القيمة الاستثنائية العالمية للمرقد العلوي الشريف
تمهيد
تُمثّل الهوية الثقافية صمام الأمان لأي مجتمع يسعى للحفاظ على جذوره التاريخية وسط أمواج الحداثة المتلاطمة. وفي قلب الحراك الثقافي المعاصر، يبرز مصطلح جوهري في أدبيات منظمة اليونسكو: “القيمة الاستثنائية العالمية” (Outstanding Universal Value – OUV). هذا المفهوم ليس مجرد انحياز عاطفي أو مشاعر مجردة تجاه معلَم أثري، بل هو المعيار العلمي والمحور الأساس الذي تدور حوله شؤون الحفاظ على التراث الإنساني وإدراج المواقع في لائحة التراث العالمي. يمتلك مبنى الحرم العلوي الشريف العديد من الميزات الفريدة، ولكن يبرز سؤال مهم: هل يمكن أن تشكل تلك المزايا قيمة استثنائية عالمية على وفق معايير التراث العالمي؟
فلسفة التراث في منظور “اليونسكو”
لكي نستوعب الأبعاد القانونية والفنية لحماية الهوية الثقافية، لا بد من الانطلاق من التعريفات الرسمية التي صاغتها اتفاقيات اليونسكو (لا سيما اتفاقية عام 1972 للحفاظ على التراث العالمي وإعلان المكسيك لاحترام التنوع الثقافي لعام 1982). إن الثقافة بمفهومها الشامل هي مجمل الملامح المادية والروحية التي تميز مجتمعاً ما، وتشمل المعتقدات، والعادات، والعمارة، وحتى تفاصيل الحياة اليومية. ويبرز في هذا السياق بُعد فكري عميق أطلقه المدير العام لليونسكو عام 2001، حين ربط بين التوازن البيئي والتنوع الثقافي، معتبراً أن “التنوع الثقافي ضروري للبشرية كضرورة تنوع الطبيعة البيولوجي لاستمرار الحياة”.
ومن هنا، ينقسم التراث الذي تسلمناه من الأجيال السابقة ونلتزم بنقله للأجيال اللاحقة إلى شقين:
• التراث المادي (Tangible): ويشمل المباني والمعالم الأثرية والمواقع الطبيعية المتفردة.
• التراث غير المادي أو الحي (Intangible): ويمثل نبض المجتمعات المعاصرة وتقاليدها الشفهية والطقسية (مثل المقام العراقي وطقوس خضر إلياس المعترف بها دولياً).
العراق على خارطة التراث العالمي: مفارقة مهد الحضارات
يواجه العراق اليوم مفارقة تاريخية تدعو للتأمل؛ فبالرغم من كونه مهداً للحضارة الإنسانية وأول من خطّ الحرف، وبالرغم من امتلاء خارطته بآلاف المواقع الأثرية، إلا أن المواقع المسجلة رسمياً على لائحة التراث العالمي الدائمة تُعد محدودة: (الحضر، آشور، سامراء -المدرجة تحت بند المواقع المهددة بالخطر-، قلعة أربيل، وموقع الأهوار والمدن الأثرية كموقع مختلط ومدينة بابل).
إن المجتمع الدولي يُجمِع اليوم على ضرورة مساعدة العراق؛ لأن الإرهاب الذي تعرض له لم يستهدف الإنسان فحسب، بل استهدف ذاكرته الجماعية وهويته الثقافية. لذا يمتلك العراق اليوم فرصة ذهبية لتحويل المواقع المدرجة على “اللائحة المؤقتة” إلى اللائحة الدائمة عبر تقديم ملفات علمية رصينة.
تفكيك المعايير الدولية: نموذج “وادي السلام”
إن تسجيل أي ممتلك ثقافي مادي لا يخضع للعواطف، بل يتطلب استيفاء معيار واحد على الأقل من بين ستة معايير موضوعية وضعتها اليونسكو لإثبات القيمة الاستثنائية العالمية لمواقع التراث الثقافي. فإذا تناولنا مقبرة وادي السلام كنموذج، وحاولنا إخضاعها لـ “الدراسات المقارنة” (Comparative Studies) التي تطلبها المنظمة الدولية، سنجد أن المقبرة تتفوق على نظيراتها في العالم بالمساحة الشاسعة وأعداد المدفونين فيها عبر القرون (إذ إن المقبرة الثانية عالمياً والموجودة في الولايات المتحدة لا تتجاوز مساحتها عُشر مساحة وادي السلام).
إن لغة الأرقام القياسية لا تكفي للعبور إلى اللائحة الدولية، فالقيمة الثقافية هي المستهدفة من وجهة نظر اليونسكو للحفاظ على أي معلم تراثي. الاستثناء هنا ينبع من ارتباط هذا المكان بـ “تقليد ثقافي حي واستثنائي”، ويتمثل في حرص الملايين من البشر عبر الأجيال على الدفن في هذه البقعة المحددة جوار مرقد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).
