النسق الأوديبي في رواية مها للروائیة فایزة حلمي

صورة الكاتب
بقلم: د. خالد محمد عبدالغني
التاريخ: 28 ديسمبر 2025 عدد المشاهدات: 2704
النسق الأوديبي في رواية مها للروائیة فایزة حلمي

النسق الأوديبي في رواية مها 

 

 

مقدمة:

النسق الأوديبي في الكتابة الروائية أو الشعرية قصد به استلهام ملامح الأسطورة اليونانية “أوديب ملكا” واستدماجها داخل النص الأدبي بحيث تسيطر روح القدر على البطل الذي لا يرتكب جريمة ولكنه يعاقب علی فعل غير آثم ، بإرادة القدر وقد تمثل نجيب محفوظ هذا النسق في روايته الشهيرة اللص والكلاب.

تعد أسطورة (الملك أوديب) للمسرحي الإغريقي سوفوكليس تحفة فريدة في الأدب العالمي، وربما تكون أهم مسرحية وصلت إلينا من التراجيديات الإغريقية. وصفها أرسطو بأنها بلغت حد الكمال. وكانت قد عرضت أول مرة عام 425 قبل الميلاد، وتروي هذه المأساة أن كاهناً أخبر (لايوس) ملك طيبة، وزوجته (جوكاستا) أنه إذا وُلِد لهما ولد فسيقتل أباه ويتزوج أمه، وعندما وُلِد الابن (أوديب) قررت أمه جوكاستا أن تفر من المصير الذي تنبأ به الكاهن بأن تقتل الطفل وتقوم بتسليمه (أوديب) الى أحد الرعاة الذي كان عليه أن يترك الطفل في الغابة بقدمين موثوقتين بحيث يموت أو تأكله الوحوش، على أن الراعي أخذته الشفقة بالطفل وقام بتسليمه إلى رجل يعمل في خدمة ملك مدينة كورينث، وهذا الرجل بدوره يأخذ الطفل إلى سيده الذي لا ينجب ، ويتربى أوديب أميراً صغيراً في كنف ملك كورينث دون أن يعلم أنه ليس الابن الحقيقي لهذا الملك، و يخبره كاهن دلفي أن قدره أن يقتل أباه ويتزوج أمه، فيعزم أوديب على أن يهرب من هذا القدر بألا يعود أبداً إلى أبويه الذين ربياه صغيراً، بينما هو عائد من دلفي يدخل في صراع عنيف مع عجوز متغطرس على ظهر مركبة، ويفلت من زمام نفسه فيقتل هذا الرجل دون أن يعرف أنه قتل أباه ملك طيبة، وتقوده خطاه إلى طيبة وهناك كان السفنكس (أبو الهول) يفترس شباب وشابات المدينة ولن يكف عن ذلك إلا إذا وجد شخصاً يعرف الإجابة عن اللغز الذي يطرحه وهو” ما الشيئ الذي يسير أولاً على أربع في الصباح ثم على اثنتين عند الظهر وعلى ثلاث عند الغروب؟” وقد وعد شعب طيبة بأنهم سينصبون من يستطيع حل اللغز وإنقاذ المدينة من الوحش ملكاً ويزوجونه بأرملة الملك، ويغامر أوديب ويجد الجواب عن اللغز [إنه الإنسان].

ويلقى أبو الهول نفسه في البحر وتتخلص طيبة من الكارثة ويصبح أوديب ملكاً ويتزوج جوكاستا التي لم يكن يعرف أنها أمه، وبعد أن حكم أوديب زمناً طويلاً بسلام تصاب المدينة بوباء الطاعون ويذهب ضحيته كثير من سكان طيبة ويكلف أوديب أخ زوجته ( كريون) بالتوجه إلى المعبد لمعرفة نبوءة الإله أبولو. ويبلغ الملك أوديب أن الكارثة ستستمر إلى أن يقبض على قاتل الملك السابق ويقدم للمحاكمة. ويعلن أوديب أنه لن يهدأ له بال حتى يقبض على القاتل الشرير ويعاقبه، غير مدرك أنه هو القاتل نفسه.

ويطالب العراف ترياسيس بأن يكشف عما يعرفه من أمر ما تواجهه المدينة فيرفض العراف ويستشيط أوديب غضباً ويتهم العراف بأنه متآمر مع كريون لإزالته من الحكم. ويعلن ترياسيس أن أوديب سيصاب بالهلع عندما يكتشف حقيقة أبيه وزوجته وتحاول جوكاستا  زوجة أوديب أن تخفف عن زوجها بأن تقول له إن النبوءات لا أساس لها وتقص عليه أن نبوءة ظهرت في الماضي البعيد بأن ابنها سيقتل أباه ويتزوجها. وقالت إنها صرفت هذا الإبن بأن طلبت من أحد الخدم القضاء عليه منعاً لتحقق النبوءة وتحاول طمأنته بأن النبوءة لم يتحقق منها شيء ولا تدرك جوكاستا أنها فتحت بذلك باباً للحقيقة الرهيبة ويكشف العراف (الكاهن) ترياسيس أن الطاعون عقاب الألهة على الأثم المزدوج الذي اقترفه أوديب وهو قتل الأب والزواج من الأم ، ويعرف أوديب من الكاهن الحقيقة فيذهب ويعترف لأمه بذلك فتقتل نفسها ويقوم هو بفقأ عينيه ويصبح أعمى ([1]).وتنطوي المسرحية على العديد من الأفكار والقضايا الفكرية والفلسفية فهي تبحث في الأخطار التي يواجهها المرء في رحلته الطويلة على طريق البحث عن الذات وتبحث في مشاعر الذنب وتكشف عن طبيعة القدر وتدرس العلاقة بين الفرد وقدره، فحرص أوديب على البحث عن الذات وثقته التي لا تعرف الحدود بنفسه وسرعة غضبه – وكلها خصائص تتميز بها شخصيته – هي السبب وراء المواجهة مع قدره وهي الحافز في تحقق النبوءات.

