحوار داخلي لا يهدأ، يتدفّق كأمواج هائجة، لكنها لا تخرج عن ضفاف الرواية رغم هيمنة الشعرية المكثّفة على طابعها، فيضعنا حسن مطلگ في هذه الرواية أمام صورة تتجاوز فكرة النص المفتوح، وهي صورة الفن السردي التشكيلي بالاعتماد على الحواس، حسن مطلگ يؤسّس بهذه الرواية لأول مدخل لما سأطلق عليه بـ(الرواية الفنية) التي تحمل اشتراطات القصيدة النثرية والسرد والفن التشكيلي
الحسين أقديم
أ.د مصطفى لطيف عارف
التعليقات