العمارة العلوية والمقدس الهندسي: قراءة علمية في انطباق المعايير
كيف يمكننا إثبات “القيمة الاستثنائية العالمية” للمرقد العلوي التاريخي بعيداً عن السرد العاطفي؟ الجواب يكمن في إخضاع هذا الصرح للتحليل الهندسي والفني الصارم في ضوء معايير التراث العالمي:
1. العبقرية الهندسية والمقياس الإنساني (المعيار الأول)
تؤكد الدراسات التحليلية الواعية لواجهة المرقد الشريف أن نسبها الهندسية بُنيت بدقة متناهية وفقاً لـ “النسبة الذهبية” (Golden Ratio – 1.618) والتوازن الرياضي الخماسي المتقن. هذا يعني هندسياً أن أي تلاعب مستقبلي في أبعاد المبنى، أو رفع عشوائي للقبة والمنائر بحجة التطوير، سيؤدي إلى تفتيت هذه القيمة الجمالية العالمية المعترف بها هندسياً في أدق تفاصيل الطبيعة والكون.
بالإضافة إلى ذلك، يمتاز الفضاء الداخلي للمرقد باعتماده على “المقياس الإنساني” (Human Scale)؛ فالأبعاد والمسافات والجدران صُممت لتمنح الزائر شعوراً بالطمأنينة والسكينة والاحتواء الروحي، وهي فلسفة معمارية مغايرة لعمارة قصور السلاطين التي تعتمد على إشعار الإنسان بضآلته أمام ضخامة المبنى.
2. تلاقح الحضارات ولغة التعايش (المعيار الثاني)
يحتفظ المرقد العلوي بشواهد مادية فريدة على حوار الثقافات، ومن أبرزها:
• كتيبة نادر شاه (عمرها نحو 250 عاماً): الشريط الكتابي الذي يحيط برقبة القبة، والمصنوع من المينا الزرقاء والنحاس المذهب. تحتوي هذه الكتيبة على أبيات شعرية كُتبت باللغتين التركية العثمانية القديمة والفارسية، لتوثق مرحلة تاريخية من محاولات التقريب والتعايش الإقليمي في تلك الحقبة. وهي عمارة عراقية الهوية والروح، حافظ عليها سدنة المرقد في المخازن لسنوات طويلة قبل إعادة ترميمها ووضعها في مكانها الأصلي مؤخرًا.
• القاشاني القاجاري الفريد: البلاط الخارجي للمرقد يحتوي على خلطات لونية وكيميائية متدرجة (كاللون الوردي المتدرج في رسومات الزهريات)، وهي أسرار حرفية انقرضت اليوم، وتُمثل إرثاً فنياً فريداً تناقلته عائلات الحرفيين كأسرار كيميائية وفنية مقدسة.
3. روح المكان وآداب الزيارة (المعيار السادس)
يمتاز المرقد بتصميم متفرد يجعله المرقد الوحيد الذي تقع بوابته الرئيسية من جهة الشرق (وليس من جهة القبلة). هذا التوجيه الهندسي مبني تماماً على “آداب الزيارة” الموروثة، وهو ما يربط الجانب المادي بالجانب الروحي.
تقرير خبراء اليونسكو (أغسطس 2014):
“إن الفنادق والمباني المرتفعة المحيطة بالمركز التاريخي للنجف أخذت تزاحم المرقد الشريف في أهميته البصرية. إن التواضع المعماري للمباني المحيطة كان دليلاً مادياً على خضوع المكان لروحانية المرقد، وهو ما يهدد اليوم ‘روح المكان’ (Spirit of Place)”.
نحو رؤية مستدامة: موازنة الحفاظ مع التنمية
إن التحدي الأكبر الذي يواجهنا اليوم في العراق هو الفجوة بين الطرح الأكاديمي وصناع القرار. إن المعنيين بالسياسات العمرانية غالباً ما يتجهون نحو الحلول السهلة: إزالة الأبنية التراثية والأسواق التقليدية المحيطة بالمرقد بحجة استيعاب الزخم المليوني للزوار في المواسم الدينية. علينا أن نستلهم الدروس من التجارب العالمية، كالتجربة التاريخية لمدينة بيت لحم؛ حيث أدى إبعاد السكان المحليين والباعة التقليديين عن محيط كنيسة المهد بعد تسجيلها كأثر عالمي إلى نفور المجتمع المحلي وتضرره اقتصادياً. إن الإنسان المحلي يجب أن يكون الحارس الأول لتراثه، ولا بد للتطوير أن يخدم تنميته الاقتصادية والاجتماعية لا أن يعزله.
إن بقاء العراق واستمراره رهين بالحفاظ على تنوعه الثقافي والتاريخي، وإن زوال هذا التنوع – لا سمح الله – هو زوال للهوية العراقية نفسها. ومن هنا يمكن إطلاق دعوة مخلصة إلى الجهات المعنية في العتبات المقدسة، ووزارة الثقافة والسياحة والأثار، للتفكير الجاد والمنظم في صون هذا الإرث الإنساني العظيم وإدراج معالمه القديمة على لائحة التراث العالمي وفق أسس علمية معاصرة.
عدنان راشد القریشي
علي النصیر
حیدر کاظم الحسیناوي
التعليقات