ملخص الرواية:

 

مها فتاة لطيفة مات أبوها وهي في فترة المراهقة، وبسب فقده تأخر إنجازها الدراسي، والتحقت بمعهد متوسط، وبعده تزوجت من ضابط بالجييش أصيب في معركة 1973، وحدثت مشكلات كثيرة بينهما أدت لطلاقها عدة مرات، وأخيرا أصيبت بمرض نادر، أقعدها في المستشفى وقد هجرها زوجها وأبناؤها وأقاربها، لتعيش مها وحدة تعيسة بعد أن ضحت من أجلهم جميعا ([2]).

وفي هذه الرواية نجد أن “هديل” – المؤلفة – صديقة البطلة التي تقف بجوارها طوال المأساة منذ أن ربطت عرى الصداقة بينهما في مرحلة المراهقة وحتى نهاية المأساة – أحداث الرواية – ودوما كانت “هديل” الناصح الأمين والمهنأ والمساند لمها طول أزماتها المتكررة، وكأنها الصديق الموجود دائما بصحبة البطل التراجيدي في الدراما الاغريقية.

ولو أردنا الوقوف على دلالة اسم هديل لعرفنا أنه صوت الحمام وما الحمام إلا رمز السلام والوداعة والرقة والجمال، وما مها إلا الغزال وما يرمز له من الجمال والرشاقة والحيوية وخفة الحركة والانطلاقة، وهو ما كانت عليه مها في أغلب فترات حياتها قبل توالي الصدمات والنكبات عليها، وإن ظلت هديل على هذا الحال من السلام والجمال والنصح طوال الرواية منذ أن تعرفت عليها أيام الدراسة وحتى آخر كلماتها في زيارتها لـ “مها” في المستشفى ، فلم يتضح لنا عنها من تفاصيل أخرى، وكذلك شخصية الخالة التي كانت تشبه شخصية هديل وكأنهما نسجا من خلايا متماثلة، كما غاب عن الرواية تفاصيل مهمة من قبيل نشأة أحمد الزوج الذي كان بطلا في الحرب هزمته الإصابة التي صاحبته طوال حياته وكأنه يعاني من أعراض اضطراب الضغوط التالية للصدمة، وفي الرواية الكثير من تلك الأعراض.

إن البطل التراجيدي الإغريقي لابد وان يتمتع بالسمو والنبل، حيث أن الأفعال العظيمة تقوم بها شخصيات عظيمة، فلا يمكن أن تكون شخصية البطل متدنية أخلاقيا أو اجتماعيا، أو ما إلى ذلك:

” وسابقت الدموع الخُطى بل وسبقت الأيدي في احتضان وجه مها المستند في سكون. المتألم في صمت. الملائكي الملامح، العذب الابتسامة حتى وهي في أول يوم تفيق من أثر العملية العاجلة التي أجريت لها بالأمس”. ، “وبدأت مها مشوارها متساندة على نفسها فلم يكن لديها ما تستند إليه سواها فكما أنها مصدر ما يصيبها من ضعف كانت مصدر قوتها أيضاً. وبهذه القوة ظلت متماسكة على هذا المشوار اليومي المرهق، الاستيقاظ مع الفجر، والعودة مع اقتراب المساء. ومحاولة التماسك ساعات بعد ذلك لاستيعاب محاضرات اليوم”.

وأما عن الفارق الوحيد بين التراجيديا الإغريقية وتراجيديا “مها” فهو أن البطل التراجيدي مهما كان خيرا فلابد له من سقطة تنبع من طبيعة شخصيته توقعه في الخطأ، وهذا ينبع من طبيعة البشر أنفسهم، لأن الخيّر المطلق “ملاكا” والشرير الصرف “شيطانا” والاثنين لا يندرجا تحت فئة البشر، وبالتالي لا تنبع منهما الشخصية التراجيدية، فالإنسان لابد أن يتولد بداخله الصراع الناشئ من تضارب بذور الخير والشر في أعماقه، وانتصار أحدهما على الآخر هو ما يصنفه إما في فئة الصلاح وإما في غيره.

كما أن الخلل الذي يقع فيه البطل لا يكون بسبب أهداف شريرة، فإن “أوديب” على سبيل المثال دفعه مزاجه الاندفاعي الحاد وثقته الزائدة بنفسه إلى الوقوع في الخطأ، ولم يقع فيه نتيجة شر كامن في نفسه، وعطيل دفعته الغيرة الشديدة لقتل ديدمونة، والملك لير دفعته  مثاليته ورغبته فيه البحث عن الأبوية لدى بناته إلى اقتراف الأخطاء التي أدت به طريدا ومشردا في الصحراء يناجي الطبيعة، وكذلك هملت أدت حيرته وتردده الى مأساته المعروفة.

أما بطلة الرواية “مها”: “فهي فتاة رقيقة تدخل المرحلة الثانوية .. يُغلف وجهها الحزن .. بغلاله من الهدوء المستكين والوداعة التي تأسر الآخرين وتحادثهم بصمتها.”،  لم ترتكب جرما ولا فعلا نزقا دفعت ثمنه بل كان قدرها أن تصنع مأساتها الأيام دون ما ذنب أو صفة شخصية بها ، إنه القدر بإمتياز. وتتصف خصائص شخصية البطل التتراجيدي بعدة خصائص منها :

  • الاستعاد الفطري للتراجيديا: “

“ولكني أشعر بشي غامض يغلف أحلامي وكأنها تختفي وراءه سحابة كثيفة مثقلة بأحداث تباعد بيني وبينها, أشعر بهذا الغموض يغلف مجهول قادم نحوي ببطء، ولكنه قادم ولا أستطيع تبينه أو إيقافه”.

