مابعد المسرح تحولات العرض والتلقي

صورة الكاتب
بقلم: عبد علي حسن
التاريخ: 12 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 2150
مابعد المسرح تحولات العرض والتلقي

عبد علي حسنلايشكّل مفهوم ( مابعد المسرح) مرحلة زمنية تُغادر فيها المسرحية العالم سريعًا، بل هو عنوان لتحوّل عميق في معنى العرض وحدوده ووظائفه. يتمظهر هذا التحول حين تتراجع مركزية “المسرح” بوصفه مكانًا محددًا (الخشبة/الصالة) وبوصفه نظامًا تعبيريًا منضبطًا (نص أول، تمثيل لاحق، جمهور حاضر بالمقابل) بدلًا من ذلك، يصبح العرض فعلًا وسائطيًا مركّبًا، تتداخل فيه أدوات التمثيل مع تقنيات الصورة والصوت والبث، وتتشابك فيه علاقة الجمهور مع آليات المشاركة والتلقي ، ومن هنا يتأسس سؤال ما بعد المسرح: كيف يعيد هذا التحول الوسائطي تعريف زمن الحدث ومكانه، ومعنى الجسد الحاضر، وطبيعة العلاقة بين المؤدي والمتلقي؟ إن دراسة ما بعد المسرح تقتضي التعامل معه كحقل مفاهيمي وممارسة فعلية معًا، لا كتعريف لفظي وحسب.
إن أول ما يلفت النظر في منطق ما بعد المسرح هو إعادة ترتيب مركز الثقل داخل منظومة العرض ، فبدلًا من أن يكون النص المسرحي هو المصدر الحاكم للمعنى، تتوزع الدلالة على عناصر متعدّدة: الإضاءة بوصفها كتابة للفضاء، والسينوغرافيا بوصفها بناءً للعلاقة مع المكان، والصوت بوصفه ذاكرة للحدث أو تشويشًا مقصودًا على الخطاب، والصورة بوصفها طبقة ثانية من الزمن (زمن مسجل/زمن حي) تتراكب مع زمن التمثيل ، هذا لا يعني نهاية النص بالضرورة، لكنه يعني أن النص يفقد هيمنته كمرجعية وحيدة ، فيصبح العرض “شبكة” من الإشارات والتقنيات، حيث تتحكم الوسائط في شكل السرد وفي طريقة وصول المعنى إلى المتلقي ، وهنا تظهر صلة ما بعد المسرح بتحولات الوسائط: فعندما يتغير الوسيط تتغير طريقة إنتاج المعنى، لأن الوسيط لا ينقل المحتوى فحسب، بل يعيد تشكيل بنية المحتوى نفسه ، ثم تأتي مسألة المكان بوصفها مجالًا حاسمًا لتحولات ما بعد المسرح ، في المسرح التقليدي يرتبط المكان بوظيفة تمثيلية محددة: الخشبة تنظّم الرؤية، وصالة المتفرجين تنظّم الإصغاء، وغياب العوالم الخارجية يضمن نوعًا من “تركيز” السرد ، أما في ما بعد المسرح، فيميل العرض إلى كسر الحدود الصلبة بين الداخل والخارج، ويستثمر فضاءات غير مسرحية: أماكن عامة، متاحف، غرف تجريب، مسارات يمكن للمتلقي أن يتحرك خلالها ، اذ إن نقل العرض إلى فضاءات غير مطابقة لقواعد الخشبة يعيد تعريف الجسد المتلقي كذلك ، فالذي كان يجلس في وضعية ثابتة يتعرض الآن لتوجيهات بصرية وصوتية واتجاهات حركة، ويصبح مساره جزءًا من بنية التجربة. وبهذا المعنى، لا تصبح المساحة مجرد خلفية، بل تتحول إلى وسيط ، وسيط يفرض علاقات معينة: قرب/بعد، رؤية/حجب، إحاطة/اختراق ، وبذلك تتحدد دلالة “ما بعد المسرح” بوصفها تحولًا في تنظيم الإدراك: إدراك لا يعتمد على خط واحد للرؤية بقدر ما يعتمد على تعدد منظورات ممكنة.
أما الجسد فليس بمعزل عن هذا التحول، ففي المسرح التقليدي يُطلب من الجسد أن يشتغل بوصفه علامة تمثيلية داخل سيناريو واضح ، لكن حين تدخل الوسائط التقنية بقوة—كاميرات حيّة، تسجيلات متداخلة، إسقاطات، مؤثرات تلتقط الحركة وتعيد إنتاجها—يتحول الجسد إلى عنصر داخل منظومة وسائطية ، فالتمثيل لم يعد يواجه المتلقي مباشرة فقط، بل يمر عبر وسيط: عدسة، شاشة، بث، أو معالجة رقمية. لذلك يصبح “حضور” المؤدي متشظيًا: حضور مباشر إلى جانب حضور مصور/معروض/مُركَّب ، وينعكس ذلك على الإحساس بالزمن كذلك ، إذ يمكن للجسد أن يتحرك الآن بينما تظهر على الشاشة نسخة أخرى من زمن سابق أو مُعاد منتجته ، هكذا يخلق ما بعد المسرح نوعًا من الازدواج الزمني: زمن الحدث وزمن الوسيط الذي يعرض الحدث ، ومع هذا الازدواج تُعاد صياغة علاقة المتلقي بالصدق والراهنية وبالمسافة بين الواقع والتمثيل.
