“قالَ لي بَدويٌّ”

صورة الكاتب
بقلم: أنمار مردان
التاريخ: 10 فبراير 2026 عدد المشاهدات: 2462
“قالَ لي بَدويٌّ”

-1-
قالَ لي بَدويٌّ
لَقَدْ قَرأتُ الكَثيرَ عن عَينَيها،
قَرأتُ في عَينَيها رِحلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيفِ،
وَلَبَنَ البادِيَةِ،
وَبُقَعَ الغَيمِ في السَّماءِ.
قَرأتُ كُلَّ صَغيرَةٍ وَكَبيرةٍ،
مِنَ اليَمينِ إلى اليَسارِ،
وَمِنَ اليَسارِ إلى اليَمينِ.
وَا حَسرَتاه
لَم يَقرَأْ هَذا البَدويُّ أَيَّ شَيءٍ عَلَى الإِطلاقِ،
فَعَيناكِ أَكبَرُ مِنَ البَحرِ بِشاطِئٍ،
وَأَوسَعُ مِنَ الخَيالِ مِنَ الأَلفِ إِلى الياءِ .

-2-
لا برهةَ للانتظار،
ساعةٌ قصيرة،
ونظرةٌ طويلة،
وسماءٌ حزينة،
وموجٌ كثيف،
وأنا أمارس الطيران عند حافةِ عينِها اليسرى،
ولم أصلْ إلى الآن .

 

-3-
أكونُ في قمّةِ شراستي،
كي أنسى شيئًا من نظرتها
أخطفُ ذاكرةً من رأسِ سمكة،
وأتدلّى،
وهي تضعُ ساقَها على الريح
الريحُ تهدأ،
الريحُ تشتعل،
وتئنُّ من شدّةِ وقوعي مُتيَّمًا،
لتأكلني أنوثتُها العاصفة .

-4-
أَنتِ، حِينَ تَفتَرِسينَ آخِرَ نَبضةٍ في صَدري،
أَضَعُ قَلبي بَينَ لَهفَةِ لِقاءٍ عابِرٍ،
وَأُدَوِّنُ لَحَظاتِ غِيابِ وَجهِكِ،
خَوفًا مِن عُبورِ طَيفِكِ صُدفَةً
فَأَنا مُخلِصٌ لِعَينَيكِ،
حِينَ أَكونُ حَيًّا،
وَحِينَ أَكونُ عَلَى قَيدِ المَماتِ .

-5-
لَستُ مِنَ الَّذينَ يَرغَبونَ
بِزِراعَةِ أُنوثَتِكِ في الحَدائِقِ أَوِ الأَماكِنِ العامَّةِ،
أَنا حَذِرٌ جِدًّا مِن طُرُقِ الاستِنساخِ،
أُحِبُّ أَن تَكوني نُسخَتي الأَزَلِيَّةَ الَّتي لا تَتَكَرَّرُ .

 

-6-
لَم أَكُن مُستَعِدًّا لِلحَربِ هذِهِ المَرَّةَ،
أَو أَن تَدخُلَ في قَلبي أَكثَرَ مِن شَظِيَّةٍ
كُنتُ جادًّا إِلى دَرَجَةٍ مُخِيفَةٍ،
أَبحَثُ عَن شَظِيَّتِكِ في كُلِّ الأَماكِنِ،
لِأَزرَعَها في جَسَدي،
وَأُطيحَ بِوَجَعٍ شَديدٍ بَينَ شَفَتَيكِ،
مِثلَ وَردَةٍ مَقطوفَةٍ
مِن كُرّاسِ رَسمٍ لِطِفلَةٍ عَمياءَ .

-7-
أَكرَهُ اللُّغَةَ الأَكّادِيَّةَ،
وَأَكرَهُ السُّومَرِيَّةَ،
وَأَكرَهُ الأَلواحَ الطِّينِيَّةَ،
وَجُمَلَ الاستِفهامِ
وَالجُمَلَ الخَبَرِيَّةَ،
وَأَهرُبُ بَعيدًا عَن أَدَواتِ الشَّرطِ
لَكِنِّي أَعشَقُ الاستِثناءَ،
لِأَنَّهُ يُشبِهُ نَظرَتَكِ
وَأَنتِ تَضحَكينَ .

-8-

أنا آخرُ السيّئين على هذه الأرض،
لا يوجدُ سيّئٌ مثلي على الإطلاق.
فتعالي إليَّ
لِنُحَطِّمَ الجدار،
ونُؤَرِّخَ أخطائي السابقةَ، خطأً خطأً، في خَصرِك،
عسى أن تُنجِبي لي شمسًا باردةً أو قمرًا شقيًّا .
_9_

منذُ الفجرِ الأوّلِ
لم أكنْ جليدًا،
كنتُ أشبهَ الخيولِ،
أُطاردُ الوقتَ قبلَ ولادتهِ .
أمّا الآنَ فأَسيرُ تحتَ لَهاثِ عينيكِ،
وهما تتهجَّيانِ الكونَ برمَّتِهِ فأستقيمُ .

_10_
كم كان عمركِ حينها
حين وضعتِ قنبلةً نوويّةً في قلبي
بهذه الغرابةِ المتسكعة
لاحترق لثانيةٍ وأحيا بهمسِكِ العريض .

-11-

أنا حين أدخلُ أيَّ حربٍ
أضعُ عينيكِ على الميمنة،
ونظرتَكِ على الميسرة،
حتى يرى العالمُ برمّته
أنَّ الحبَّ أشرسُ من كلِّ الأسلحة .