  • فقد الأب في الإعدادية :

وهذه المأساة بدأت في حياة “مها” بفقد الأب  “بعد أن فقدت أكبر سند لديها والذي كان معينها في كل حياتها … أباها الحبيب. أباها الذي كانت ترى الدنيا بعيونه، وتتنفس من خلاله وتتصرف بتوجيهه وخبرته لكم كانت .. وكان .. يتمنى هذا اليوم الذي تخطو فيه نحو مرحلتها الثانوية وقد استعد لهذا اليوم بعد أن امتحنت الإعدادية، كان يجلس معها ساعات طوال، تستأثر بحديثه وحدها دون إخواتها كثيري العدد .. كانت أقربهم إلى نفسه رغم عدم كونها آخر العنقود .. فالعنقود ملئ بالكثير بعدها، ولم تكن أوله ولكنها كانت أولى البنات.. فكانت حبيبة قلبه، ونور حياته”.

ونتيجة لهذة المأساة المبكرة تثير مشاعر الشفقة والخوف – وعن طريق إثارة عاطفتي الشفقة والخوف – إحساسنا بالهوة العميقة التي تساهم في السقوط بهذا البطل أو ذاك من عليائه، نتيجة السقطة الدرامية وكيف يتحول من السعادة إلى الشقاء، وكيف يتحول هذا الجلال والهيبة إلى ضعف وانكسار أو ما شابه ذلك، ويزيدنا تأثراً بهم تلك القوة وهذا الجلد الذي يواجهون به مصيرهم التعس. ولقد أفقدتها المعاناة ذلك التفوق الذي كانت تحققه دوما من أجل إسعاد أبيها.

  • الجراحة الأولى في الثانوية العامة:

“بعد أن وصلت من المدرسة أول أمس. أحسست بمغص شديد جداً..جداً، وبقيء شديد، في بادئ الأمر ظننته أعراض الزائدة الدودية ولكني ذهبت للطبيب الذي قال أنها المرارة وأعطاني دواء ارتحت حتى ثاني يوم تجددت نفس الأعراض فذهبت إليه فأشار بضرورة إجراء عملية على وجه السرعة لاستئصال المرارة”.

ونتيجة لذلك حصلت على مجموع من نخفض لم يؤهلها للالتحاق بالجمعة بل بمعهد متوسط.

  • ألام الكبد:

” فقد أدى هذا الجهد الذي تقوم به مها إلى تذمر الكبد الذي لم تحاول أن تراعي رقته ومدى حساسيته خاصة بعد عملية المرارة التي أجرتها من عام مضى وأعقبتها بعمل متواصل، لذلك فقد كان الكبد هو الأداة التي استخدمتها الأيام في صراعها مع مها..” فقد بدأت مها تعاني من قيئ دموي شديد لم تستطع معه تحمل مشوارها اليومي.. فقد أخبرها الطبيب بأن ذلك نتيجة الجهد الذى أدى إلى هذا النزيف على هيئة قيئ دموي،” ، “فقد ضاعت منها السنة الدراسية من حيث أرادت أن تحافظ عليها بتفوق،” ولقد أدى ذلك المرض إلى رسوبها في هذا العام الدراسي.

  • عدم موافقة أهل الزوج على الزواج:

” وجاء ذلك نتيجة حضور أحمد يوم قراءة الفاتحة بمفرده دون أحد من أسرته، وقد استطاع يومها بلباقته أن يبررالموقف حتى أقتنع الجميع بما قاله، إلا مها فرغم فرحتها بارتباطها به إلا أن مبرراته التي ساقها كانت بمثابة الطرقات المحذرة إياها.، “حقيقة، لقد حاولت طوال الفترة السابقة أن أفاتح أسرتي، خاصة والدي ووالدتي بالحضور ولذلك كنت كل مرة أتعلل بالأسباب على أمل أن أقنعهم بالحضور بعد حين، ولكن من الواضح أن أبي مصر ولن يغير موقفه”. ونتج عن ذلك شعورها بالضيق والكدر وتأخر الارتباط لسنوات حتى وافق الأهل بعد ذلك.

 

– إصابة الزوج في المعركة:

” أحمد يا مها طلبونا الآن وقالوا إنه في مستشفى المعادي وحالته خطيرة”. أتى أحمد إلى المستشفى فى حالة منتهية بعد أن اخترقت رصاصة رأسه أثناء محاولته إقتحام إحدى محصنات العدو ,, ولكن وضح في كلام كل المحيطين بها حتى الأطباء قالوا لها صراحة أن الحالة ميئوس منها ومنتهية رغم هذا العدد من العمليات التي أجريت له، بل وعرضوا عليها كتابة تقرير عن حالته تستطيع أن تتقدم وتحصل به على حريتها، لأنها بهذا تربط مصيرها بإنسان ميت لا تربطه بالحياة أية روابط سوى أنفاس تتردد في فراغ غرفة العناية المركزة التي أضحت هي كل العالم بالنسبة لمها “. ولقد فقد الزوج نتيجة الحادث القدرة على الحركة والإصابة بالصرع …الخ من بقية الأعراض المرضية المصاحبة لحالة العجز التي أصبح عليها.

– عصبية الزوج وتهوره بعد الإصابة:

وظهرت تلك المعاناة في معاملته السيئة لـ “مها” وتعرضها للطلاق أكثر من مرة وطردها من المنزل عدة مرات ” حاولت مها تهدئته .. أمسكت بيده لتجلسه حتى لا يتعب من وقفته، ولكن كأنه ركز كل غضبه في يده التي أطاح مها بها بعيداً عنه.

– لا تحاولي الضحك عليّ بكلماتك التي تناقض أفعالك، فأنا لست مهماً لديك كما تدعين، بل لست مهماً في الحياة على الإطلاق .. فما .. فما ..