وتتضاعف أهمية الجمهور عندما ننتقل من نموذج “المشاهدة” إلى نموذج “التلقي-المشاركة”. فتحولات الوسائط الرقمية والاتصالية أدت إلى أن يصبح المتلقي قادرًا على التأثير في سير الحدث أو في شروط تلقيه: عبر رسائل مباشرة، تصويت، تفاعل مدعوم بتطبيقات، أو حتى إدخال بيانات تؤثر على العرض ، وحتى حين لا يكون هناك تدخل فعلي في البناء الدرامي، فإن وجود واجهات رقمية وطرق تواصل بين المؤدي والجمهور يعيد تعريف دور المتلقي، فيصبح المتلقي حاضرًا في العرض لا باعتباره متفرجًا صامتًا فحسب، بل باعتباره عنصرًا ضمن منظومة تواصل ، وفي ما بعد المسرح، تُفهم المشاركة بوصفها إعادة تنظيم للعلاقة لا مجرد ترف تفاعلي ، وهذا يعيدنا إلى جوهر السؤال: ما بعد المسرح ليس نزوعًا شكليًا، بل هو إعادة تأطير لسلطة المعنى ، فإذا كان المسرح التقليدي يميل إلى أن يكون المعنى “منجزًا” من قبل العرض، فإن ما بعد المسرح يميل إلى أن يكون المعنى “يتشكل” عبر التفاعل وعبر تداخل الوسائط مع تجربة المتلقي.
وعلى مستوى المنظور النظري، يمكن فهم ما بعد المسرح بوصفه ممارسة تفكك مركزية “التمثيل” وتستبدلها بمنظور “الأداء/الحدث” بوصفه إنتاجًا وسائطيًا متولدًا ، فالمسرح لم يعد مجموعة قواعد ثابتة، بل أصبح طريقة تنظيم لتعدد طبقات التعبير ، وهنا تظهر الحاجة إلى مقاربة تتعامل مع الوسيط باعتباره جزءًا من البنية الجمالية والمعرفية للعرض ، فالوسيط ليس مجرد قناة، بل هو شرط إمكان للعرض: يحدد ما يُرى، ما يُسمع، ما يُخفى، ما يُقاس، ما يتغير، وما يظل ثابتًا. وبتعبير آخر، إن نظرية ما بعد المسرح لا تُختزل في وصف أشكال جديدة، بل في تحليل الكيفية التي تعمل بها الوسائط على خلق أنماط إدراك وتوقع.
وتأسيسًا على ذلك، يمكن القول إن علاقة ما بعد المسرح بتحولات الوسائط تظهر في أربع مستويات متداخلة ، المستوى الأول هو مستوى بنية العرض: من نص تحكمه منطق الحبكة إلى تركيب وسائطي تتوزع فيه الدلالة على عناصر متعددة. المستوى الثاني هو مستوى المكان: من خشبة تؤطر الرؤية إلى فضاء يفرض مسارات ويصنع علاقة إدراكية جديدة. المستوى الثالث هو مستوى الجسد: من جسد يواجه الجمهور مباشرة إلى جسد يتجسد عبر تقنيات تُنتج حضورًا مزدوجًا ومؤجلًا. المستوى الرابع هو مستوى التلقي: من مشاهدة صامتة إلى تلقي تفاعلي أو هجين، يتقاطع فيه حضور القاعة مع حضور الشاشة أو المنصة.
غير أن ما بعد المسرح لا ينبغي قراءته كقطيعة مطلقة مع المسرح السابق ، فالمسرح ما زال حاضرًا كمرجعية ، لكن المرجعية تغيرت ، فلم يعد المسرح مركزًا مغلقًا، بل أصبح أحد مكونات منظومة أكبر تتقاطع فيها الفنون والأجهزة والفضاءات الرقمية والتجارب ، في ضوء هذا، يمكن اعتبار ما بعد المسرح استجابة لواقع جديد تفرضه الوسائط: واقع تتداخل فيه الشاشات بالحياة اليومية، ويتحوّل فيه الجمهور من متلقٍ أحادي إلى مستخدم يساهم في إنتاج المعنى، وتصبح فيه الصور والصوت امتدادًا للحدث لا وسيلة نقل له فقط ، لهذا تُصبح دراسة ما بعد المسرح دراسة لشرط العصر نفسه: شرط إعادة تعريف الحضور والتمثيل والحدث عبر أدوات وسيطة. لذا فإن “ما بعد المسرح” مفهوم يساعدنا على قراءة تحوّل العرض من شكل فني محكوم بقواعد خشبة وصالة، إلى حدث وسائطي مركب تعيد الوسائط خلاله توزيع السلطة بين المؤدي والمتلقي وبين الزمن والمكان ، وتُظهر تحولات الوسائط أن كل إعادة تقنية—كاميرا، بث، منصة رقمية، تفاعل تفاعلي، أو فضاء غير تقليدي—لا تُضيف مجرد زينة شكلية، بل تغيّر بنية التجربة من الداخل ، وعليه فإن دراسة ما بعد المسرح، بمستوياتها المفاهيمية والتطبيقية والجمالية، لا تقدم وصفًا لعروض غريبة أو أشكالًا محدثة فحسب؛ بل تكشف كيف يصبح المسرح مجالًا لفهم التحولات المعاصرة في طرق الإدراك والتواصل وإنتاج المعنى.