عن الکاتب / الکاتبة

أنمار مردان
أنمار مردان
شاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“قالَ لي بَدويٌّ”

بقلم: أنمار مردان | التاريخ: 10 فبراير 2026

التصنيف: الشعر

-1-
قالَ لي بَدويٌّ
لَقَدْ قَرأتُ الكَثيرَ عن عَينَيها،
قَرأتُ في عَينَيها رِحلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيفِ،
وَلَبَنَ البادِيَةِ،
وَبُقَعَ الغَيمِ في السَّماءِ.
قَرأتُ كُلَّ صَغيرَةٍ وَكَبيرةٍ،
مِنَ اليَمينِ إلى اليَسارِ،
وَمِنَ اليَسارِ إلى اليَمينِ.
وَا حَسرَتاه
لَم يَقرَأْ هَذا البَدويُّ أَيَّ شَيءٍ عَلَى الإِطلاقِ،
فَعَيناكِ أَكبَرُ مِنَ البَحرِ بِشاطِئٍ،
وَأَوسَعُ مِنَ الخَيالِ مِنَ الأَلفِ إِلى الياءِ .

-2-
لا برهةَ للانتظار،
ساعةٌ قصيرة،
ونظرةٌ طويلة،
وسماءٌ حزينة،
وموجٌ كثيف،
وأنا أمارس الطيران عند حافةِ عينِها اليسرى،
ولم أصلْ إلى الآن .

 

-3-
أكونُ في قمّةِ شراستي،
كي أنسى شيئًا من نظرتها
أخطفُ ذاكرةً من رأسِ سمكة،
وأتدلّى،
وهي تضعُ ساقَها على الريح
الريحُ تهدأ،
الريحُ تشتعل،
وتئنُّ من شدّةِ وقوعي مُتيَّمًا،
لتأكلني أنوثتُها العاصفة .

-4-
أَنتِ، حِينَ تَفتَرِسينَ آخِرَ نَبضةٍ في صَدري،
أَضَعُ قَلبي بَينَ لَهفَةِ لِقاءٍ عابِرٍ،
وَأُدَوِّنُ لَحَظاتِ غِيابِ وَجهِكِ،
خَوفًا مِن عُبورِ طَيفِكِ صُدفَةً
فَأَنا مُخلِصٌ لِعَينَيكِ،
حِينَ أَكونُ حَيًّا،
وَحِينَ أَكونُ عَلَى قَيدِ المَماتِ .

-5-
لَستُ مِنَ الَّذينَ يَرغَبونَ
بِزِراعَةِ أُنوثَتِكِ في الحَدائِقِ أَوِ الأَماكِنِ العامَّةِ،
أَنا حَذِرٌ جِدًّا مِن طُرُقِ الاستِنساخِ،
أُحِبُّ أَن تَكوني نُسخَتي الأَزَلِيَّةَ الَّتي لا تَتَكَرَّرُ .

 

-6-
لَم أَكُن مُستَعِدًّا لِلحَربِ هذِهِ المَرَّةَ،
أَو أَن تَدخُلَ في قَلبي أَكثَرَ مِن شَظِيَّةٍ
كُنتُ جادًّا إِلى دَرَجَةٍ مُخِيفَةٍ،
أَبحَثُ عَن شَظِيَّتِكِ في كُلِّ الأَماكِنِ،
لِأَزرَعَها في جَسَدي،
وَأُطيحَ بِوَجَعٍ شَديدٍ بَينَ شَفَتَيكِ،
مِثلَ وَردَةٍ مَقطوفَةٍ
مِن كُرّاسِ رَسمٍ لِطِفلَةٍ عَمياءَ .

-7-
أَكرَهُ اللُّغَةَ الأَكّادِيَّةَ،
وَأَكرَهُ السُّومَرِيَّةَ،
وَأَكرَهُ الأَلواحَ الطِّينِيَّةَ،
وَجُمَلَ الاستِفهامِ
وَالجُمَلَ الخَبَرِيَّةَ،
وَأَهرُبُ بَعيدًا عَن أَدَواتِ الشَّرطِ
لَكِنِّي أَعشَقُ الاستِثناءَ،
لِأَنَّهُ يُشبِهُ نَظرَتَكِ
وَأَنتِ تَضحَكينَ .

-8-

أنا آخرُ السيّئين على هذه الأرض،
لا يوجدُ سيّئٌ مثلي على الإطلاق.
فتعالي إليَّ
لِنُحَطِّمَ الجدار،
ونُؤَرِّخَ أخطائي السابقةَ، خطأً خطأً، في خَصرِك،
عسى أن تُنجِبي لي شمسًا باردةً أو قمرًا شقيًّا .
_9_

منذُ الفجرِ الأوّلِ
لم أكنْ جليدًا،
كنتُ أشبهَ الخيولِ،
أُطاردُ الوقتَ قبلَ ولادتهِ .
أمّا الآنَ فأَسيرُ تحتَ لَهاثِ عينيكِ،
وهما تتهجَّيانِ الكونَ برمَّتِهِ فأستقيمُ .

_10_
كم كان عمركِ حينها
حين وضعتِ قنبلةً نوويّةً في قلبي
بهذه الغرابةِ المتسكعة
لاحترق لثانيةٍ وأحيا بهمسِكِ العريض .

-11-

أنا حين أدخلُ أيَّ حربٍ
أضعُ عينيكِ على الميمنة،
ونظرتَكِ على الميسرة،
حتى يرى العالمُ برمّته
أنَّ الحبَّ أشرسُ من كلِّ الأسلحة .