وبدأت عيناه تتحرك برفة عصبية، وبدأ وجهه يتجه ناحية الشمال تدريجياً فأسرعت مها للمطبخ وأحضرت ملعقة وغلفتها بفوطة وأسرعت بوضعها بين أسنانه مسنده إياه بعد أن ارتمى على أريكة الأنتريه، حتى لا تصطدم رأسه بيد الأريكة”. وهكذا أصبح الزوج عبئا اضافيا على مها في رعايته بدنيا ونفسيا وتحمل ما لا يطاق نتيجة حالته تلك.

  • السقوط التراجيدي المتدرج :

بعد أن أصيبت مها بمرض عضال ونادر وصعوبة علاجه حيث تزايد انتشار الجلطات في الدم في مختلف أجزاء جسدها وبقائها في المستشفى لفترات طويلة، وتناول أنواع شتى من الأدوية لدرجة عدم وجود موضع في جسدها كله لتناول إبرة الدواء وأخيرا أصبحت طريحة الفراش:

” وأغلقت مها السماعة .. وكأنها تغلق أبواب عمرها على بقاياها وبكت .. بكت .. بكت بعيون جافة .. كانت دموعها هي صور حياتها الماضية .. تساقطت منها متعاقبة متواصلة تساقطت .. حتى لم يبق بما في وجدانها سوى آخر صورة في شريط العمر، صورة الباب الموصد العالي .. الممتد باتساع الأفق .. وخلفه يقف أحمد وأولاده .. يحكمونه بأجسادهم وأيديهم”.

الرومانسية:

ونلاحظ في الرواية إلى جانب التراجيديا من الرواية, وجود الخيط الحريرى السحرى المنساب ضمنيا بين أحداث الرواية, وكأنه الذى يمسك جزيئاتها, وبدونه تفقد تماسكها, وهو خيط الرومانسية التى تتبدى ملامحها فى كثير من المواقف , مناجاة كل منهما – مها وأحمد – للآخر مما يدلل أنها به غفرت لزمانها, وهو بها تاب عن ذنوبه, حين عضبت منه وتركت المنزل, وحواره معها يشرح لها كيف جاء بسرعة ليلحق بها, وموقف مناجاتها له وهو فى غيبوبته, وكانت مناجاتها .. الحبل الذى أدلته له فى البئر العميق الذى سقط فيه, فتعلق به وجذبته لنخرجه , ورفض وليده أن يخرج للنور إلّا بوجود والده, ( معنى مجازى),  وغيرها من المواقف مهما كانت بساطتها, إلا أن فى طياتها نورانية مشاعر.. تجعلنا نتساءل : أين ذهبت هذه المشاعر والأحاسيس التى تجمع بين قلوب البشر؟ هل تئن تحت وطأة قسوة الأحداث….

إن ذلك يجعلنا نأتى للتساؤل الرئيسى للرواية, هل ما تحملته مها وحدها..من مختلف أنواع المعاناة, لكل من إبنها وإبنتها وزوجها, لا يجعلهم يتحملونها جميعهم وهى فرد واحد؟

إن تضافر التراجيديا والرومانسية, هو ما يجعل هناك توازن بالرواية, ويجعل لها مذاقا خاصا …فى وجدان من يتذوق مسترشدا بنورانية الساحر الأعظم “الحب” الذى يعطى للحياة سحرها.

صحيح أننا أمام قصة واقعية كما قالت المؤلفة في مقدمة الرواية، ولكني أرحب دوما بألا يقول المؤلف ذلك حتى يظل عبق الخيال لدى القارىء كي يبدع أيضا في قراءته نصا موازيا، فعلى من أن نجيب محفوظ كتب روايته “اللص والكلاب” عن قصة واقعية للسفاح محمود أمين سليمان إلا أنه لم يذكر ذلك ، ولذلك فقد صنع شخصية أوديب على النمط المصري في روايته.

كما وددتُ لو أن الرواية  “إنسان في طي النسيان” كانت تحت عنوان آخر هو “مها” لنكون أمام نص تراجيدي بإمتياز لو كتب فصله الأخير الذي أعرف بعضا من تفاصيله في حوار لي مع المؤلفة ساعتئذ يمكن لهذا النص / الرواية / المأساة أن تقف جنبا إلى جنب المأسي الإغريقية الكبرى.

وتبقى كلمة حول لغة الرواية وهي لغة هامسة رقيقة عبرت في كثير من المواضع عن الرواي وليس عن الشخصية فحديث أحمد مثلا وحديث هديل وحديث الخالة أقرب لحديث الراوي ولغته – والراوي هنا بلا شك هو المؤلفة -، وتختم المؤلفة الرواية بدعوة أخلاقية لأسرة مها وبخاصة الزوج والأبناء قائلة “فلعلهم أن يعيدوا للقلب نبضه المفقود .. وليعيدوا للكيان الماسي المتفتت .. أمانه المفقود .. فبه .. وبه فقط ستتماسك بقايا .. الشمعة البلورية المحتوى .. لعلها .. بهذه البقايا .. تضيء طريقهم العقلي بنورانية قلبها. فلعلهم .. ولعلها .. وليتهم.. وليتها.. وليتنا.. ندعو لهذه الرقة ألا تذوب.

 

[1] – سيفوكليس :أوديب ملكا/ أنتيجونا/ألكترا . ترجمة طه حسين. القاهرة . الهيئة المصرية العامة للكتاب.2004.

[2] – فايزة حلمي : مها. مؤسسة طيبة للنشر والتوزيع .القاهرة . 2011.

