عِفَّةُ الحَرْف
حين تُؤثِرُ الكتابةُ الصمتَ على الكلام، تسكنُ الروح، وتهمسُ بنبرةٍ وادعةٍ كأنها تأتمرُ في نفسها بأمورٍ أبت أن تُدوَّن، ولعلَّ قضيّةً ما تثورُ في البصيرةِ حتى تُبصِرَ الأعينُ الحقيقة.
تبقى الكتابةُ الفعلَ الصادقَ الوحيدَ الذي لا ريبَ فيه؛ قد يُصانعُ القلمُ عباراتِه كي لا يترجّحَ المعنى المقصود، أو يُساقَ إلى قوالبِ الاستعباد. فالمفردةُ تظلُّ رهينةً حتى تظفرَ بعتقِها من بين قضبان الصمت، والأحاسيسُ حبيسةٌ بين أضلعِ الكاتبِ حتى إذا ما أُطلقَ سراحُها… أمست أسيرةً لوجدانِ قارئها.
لا جُناحَ على الكلمةِ حين تعشق، فلا تسَلْ كيف للوجدِ أن يخطَّ بيدِ الذّهول!
أجدُني أشُدُّ رَحْلي، وأرى جوادَ الأمنياتِ يركضُ مسرعاً نحو أفقٍ يُؤرّخُ اسمي؛ تشدُّ كلماتي خمارَ مبادئها لتصونَ قلبَها من وحشةِ الدرب، وفي عينيها ملامحُ الفجر. رأيتُها تكتحلُ بسوادِ الليل لعلّها تُتوَّجُ قمراً في ميادينِ السماءِ الفسيحة، محفوفةً بنجومِ الرجاء… فأقبلَ الحرفُ لاهثاً بين أضلعها، يجري كالنهرِ عذباً لا يركدُ ولا تعترضه صخرة، يكسو الصفحاتِ جُماناً كأنّ الأفلاكَ كلَّها تدورُ في مَداره.
وبينما تعزفُ أناملُ الليلِ على وترِ الشفق، تناثرت حبّاتُ اللؤلؤ من عينيها باستحياء، فتوالت الأحرفُ بانسيابٍ على صدرِ الأوراق.
ومع ارتسامِ تجاعيدِ الغروبِ على وجهِ الأفق، أقبلتِ الكلمةُ متزيّنةً بفرائدِ النجوم، متواريةً في خَفَرٍ وراءَ القمر؛ ترتدي سواراً من العفافِ في معصمها، وتلتحفُ ثوباً من الكرامةِ والعزّة، لعلّها ترتقي في زمنٍ تعرّت فيه المشاعرُ من حيائها.
فحين يكتسي القلبُ بالعفّة، ينبضُ الحرفُ في صدرِ الكاتبِ عزيزاً، وحين يُقرأ… يخلدُ في الرّوحِ غضّاً لا يُنسى؛ حتى إن كرّتِ الأعوام، وهَرِمَتِ الكلمةُ ولم تستقم إلا على عُكّازِ الوقار، ظلّ اسمُ صاحبِها صَرْحاً عصيّاً على الغياب.
هي كصلاةِ النافلة؛ ليست فرضاً يُساقُ المرءُ إليه إلزاماً، بل قُربةٌ تُبذلُ محبّةً… كذلك هي الكلمةُ العفيفة: لا تفرضُ أحكامَها ولا سُلطانها قهراً، بل تسكنُ الفؤادَ نَفلاً، وتُزهرُ في روحِ قارئها نَفْعاً وبهاء
طيبة جليل
زاهر الأسعد
التعليقات