عن الکاتب / الکاتبة

عبد علي حسن
عبد علي حسن
ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الذاكرة المضادّة رواية ( وشم الطائر) مصداقاً

الذاكرة المضادّة رواية ( وشم الطائر) مصداقاً

تتأسس الذاكرة المضادّة بوصفها فعلاً سرديًا ومعرفيًا في مواجهة الذاكرة المهيمنة التي لا تكتفي بتدوين…

صورة الكاتب عبد علي حسن
6 أكتوبر 2026
اقرأ المزيد
الرواية والفلسفة

الرواية والفلسفة

الرواية والفلسفة   لم تعد الرواية الحديثة مجرد وعاء للحكاية أو وسيلة للتسلية السردية، بل…

صورة الكاتب عبد علي حسن
11 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


مابعد المسرح تحولات العرض والتلقي

بقلم: عبد علي حسن | التاريخ: 12 أكتوبر 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

عبد علي حسنلايشكّل مفهوم ( مابعد المسرح) مرحلة زمنية تُغادر فيها المسرحية العالم سريعًا، بل هو عنوان لتحوّل عميق في معنى العرض وحدوده ووظائفه. يتمظهر هذا التحول حين تتراجع مركزية “المسرح” بوصفه مكانًا محددًا (الخشبة/الصالة) وبوصفه نظامًا تعبيريًا منضبطًا (نص أول، تمثيل لاحق، جمهور حاضر بالمقابل) بدلًا من ذلك، يصبح العرض فعلًا وسائطيًا مركّبًا، تتداخل فيه أدوات التمثيل مع تقنيات الصورة والصوت والبث، وتتشابك فيه علاقة الجمهور مع آليات المشاركة والتلقي ، ومن هنا يتأسس سؤال ما بعد المسرح: كيف يعيد هذا التحول الوسائطي تعريف زمن الحدث ومكانه، ومعنى الجسد الحاضر، وطبيعة العلاقة بين المؤدي والمتلقي؟ إن دراسة ما بعد المسرح تقتضي التعامل معه كحقل مفاهيمي وممارسة فعلية معًا، لا كتعريف لفظي وحسب.
إن أول ما يلفت النظر في منطق ما بعد المسرح هو إعادة ترتيب مركز الثقل داخل منظومة العرض ، فبدلًا من أن يكون النص المسرحي هو المصدر الحاكم للمعنى، تتوزع الدلالة على عناصر متعدّدة: الإضاءة بوصفها كتابة للفضاء، والسينوغرافيا بوصفها بناءً للعلاقة مع المكان، والصوت بوصفه ذاكرة للحدث أو تشويشًا مقصودًا على الخطاب، والصورة بوصفها طبقة ثانية من الزمن (زمن مسجل/زمن حي) تتراكب مع زمن التمثيل ، هذا لا يعني نهاية النص بالضرورة، لكنه يعني أن النص يفقد هيمنته كمرجعية وحيدة ، فيصبح العرض “شبكة” من الإشارات والتقنيات، حيث تتحكم الوسائط في شكل السرد وفي طريقة وصول المعنى إلى المتلقي ، وهنا تظهر صلة ما بعد المسرح بتحولات الوسائط: فعندما يتغير الوسيط تتغير طريقة إنتاج المعنى، لأن الوسيط لا ينقل المحتوى فحسب، بل يعيد تشكيل بنية المحتوى نفسه ، ثم تأتي مسألة المكان بوصفها مجالًا حاسمًا لتحولات ما بعد المسرح ، في المسرح التقليدي يرتبط المكان بوظيفة تمثيلية محددة: الخشبة تنظّم الرؤية، وصالة المتفرجين تنظّم الإصغاء، وغياب