2432

عن الکاتب / الکاتبة

د. خالد محمد عبدالغني
د. خالد محمد عبدالغني
ناقد وکاتب / مصر

مقالات أخرى للكاتب

الصمود والقُبلة في المجموعة القصصية “لن يملكني أحد” لسامي سرحان

الصمود والقُبلة في المجموعة القصصية “لن يملكني أحد” لسامي سرحان

  لن يملكني أحد([1]) ، مجموعة قصصية تجمع ما بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا…

صورة الكاتب د. خالد محمد عبدالغني
16 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد
السيرة الذاتية في روايتي الطاهرة و نجمة

السيرة الذاتية في روايتي الطاهرة و نجمة

حاولت بعض حركات النقد النسوي والتي تقوم على إظهار خصائص النفس الأنثوية الممثلة في طباعها…

صورة الكاتب د. خالد محمد عبدالغني
14 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد
سيكولوجية الأزياء والموضة السومرية للدكتور صباح محسن كاظم

سيكولوجية الأزياء والموضة السومرية للدكتور صباح محسن كاظم

هناك مفاهيم يجب توضيحها قبل الحديث عن موضوع الموضة والأزياء من الوجهة النفسية ومنها :…

صورة الكاتب د. خالد محمد عبدالغني
1 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


النسق الأوديبي في رواية مها للروائیة فایزة حلمي

بقلم: د. خالد محمد عبدالغني | التاريخ: 28 ديسمبر 2025

التصنيف: الأدب

النسق الأوديبي في رواية مها 

 

 

مقدمة:

النسق الأوديبي في الكتابة الروائية أو الشعرية قصد به استلهام ملامح الأسطورة اليونانية “أوديب ملكا” واستدماجها داخل النص الأدبي بحيث تسيطر روح القدر على البطل الذي لا يرتكب جريمة ولكنه يعاقب علی فعل غير آثم ، بإرادة القدر وقد تمثل نجيب محفوظ هذا النسق في روايته الشهيرة اللص والكلاب.

تعد أسطورة (الملك أوديب) للمسرحي الإغريقي سوفوكليس تحفة فريدة في الأدب العالمي، وربما تكون أهم مسرحية وصلت إلينا من التراجيديات الإغريقية. وصفها أرسطو بأنها بلغت حد الكمال. وكانت قد عرضت أول مرة عام 425 قبل الميلاد، وتروي هذه المأساة أن كاهناً أخبر (لايوس) ملك طيبة، وزوجته (جوكاستا) أنه إذا وُلِد لهما ولد فسيقتل أباه ويتزوج أمه، وعندما وُلِد الابن (أوديب) قررت أمه جوكاستا أن تفر من المصير الذي تنبأ به الكاهن بأن تقتل الطفل وتقوم بتسليمه (أوديب) الى أحد الرعاة الذي كان عليه أن يترك الطفل في الغابة بقدمين موثوقتين بحيث يموت أو تأكله الوحوش، على أن الراعي أخذته الشفقة بالطفل وقام بتسليمه إلى رجل يعمل في خدمة ملك مدينة كورينث، وهذا الرجل بدوره يأخذ الطفل إلى سيده الذي لا ينجب ، ويتربى أوديب أميراً صغيراً في كنف ملك كورينث دون أن يعلم أنه ليس الابن الحقيقي لهذا الملك، و يخبره كاهن دلفي أن قدره أن يقتل أباه ويتزوج أمه، فيعزم أوديب على أن يهرب من هذا القدر بألا يعود أبداً إلى أبويه الذين ربياه صغيراً، بينما هو عائد من دلفي يدخل في صراع عنيف مع عجوز متغطرس على ظهر مركبة، ويفلت من زمام نفسه فيقتل هذا الرجل دون أن يعرف أنه قتل أباه ملك طيبة، وتقوده خطاه إلى طيبة وهناك كان السفنكس (أبو الهول) يفترس شباب وشابات المدينة ولن يكف عن ذلك إلا إذا وجد شخصاً يعرف الإجابة عن اللغز الذي يطرحه وهو” ما الشيئ الذي يسير أولاً على أربع في الصباح ثم على اثنتين عند الظهر وعلى ثلاث عند الغروب؟” وقد وعد شعب طيبة بأنهم سينصبون من يستطيع حل اللغز وإنقاذ المدينة من الوحش ملكاً ويزوجونه بأرملة الملك، ويغامر أوديب ويجد الجواب عن اللغز [إنه الإنسان].

ويلقى أبو الهول نفسه في البحر وتتخلص طيبة من الكارثة ويصبح أوديب ملكاً ويتزوج جوكاستا التي لم يكن يعرف أنها أمه، وبعد أن حكم أوديب زمناً طويلاً بسلام تصاب المدينة بوباء الطاعون ويذهب ضحيته كثير من سكان طيبة ويكلف أوديب أخ زوجته ( كريون) بالتوجه إلى المعبد لمعرفة نبوءة الإله أبولو. ويبلغ الملك أوديب أن الكارثة ستستمر إلى أن يقبض على قاتل الملك السابق ويقدم للمحاكمة. ويعلن أوديب أنه لن يهدأ له بال حتى يقبض على القاتل الشرير ويعاقبه، غير مدرك أنه هو القاتل نفسه.

ويطالب العراف ترياسيس بأن يكشف عما يعرفه من أمر ما تواجهه المدينة فيرفض العراف ويستشيط أوديب غضباً ويتهم العراف بأنه متآمر مع كريون لإزالته من الحكم. ويعلن ترياسيس أن أوديب سيصاب بالهلع عندما يكتشف حقيقة أبيه وزوجته وتحاول جوكاستا  زوجة أوديب أن تخفف عن زوجها بأن تقول له إن النبوءات لا أساس لها وتقص عليه أن نبوءة ظهرت في الماضي البعيد بأن ابنها سيقتل أباه ويتزوجها. وقالت إنها صرفت هذا الإبن بأن طلبت من أحد الخدم القضاء عليه منعاً لتحقق النبوءة وتحاول طمأنته بأن النبوءة لم يتحقق منها شيء ولا تدرك جوكاستا أنها فتحت بذلك باباً للحقيقة الرهيبة ويكشف العراف (الكاهن) ترياسيس أن الطاعون عقاب الألهة على الأثم المزدوج الذي اقترفه أوديب وهو قتل الأب والزواج من الأم ، ويعرف أوديب من الكاهن الحقيقة فيذهب ويعترف لأمه بذلك فتقتل نفسها ويقوم هو بفقأ عينيه ويصبح أعمى ([1]).وتنطوي المسرحية على العديد من الأفكار والقضايا الفكرية والفلسفية فهي تبحث في الأخطار التي يواجهها المرء في رحلته الطويلة على طريق البحث عن الذات وتبحث في مشاعر الذنب وتكشف عن طبيعة القدر وتدرس العلاقة بين الفرد وقدره، فحرص أوديب على البحث عن الذات وثقته التي لا تعرف الحدود بنفسه وسرعة غضبه – وكلها خصائص تتميز بها شخصيته – هي السبب وراء المواجهة مع قدره وهي الحافز في تحقق النبوءات.

