كلُّ يومٍ يمضي يتسرّب من وعينا ما يكفي لفتح شقوقٍ جديدة في جدار وحدتنا؛ تُنسَف فيه البوصلة بين هويةٍ تتشظّى وولاءاتٍ تتنازع، وتُستنزَف طاقاتُنا في خصوماتٍ تُشبه غبارًا كثيفًا يحجب عنا ملامح الطريق.
وبينما نتوه في صراع الأولويات، ينخر الانقسام في جسد القضية كما ينخر السوس خشبًا اعتقد أنه صلب، فيما ينهل العدوّ من خلافاتنا ما يغذّي روايته، ويُراكم على صمتنا ما يُرسّخ وقائعه على الأرض.
إن أخطر ما يهدد فلسطين اليوم ليس فقط بطش الاحتلال، بل الضعف الذي يتسلل إلى مسامات الوعي حين نتخلى عن مركزيتنا، وحين نسمح للثانوي أن يبتلع الجوهري، وللصوت العالي أن يطغى على المعنى العميق.
فبينما يعيد شعبنا في الميدان كتابة معنى التضحية كل يوم، نغرق نحن في فضاءاتٍ مُنهكة، تتآكل فيها الثقة، وتُفتَح فيها نوافذ الاستنزاف التي لا تصبّ إلا في طاحونة العدو.
إن أكبر أشكال الاستحمار هو أن نشاهد القصة تُروى باسمنا دون أن نملك زمام سرديتها؛ أن ننشغل ببعضنا انشغالًا يُعمي البصيرة، في حين تُنسج خيوط واقع جديد لا يعبأ بتشتتنا، ولا ينتظر إدراكنا المتأخر.
وما هو أقسى من الهزيمة أمام قوة غاشمة، هو الهزيمة أمام الذات حين يُختطف وعينا ونترك أبوابنا مشرّعة لرياح الفُرقة.
لقد آن لنا أن نُرمّم بوصلة الوعي قبل أن يتكفّن الحلم.
أن ندرك أن فلسطين ليست ملفًا سياسيًا يُدار، بل روح أمة تُختبر، وأن وحدة الموقف ليست خيارًا ترفيًّا، بل قَدَرٌ تُقاس عليه جدّية الشعوب ومدى صدق انتمائها.
فدماء الشهداء ليست سطورًا في بيان، وصبر الأمهات ليس مشهدًا للتداول، وجباه المقاومين ليست مادةً للترويج… بل كلّها أمانة، ومن يخون الأمانة يسقط من التاريخ قبل أن يسقط من الحساب.
فلنستفق قبل أن يُغلق الزمن أبوابه.
فالقضية أكبر من أهوائنا، أعمق من اختلافاتنا، وأقدس من أن نتركها فريسةً لعبث اللحظة.
وما تبقّى لنا من الزمن لا يحتمل تكرار الأخطاء، ولا رفاهية أن نخسر أنفسنا ونحن ندّعي أننا نحمي القضية.
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
على حافّة الوعي…
كلُّ يومٍ يمضي يتسرّب من وعينا ما يكفي لفتح شقوقٍ جديدة في جدار وحدتنا؛ تُنسَف فيه البوصلة بين هويةٍ تتشظّى وولاءاتٍ تتنازع، وتُستنزَف طاقاتُنا في خصوماتٍ تُشبه غبارًا كثيفًا يحجب عنا ملامح الطريق.
وبينما نتوه في صراع الأولويات، ينخر الانقسام في جسد القضية كما ينخر السوس خشبًا اعتقد أنه صلب، فيما ينهل العدوّ من خلافاتنا ما يغذّي روايته، ويُراكم على صمتنا ما يُرسّخ وقائعه على الأرض.
إن أخطر ما يهدد فلسطين اليوم ليس فقط بطش الاحتلال، بل الضعف الذي يتسلل إلى مسامات الوعي حين نتخلى عن مركزيتنا، وحين نسمح للثانوي أن يبتلع الجوهري، وللصوت العالي أن يطغى على المعنى العميق.
فبينما يعيد شعبنا في الميدان كتابة معنى التضحية كل يوم، نغرق نحن في فضاءاتٍ مُنهكة، تتآكل فيها الثقة، وتُفتَح فيها نوافذ الاستنزاف التي لا تصبّ إلا في طاحونة العدو.
إن أكبر أشكال الاستحمار هو أن نشاهد القصة تُروى باسمنا دون أن نملك زمام سرديتها؛ أن ننشغل ببعضنا انشغالًا يُعمي البصيرة، في حين تُنسج خيوط واقع جديد لا يعبأ بتشتتنا، ولا ينتظر إدراكنا المتأخر.
وما هو أقسى من الهزيمة أمام قوة غاشمة، هو الهزيمة أمام الذات حين يُختطف وعينا ونترك أبوابنا مشرّعة لرياح الفُرقة.
لقد آن لنا أن نُرمّم بوصلة الوعي قبل أن يتكفّن الحلم.
أن ندرك أن فلسطين ليست ملفًا سياسيًا يُدار، بل روح أمة تُختبر، وأن وحدة الموقف ليست خيارًا ترفيًّا، بل قَدَرٌ تُقاس عليه جدّية الشعوب ومدى صدق انتمائها.
فدماء الشهداء ليست سطورًا في بيان، وصبر الأمهات ليس مشهدًا للتداول، وجباه المقاومين ليست مادةً للترويج… بل كلّها أمانة، ومن يخون الأمانة يسقط من التاريخ قبل أن يسقط من الحساب.
فلنستفق قبل أن يُغلق الزمن أبوابه.
فالقضية أكبر من أهوائنا، أعمق من اختلافاتنا، وأقدس من أن نتركها فريسةً لعبث اللحظة.
وما تبقّى لنا من الزمن لا يحتمل تكرار الأخطاء، ولا رفاهية أن نخسر أنفسنا ونحن ندّعي أننا نحمي القضية.
التعليقات