العوالم الخارجية يضمن نوعًا من “تركيز” السرد ، أما في ما بعد المسرح، فيميل العرض إلى كسر الحدود الصلبة بين الداخل والخارج، ويستثمر فضاءات غير مسرحية: أماكن عامة، متاحف، غرف تجريب، مسارات يمكن للمتلقي أن يتحرك خلالها ، اذ إن نقل العرض إلى فضاءات غير مطابقة لقواعد الخشبة يعيد تعريف الجسد المتلقي كذلك ، فالذي كان يجلس في وضعية ثابتة يتعرض الآن لتوجيهات بصرية وصوتية واتجاهات حركة، ويصبح مساره جزءًا من بنية التجربة. وبهذا المعنى، لا تصبح المساحة مجرد خلفية، بل تتحول إلى وسيط ، وسيط يفرض علاقات معينة: قرب/بعد، رؤية/حجب، إحاطة/اختراق ، وبذلك تتحدد دلالة “ما بعد المسرح” بوصفها تحولًا في تنظيم الإدراك: إدراك لا يعتمد على خط واحد للرؤية بقدر ما يعتمد على تعدد منظورات ممكنة.
أما الجسد فليس بمعزل عن هذا التحول، ففي المسرح التقليدي يُطلب من الجسد أن يشتغل بوصفه علامة تمثيلية داخل سيناريو واضح ، لكن حين تدخل الوسائط التقنية بقوة—كاميرات حيّة، تسجيلات متداخلة، إسقاطات، مؤثرات تلتقط الحركة وتعيد إنتاجها—يتحول الجسد إلى عنصر داخل منظومة وسائطية ، فالتمثيل لم يعد يواجه المتلقي مباشرة فقط، بل يمر عبر وسيط: عدسة، شاشة، بث، أو معالجة رقمية. لذلك يصبح “حضور” المؤدي متشظيًا: حضور مباشر إلى جانب حضور مصور/معروض/مُركَّب ، وينعكس ذلك على الإحساس بالزمن كذلك ، إذ يمكن للجسد أن يتحرك الآن بينما تظهر على الشاشة نسخة أخرى من زمن سابق أو مُعاد منتجته ، هكذا يخلق ما بعد المسرح نوعًا من الازدواج الزمني: زمن الحدث وزمن الوسيط الذي يعرض الحدث ، ومع هذا الازدواج تُعاد صياغة علاقة المتلقي بالصدق والراهنية وبالمسافة بين الواقع والتمثيل.
وتتضاعف أهمية الجمهور عندما ننتقل من نموذج “المشاهدة” إلى نموذج “التلقي-المشاركة”. فتحولات الوسائط الرقمية والاتصالية أدت إلى أن يصبح المتلقي قادرًا على التأثير في سير الحدث أو في شروط تلقيه: عبر رسائل مباشرة، تصويت، تفاعل مدعوم بتطبيقات، أو حتى إدخال بيانات تؤثر على العرض ، وحتى حين لا يكون هناك تدخل فعلي في البناء الدرامي، فإن وجود واجهات رقمية وطرق تواصل بين المؤدي والجمهور يعيد تعريف دور المتلقي، فيصبح المتلقي حاضرًا في العرض لا باعتباره متفرجًا صامتًا فحسب، بل باعتباره عنصرًا ضمن منظومة تواصل ، وفي ما بعد المسرح، تُفهم المشاركة بوصفها إعادة تنظيم للعلاقة لا مجرد ترف تفاعلي ، وهذا يعيدنا إلى جوهر السؤال: ما بعد المسرح ليس نزوعًا شكليًا، بل هو إعادة تأطير لسلطة المعنى ، فإذا كان المسرح التقليدي يميل إلى أن يكون المعنى “منجزًا” من قبل العرض، فإن ما بعد المسرح يميل إلى أن يكون المعنى “يتشكل” عبر التفاعل وعبر تداخل الوسائط مع تجربة المتلقي.