ملخص الرواية:

 

مها فتاة لطيفة مات أبوها وهي في فترة المراهقة، وبسب فقده تأخر إنجازها الدراسي، والتحقت بمعهد متوسط، وبعده تزوجت من ضابط بالجييش أصيب في معركة 1973، وحدثت مشكلات كثيرة بينهما أدت لطلاقها عدة مرات، وأخيرا أصيبت بمرض نادر، أقعدها في المستشفى وقد هجرها زوجها وأبناؤها وأقاربها، لتعيش مها وحدة تعيسة بعد أن ضحت من أجلهم جميعا ([2]).

وفي هذه الرواية نجد أن “هديل” – المؤلفة – صديقة البطلة التي تقف بجوارها طوال المأساة منذ أن ربطت عرى الصداقة بينهما في مرحلة المراهقة وحتى نهاية المأساة – أحداث الرواية – ودوما كانت “هديل” الناصح الأمين والمهنأ والمساند لمها طول أزماتها المتكررة، وكأنها الصديق الموجود دائما بصحبة البطل التراجيدي في الدراما الاغريقية.

ولو أردنا الوقوف على دلالة اسم هديل لعرفنا أنه صوت الحمام وما الحمام إلا رمز السلام والوداعة والرقة والجمال، وما مها إلا الغزال وما يرمز له من الجمال والرشاقة والحيوية وخفة الحركة والانطلاقة، وهو ما كانت عليه مها في أغلب فترات حياتها قبل توالي الصدمات والنكبات عليها، وإن ظلت هديل على هذا الحال من السلام والجمال والنصح طوال الرواية منذ أن تعرفت عليها أيام الدراسة وحتى آخر كلماتها في زيارتها لـ “مها” في المستشفى ، فلم يتضح لنا عنها من تفاصيل أخرى، وكذلك شخصية الخالة التي كانت تشبه شخصية هديل وكأنهما نسجا من خلايا متماثلة، كما غاب عن الرواية تفاصيل مهمة من قبيل نشأة أحمد الزوج الذي كان بطلا في الحرب هزمته الإصابة التي صاحبته طوال حياته وكأنه يعاني من أعراض اضطراب الضغوط التالية للصدمة، وفي الرواية الكثير من تلك الأعراض.

إن البطل التراجيدي الإغريقي لابد وان يتمتع بالسمو والنبل، حيث أن الأفعال العظيمة تقوم بها شخصيات عظيمة، فلا يمكن أن تكون شخصية البطل متدنية أخلاقيا أو اجتماعيا، أو ما إلى ذلك:

” وسابقت الدموع الخُطى بل وسبقت الأيدي في احتضان وجه مها المستند في سكون. المتألم في صمت. الملائكي الملامح، العذب الابتسامة حتى وهي في أول يوم تفيق من أثر العملية العاجلة التي أجريت لها بالأمس”. ، “وبدأت مها مشوارها متساندة على نفسها فلم يكن لديها ما تستند إليه سواها فكما أنها مصدر ما يصيبها من ضعف كانت مصدر قوتها أيضاً. وبهذه القوة ظلت متماسكة على هذا المشوار اليومي المرهق، الاستيقاظ مع الفجر، والعودة مع اقتراب المساء. ومحاولة التماسك ساعات بعد ذلك لاستيعاب محاضرات اليوم”.

وأما عن الفارق الوحيد بين التراجيديا الإغريقية وتراجيديا “مها” فهو أن البطل التراجيدي مهما كان خيرا فلابد له من سقطة تنبع من طبيعة شخصيته توقعه في الخطأ، وهذا ينبع من طبيعة البشر أنفسهم، لأن الخيّر المطلق “ملاكا” والشرير الصرف “شيطانا” والاثنين لا يندرجا تحت فئة البشر، وبالتالي لا تنبع منهما الشخصية التراجيدية، فالإنسان لابد أن يتولد بداخله الصراع الناشئ من تضارب بذور الخير والشر في أعماقه، وانتصار أحدهما على الآخر هو ما يصنفه إما في فئة الصلاح وإما في غيره.

كما أن الخلل الذي يقع فيه البطل لا يكون بسبب أهداف شريرة، فإن “أوديب” على سبيل المثال دفعه مزاجه الاندفاعي الحاد وثقته الزائدة بنفسه إلى الوقوع في الخطأ، ولم يقع فيه نتيجة شر كامن في نفسه، وعطيل دفعته الغيرة الشديدة لقتل ديدمونة، والملك لير دفعته  مثاليته ورغبته فيه البحث عن الأبوية لدى بناته إلى اقتراف الأخطاء التي أدت به طريدا ومشردا في الصحراء يناجي الطبيعة، وكذلك هملت أدت حيرته وتردده الى مأساته المعروفة.

أما بطلة الرواية “مها”: “فهي فتاة رقيقة تدخل المرحلة الثانوية .. يُغلف وجهها الحزن .. بغلاله من الهدوء المستكين والوداعة التي تأسر الآخرين وتحادثهم بصمتها.”،  لم ترتكب جرما ولا فعلا نزقا دفعت ثمنه بل كان قدرها أن تصنع مأساتها الأيام دون ما ذنب أو صفة شخصية بها ، إنه القدر بإمتياز. وتتصف خصائص شخصية البطل التتراجيدي بعدة خصائص منها :

  • الاستعاد الفطري للتراجيديا: “

“ولكني أشعر بشي غامض يغلف أحلامي وكأنها تختفي وراءه سحابة كثيفة مثقلة بأحداث تباعد بيني وبينها, أشعر بهذا الغموض يغلف مجهول قادم نحوي ببطء، ولكنه قادم ولا أستطيع تبينه أو إيقافه”.

