سؤالٌ مازال يطاردُ الإنسان منذ فجر التأريخ، هل نحن كائنات خيّرة بطبيعتنا؟ أم أن الخير الذي نظهره ليس سوى سلوك نمارسه تحت سلطة القوانين؟ وما الذي يحدث حين يتخلص الإنسان من سياط القانون ويصبح بعيدا عن العقاب، ويُمهد له الطّريق إلى ما يشتهيه دون خوف أو عناء؟
وأنا أتابع مشاهد نهب المتاجر التي شهدتها فرنسا قبل يومين، أخذتني الذكريات إلى ما شهده العراق في الأيام التي أعقبت سقوط النظام عام 2003، واستحضرتُ هذا السؤال الأخلاقي والنفسي، ماذا يبقى من الإنسان حين تتراجع سلطة الخوف؟
تسكن الإنسان نزعة قوية للتملك والاستحواذ، تبدأ من حاجته الطبيعية إلى البقاء، وقد تتحول إلى رغبة في امتلاك ما لا يحتاج إليه. فالإنسان لا يكتفي أحيانا بما يمتلك؛ لأن الرغبة في الاستحواذ لا تنبع دائما من الحاجة، وإنما من شعوره بأن الفرصة قد لا تتكرر، وهذه النزعة لا تعني أن كل إنسان لص بطبعه، وليست الأنانية تفسر جميع السلوكيات البشرية، لكنها تكشف عن جانب مظلم من النفس البشرية، ينتظر ظرفا مناسبا كي يتحول إلى فعل ظاهر. فالفرق كبير بين إنسان يمتنع عن السرقة؛ لأنه يؤمن بحرمتها، وآخر يمتنع عنها لأنه يخشى العقاب. كلاهما لم يمارس السرقة، لكن الدافع الأخلاقي مختلف، ولا يظهر الفرق بوضوح إلا حين تتراجع الرقابة ويضعف احتمال العقاب.
إذ يرى الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، في كتابه (Leviathan)، أن غياب السلطة القادرة على فرض النظام يجعل البشر عرضة للصراع؛ لأنهم يتنافسون على الموارد، ويتوجسون من بعضهم، ويسعون إلى حماية مصالحهم. وفي تصوره لحالة الطبيعة، يصبح الخوف وانعدام الأمن من أبرز أسباب الصراع، وتغدو الحاجة إلى سلطة الردع شرطا أساسيا لاستقرار المجتمع.
لا أجزم هنا أن هوبز حكم على الإنسان بأنه شرير بصورة مطلقة، بقدر ما أنه رأى أن المصالح المتعارضة وانعدام الضمانات المشتركة قد تدفعه إلى سلوك عدواني، حتى في سبيل حماية نفسه. وهنا تكمن أهمية القانون، إنه لا يمنع الجريمة فحسب، بل يصنع توقعا اجتماعيا يجعل الاعتداء على حقوق الآخرين أقل احتمالا.
أما الفيلسوف جان جاك روسو، فقد قدم تصورا مختلفا في فهم الإنسان والمجتمع، وناقش في كتابه (خطاب في أصل التفاوت بين البشر)، أثر المجتمع والملكية والتفاوت في تشكيل أنماط من التنافس والأنانية. وبين هوبز وروسو مساحة واسعة من الجدل الفلسفي حول ما إذا كانت الأنانية أصيلة في الطبيعة البشرية، أم أن الظروف الاجتماعية تضخمها وتمنحها أشكالا أكثر قسوة.
ويقدم القرآن الكريم وصفا مكثفا لهذا الجانب من النفس البشرية، ففي قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (النساء: 128). والشح أعمق من مجرد البخل، إذ يتضمن شدة التعلق بما في اليد، والحرص على ما في أيدي الآخرين. ويتجلى ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (المعارج: 19-21). إذ تكشف هذه الآيات عن قابلية النفس في الجزع والمنع والتشبث بالمصلحة الذاتية، مع أن الإنسان قادر بالتربية والإيمان والوعي على تهذيب هذه القابلية وتجاوزها. والدلالة المهمة في أن معرفة ضعف النفس ليست دعوة إلى اليأس، وإنما تحذير من تركها بلا تهذيب أو ضوابط.
ومن خلال ما سبق يتبادر الى الذهن سؤالا مفاده، هل يحتاج الإنسان إلى رقيب خارجي كي يحترم حقوق الآخرين؟ فحين يرى الفرد دكانا مفتوحا، وبضاعة مبذولة، وانعداما للرقابة، قد يتحول الاستحواذ من إغراء إلى فعل. وفي تلك اللحظة لا يبحث الإنسان عما يحتاج إليه، وإنما عما يستطيع أخذه دون أن يدفع الثمن. وبهذا ينبغي ألّا نستنتج من هذه الوقائع أن غياب القانون هو السبب الوحيد في فساد السلوك، أو أن الخوف وحده يصنع الإنسان الصالح. فهناك من يمتنع عن السرقة بسبب ضميره، وهنالك من يسرق تحت تأثير الجماعة أو الانتقام أو الشعور بأن هذه الممتلكات تمثل سلطة ظالمة. كما أن الفقر والحرمان والغضب السياسي قد تفسر بعض الدوافع، لكنها لا تمنح الاعتداء على حقوق الأبرياء مشروعية أخلاقية.
إن القانون يحمي المجتمع من اندفاعات أفراده، والضمير يحمي الإنسان من نفسه. وإذا غاب الاثنان، صار الضعيف فريسة للقوي، وتحولت الحرية إلى امتياز لمن يملك القدرة على البطش، لا حقا للجميع.
في النهاية، ربما لا يُختبر معدن الإنسان حين تكون السرقة مستحيلة، وإنما حين تصبح ممكنة، ويغيب الرقيب، وتُفتح الأبواب. هنا يظهر الفرق بين من يملك الشيء لأنه يستحقه، ومن يأخذه لأنه يستطيع أخذه.
دیار الخفاجي
أحمد الكناني
حيدر عبدالله الشطري
التعليقات