وعلى مستوى المنظور النظري، يمكن فهم ما بعد المسرح بوصفه ممارسة تفكك مركزية “التمثيل” وتستبدلها بمنظور “الأداء/الحدث” بوصفه إنتاجًا وسائطيًا متولدًا ، فالمسرح لم يعد مجموعة قواعد ثابتة، بل أصبح طريقة تنظيم لتعدد طبقات التعبير ، وهنا تظهر الحاجة إلى مقاربة تتعامل مع الوسيط باعتباره جزءًا من البنية الجمالية والمعرفية للعرض ، فالوسيط ليس مجرد قناة، بل هو شرط إمكان للعرض: يحدد ما يُرى، ما يُسمع، ما يُخفى، ما يُقاس، ما يتغير، وما يظل ثابتًا. وبتعبير آخر، إن نظرية ما بعد المسرح لا تُختزل في وصف أشكال جديدة، بل في تحليل الكيفية التي تعمل بها الوسائط على خلق أنماط إدراك وتوقع.
وتأسيسًا على ذلك، يمكن القول إن علاقة ما بعد المسرح بتحولات الوسائط تظهر في أربع مستويات متداخلة ، المستوى الأول هو مستوى بنية العرض: من نص تحكمه منطق الحبكة إلى تركيب وسائطي تتوزع فيه الدلالة على عناصر متعددة. المستوى الثاني هو مستوى المكان: من خشبة تؤطر الرؤية إلى فضاء يفرض مسارات ويصنع علاقة إدراكية جديدة. المستوى الثالث هو مستوى الجسد: من جسد يواجه الجمهور مباشرة إلى جسد يتجسد عبر تقنيات تُنتج حضورًا مزدوجًا ومؤجلًا. المستوى الرابع هو مستوى التلقي: من مشاهدة صامتة إلى تلقي تفاعلي أو هجين، يتقاطع فيه حضور القاعة مع حضور الشاشة أو المنصة.
غير أن ما بعد المسرح لا ينبغي قراءته كقطيعة مطلقة مع المسرح السابق ، فالمسرح ما زال حاضرًا كمرجعية ، لكن المرجعية تغيرت ، فلم يعد المسرح مركزًا مغلقًا، بل أصبح أحد مكونات منظومة أكبر تتقاطع فيها الفنون والأجهزة والفضاءات الرقمية والتجارب ، في ضوء هذا، يمكن اعتبار ما بعد المسرح استجابة لواقع جديد تفرضه الوسائط: واقع تتداخل فيه الشاشات بالحياة اليومية، ويتحوّل فيه الجمهور من متلقٍ أحادي إلى مستخدم يساهم في إنتاج المعنى، وتصبح فيه الصور والصوت امتدادًا للحدث لا وسيلة نقل له فقط ، لهذا تُصبح دراسة ما بعد المسرح دراسة لشرط العصر نفسه: شرط إعادة تعريف الحضور والتمثيل والحدث عبر أدوات وسيطة. لذا فإن “ما بعد المسرح” مفهوم يساعدنا على قراءة تحوّل العرض من شكل فني محكوم بقواعد خشبة وصالة، إلى حدث وسائطي مركب تعيد الوسائط خلاله توزيع السلطة بين المؤدي والمتلقي وبين الزمن والمكان ، وتُظهر تحولات الوسائط أن كل إعادة تقنية—كاميرا، بث، منصة رقمية، تفاعل تفاعلي، أو فضاء غير تقليدي—لا تُضيف مجرد زينة شكلية، بل تغيّر بنية التجربة من الداخل ، وعليه فإن دراسة ما بعد المسرح، بمستوياتها المفاهيمية والتطبيقية والجمالية، لا تقدم وصفًا لعروض غريبة أو أشكالًا محدثة فحسب؛ بل تكشف كيف يصبح المسرح مجالًا لفهم التحولات المعاصرة في طرق الإدراك والتواصل وإنتاج المعنى.