  • فقد الأب في الإعدادية :

وهذه المأساة بدأت في حياة “مها” بفقد الأب  “بعد أن فقدت أكبر سند لديها والذي كان معينها في كل حياتها … أباها الحبيب. أباها الذي كانت ترى الدنيا بعيونه، وتتنفس من خلاله وتتصرف بتوجيهه وخبرته لكم كانت .. وكان .. يتمنى هذا اليوم الذي تخطو فيه نحو مرحلتها الثانوية وقد استعد لهذا اليوم بعد أن امتحنت الإعدادية، كان يجلس معها ساعات طوال، تستأثر بحديثه وحدها دون إخواتها كثيري العدد .. كانت أقربهم إلى نفسه رغم عدم كونها آخر العنقود .. فالعنقود ملئ بالكثير بعدها، ولم تكن أوله ولكنها كانت أولى البنات.. فكانت حبيبة قلبه، ونور حياته”.

ونتيجة لهذة المأساة المبكرة تثير مشاعر الشفقة والخوف – وعن طريق إثارة عاطفتي الشفقة والخوف – إحساسنا بالهوة العميقة التي تساهم في السقوط بهذا البطل أو ذاك من عليائه، نتيجة السقطة الدرامية وكيف يتحول من السعادة إلى الشقاء، وكيف يتحول هذا الجلال والهيبة إلى ضعف وانكسار أو ما شابه ذلك، ويزيدنا تأثراً بهم تلك القوة وهذا الجلد الذي يواجهون به مصيرهم التعس. ولقد أفقدتها المعاناة ذلك التفوق الذي كانت تحققه دوما من أجل إسعاد أبيها.

  • الجراحة الأولى في الثانوية العامة:

“بعد أن وصلت من المدرسة أول أمس. أحسست بمغص شديد جداً..جداً، وبقيء شديد، في بادئ الأمر ظننته أعراض الزائدة الدودية ولكني ذهبت للطبيب الذي قال أنها المرارة وأعطاني دواء ارتحت حتى ثاني يوم تجددت نفس الأعراض فذهبت إليه فأشار بضرورة إجراء عملية على وجه السرعة لاستئصال المرارة”.

ونتيجة لذلك حصلت على مجموع من نخفض لم يؤهلها للالتحاق بالجمعة بل بمعهد متوسط.

  • ألام الكبد:

” فقد أدى هذا الجهد الذي تقوم به مها إلى تذمر الكبد الذي لم تحاول أن تراعي رقته ومدى حساسيته خاصة بعد عملية المرارة التي أجرتها من عام مضى وأعقبتها بعمل متواصل، لذلك فقد كان الكبد هو الأداة التي استخدمتها الأيام في صراعها مع مها..” فقد بدأت مها تعاني من قيئ دموي شديد لم تستطع معه تحمل مشوارها اليومي.. فقد أخبرها الطبيب بأن ذلك نتيجة الجهد الذى أدى إلى هذا النزيف على هيئة قيئ دموي،” ، “فقد ضاعت منها السنة الدراسية من حيث أرادت أن تحافظ عليها بتفوق،” ولقد أدى ذلك المرض إلى رسوبها في هذا العام الدراسي.

  • عدم موافقة أهل الزوج على الزواج:

” وجاء ذلك نتيجة حضور أحمد يوم قراءة الفاتحة بمفرده دون أحد من أسرته، وقد استطاع يومها بلباقته أن يبررالموقف حتى أقتنع الجميع بما قاله، إلا مها فرغم فرحتها بارتباطها به إلا أن مبرراته التي ساقها كانت بمثابة الطرقات المحذرة إياها.، “حقيقة، لقد حاولت طوال الفترة السابقة أن أفاتح أسرتي، خاصة والدي ووالدتي بالحضور ولذلك كنت كل مرة أتعلل بالأسباب على أمل أن أقنعهم بالحضور بعد حين، ولكن من الواضح أن أبي مصر ولن يغير موقفه”. ونتج عن ذلك شعورها بالضيق والكدر وتأخر الارتباط لسنوات حتى وافق الأهل بعد ذلك.

 

– إصابة الزوج في المعركة:

” أحمد يا مها طلبونا الآن وقالوا إنه في مستشفى المعادي وحالته خطيرة”. أتى أحمد إلى المستشفى فى حالة منتهية بعد أن اخترقت رصاصة رأسه أثناء محاولته إقتحام إحدى محصنات العدو ,, ولكن وضح في كلام كل المحيطين بها حتى الأطباء قالوا لها صراحة أن الحالة ميئوس منها ومنتهية رغم هذا العدد من العمليات التي أجريت له، بل وعرضوا عليها كتابة تقرير عن حالته تستطيع أن تتقدم وتحصل به على حريتها، لأنها بهذا تربط مصيرها بإنسان ميت لا تربطه بالحياة أية روابط سوى أنفاس تتردد في فراغ غرفة العناية المركزة التي أضحت هي كل العالم بالنسبة لمها “. ولقد فقد الزوج نتيجة الحادث القدرة على الحركة والإصابة بالصرع …الخ من بقية الأعراض المرضية المصاحبة لحالة العجز التي أصبح عليها.

– عصبية الزوج وتهوره بعد الإصابة:

وظهرت تلك المعاناة في معاملته السيئة لـ “مها” وتعرضها للطلاق أكثر من مرة وطردها من المنزل عدة مرات ” حاولت مها تهدئته .. أمسكت بيده لتجلسه حتى لا يتعب من وقفته، ولكن كأنه ركز كل غضبه في يده التي أطاح مها بها بعيداً عنه.

– لا تحاولي الضحك عليّ بكلماتك التي تناقض أفعالك، فأنا لست مهماً لديك كما تدعين، بل لست مهماً في الحياة على الإطلاق .. فما .. فما ..

وبدأت عيناه تتحرك برفة عصبية، وبدأ وجهه يتجه ناحية الشمال تدريجياً فأسرعت مها للمطبخ وأحضرت ملعقة وغلفتها بفوطة وأسرعت بوضعها بين أسنانه مسنده إياه بعد أن ارتمى على أريكة الأنتريه، حتى لا تصطدم رأسه بيد الأريكة”. وهكذا أصبح الزوج عبئا اضافيا على مها في رعايته بدنيا ونفسيا وتحمل ما لا يطاق نتيجة حالته تلك.

  • السقوط التراجيدي المتدرج :

بعد أن أصيبت مها بمرض عضال ونادر وصعوبة علاجه حيث تزايد انتشار الجلطات في الدم في مختلف أجزاء جسدها وبقائها في المستشفى لفترات طويلة، وتناول أنواع شتى من الأدوية لدرجة عدم وجود موضع في جسدها كله لتناول إبرة الدواء وأخيرا أصبحت طريحة الفراش:

” وأغلقت مها السماعة .. وكأنها تغلق أبواب عمرها على بقاياها وبكت .. بكت .. بكت بعيون جافة .. كانت دموعها هي صور حياتها الماضية .. تساقطت منها متعاقبة متواصلة تساقطت .. حتى لم يبق بما في وجدانها سوى آخر صورة في شريط العمر، صورة الباب الموصد العالي .. الممتد باتساع الأفق .. وخلفه يقف أحمد وأولاده .. يحكمونه بأجسادهم وأيديهم”.

الرومانسية:

ونلاحظ في الرواية إلى جانب التراجيديا من الرواية, وجود الخيط الحريرى السحرى المنساب ضمنيا بين أحداث الرواية, وكأنه الذى يمسك جزيئاتها, وبدونه تفقد تماسكها, وهو خيط الرومانسية التى تتبدى ملامحها فى كثير من المواقف , مناجاة كل منهما – مها وأحمد – للآخر مما يدلل أنها به غفرت لزمانها, وهو بها تاب عن ذنوبه, حين عضبت منه وتركت المنزل, وحواره معها يشرح لها كيف جاء بسرعة ليلحق بها, وموقف مناجاتها له وهو فى غيبوبته, وكانت مناجاتها .. الحبل الذى أدلته له فى البئر العميق الذى سقط فيه, فتعلق به وجذبته لنخرجه , ورفض وليده أن يخرج للنور إلّا بوجود والده, ( معنى مجازى),  وغيرها من المواقف مهما كانت بساطتها, إلا أن فى طياتها نورانية مشاعر.. تجعلنا نتساءل : أين ذهبت هذه المشاعر والأحاسيس التى تجمع بين قلوب البشر؟ هل تئن تحت وطأة قسوة الأحداث….

إن ذلك يجعلنا نأتى للتساؤل الرئيسى للرواية, هل ما تحملته مها وحدها..من مختلف أنواع المعاناة, لكل من إبنها وإبنتها وزوجها, لا يجعلهم يتحملونها جميعهم وهى فرد واحد؟

إن تضافر التراجيديا والرومانسية, هو ما يجعل هناك توازن بالرواية, ويجعل لها مذاقا خاصا …فى وجدان من يتذوق مسترشدا بنورانية الساحر الأعظم “الحب” الذى يعطى للحياة سحرها.

صحيح أننا أمام قصة واقعية كما قالت المؤلفة في مقدمة الرواية، ولكني أرحب دوما بألا يقول المؤلف ذلك حتى يظل عبق الخيال لدى القارىء كي يبدع أيضا في قراءته نصا موازيا، فعلى من أن نجيب محفوظ كتب روايته “اللص والكلاب” عن قصة واقعية للسفاح محمود أمين سليمان إلا أنه لم يذكر ذلك ، ولذلك فقد صنع شخصية أوديب على النمط المصري في روايته.

كما وددتُ لو أن الرواية  “إنسان في طي النسيان” كانت تحت عنوان آخر هو “مها” لنكون أمام نص تراجيدي بإمتياز لو كتب فصله الأخير الذي أعرف بعضا من تفاصيله في حوار لي مع المؤلفة ساعتئذ يمكن لهذا النص / الرواية / المأساة أن تقف جنبا إلى جنب المأسي الإغريقية الكبرى.

وتبقى كلمة حول لغة الرواية وهي لغة هامسة رقيقة عبرت في كثير من المواضع عن الرواي وليس عن الشخصية فحديث أحمد مثلا وحديث هديل وحديث الخالة أقرب لحديث الراوي ولغته – والراوي هنا بلا شك هو المؤلفة -، وتختم المؤلفة الرواية بدعوة أخلاقية لأسرة مها وبخاصة الزوج والأبناء قائلة “فلعلهم أن يعيدوا للقلب نبضه المفقود .. وليعيدوا للكيان الماسي المتفتت .. أمانه المفقود .. فبه .. وبه فقط ستتماسك بقايا .. الشمعة البلورية المحتوى .. لعلها .. بهذه البقايا .. تضيء طريقهم العقلي بنورانية قلبها. فلعلهم .. ولعلها .. وليتهم.. وليتها.. وليتنا.. ندعو لهذه الرقة ألا تذوب.

 

[1] – سيفوكليس :أوديب ملكا/ أنتيجونا/ألكترا . ترجمة طه حسين. القاهرة . الهيئة المصرية العامة للكتاب.2004.

[2] – فايزة حلمي : مها. مؤسسة طيبة للنشر والتوزيع .القاهرة . 2011.

2432