تتأسس الذاكرة المضادّة بوصفها فعلاً سرديًا ومعرفيًا في مواجهة الذاكرة المهيمنة التي لا تكتفي بتدوين الماضي، بل تعمل على تنظيمه وتأطيره وفق منطق السلطة، بحيث لا يبقى من التاريخ سوى ما يخدم سردية الغالب ويكرّس استمراريته الرمزية ، فالذاكرة في هذا السياق، لا تُفهم باعتبارها مخزنًا محايدًا للأحداث، وإنما بوصفها حقل صراع تُمارَس فيه عمليات اختيار وحذف وتحوير، وهو ما يجعل الاستذكار نفسه فعلًا سياسيًا وأخلاقيًا بامتياز ، من هنا تنبثق الذاكرة المضادّة باعتبارها ممارسة مقاومة، لا تسعى إلى استعادة الماضي كما كان، بل إلى مساءلة الكيفية التي جرى بها تمثيله، وإلى تفكيك البنى الخطابية التي حولته إلى رواية رسمية مغلقة ، إنها ذاكرة تُكتب من موقع الهامش، لا لتستجدي الاعتراف، بل لتقويض مركزية السرد الذي ادّعى الشمول والموضوعية، وأقصى ما لا ينسجم مع منطقه ، فالذاكرة المضادّة لا تواجه النسيان بوصفه عطبًا في الوعي، بل تواجه سياسات النسيان التي تُنتج عمدًا من أجل محو هويات، أو تهميش جماعات، أو شرعنة العنف عبر تحويله إلى حدث عابر أو ضرورة تاريخية. في هذا المعنى، لا يكون الاستذكار فعل حنين أو نوستالجيا، وإنما فعل إعادة توزيع للمعنى، إذ يُعاد ترتيب الوقائع وفق حساسية أخلاقية جديدة تُعيد الاعتبار لما جرى إسقاطه أو تشويهه ، وتكمن خطورة الذاكرة المهيمنة في أنها لا تفرض الصمت فقط، بل تُقنع الضحايا أنفسهم بأن ما عاشوه لا يستحق السرد، أو أنه خارج المعنى، بينما تأتي الذاكرة المضادّة لتكسر هذا الإيهام، وتمنح الصوت لما حُكم عليه بالهامشية أو اللامرئية. وفي الحقل السردي، تتجلى الذاكرة المضادّة بوصفها استراتيجية فنية تقاوم الخطية الزمنية، وتفكك وحدة الصوت، وتستبدل البطولة الكلاسيكية بتجارب الجسد المجروح والذات المنكسرة، لأن ما تسعى إليه ليس إنتاج تاريخ بديل مكتمل، بل فتح فجوات في التاريخ الرسمي تسمح بتسرّب ما أُقصي عمدًا. فالرواية، أو أي جنس سردي آخر، حين يستدعي ذاكرة القمع أو محو الهوية أو التهميش، لا يقوم بتسجيل الوقائع فحسب، بل يفضح اللغة التي جرى بها تبرير الإقصاء، ويكشف الآليات الرمزية التي حولت العنف إلى إجراء اعتيادي. وهنا تتجاوز الذاكرة المضادّة وظيفة التوثيق لتغدو فعل مساءلة، إذ لا تكتفي بالسؤال عمّا حدث، بل تسأل: كيف سُمّي ما حدث؟ ومن سمّاه؟ ولمصلحة من؟ إن هذا النوع من الاستذكار لا يسعى إلى استعادة البراءة المفقودة، بل إلى فضح استحالة البراءة في خطاب يدّعي الحياد بينما يُنتج الإقصاء. ولذلك فإن الذاكرة المضادّة لا تُنتج معنى نهائيًا، بل تظل مفتوحة، متشظية، قلقة، لأنها تدرك أن الاكتمال هو من سمات السرد السلطوي، لا من سمات السرد المقاوم. فهي ذاكرة لا تُغلق الجرح، بل تُبقيه مرئيًا بوصفه أثرًا دالًا، لأن طمس الجرح هو الوجه الآخر لإعادة إنتاج العنف. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن الذاكرة المضادّة لا تستعيد الماضي من أجل الماضي، بل تستحضره بوصفه سؤالًا موجّهًا إلى الحاضر، وكشفًا لاستمرارية آليات التهميش في صور جديدة ، إنها ذاكرة تعي أن المحو لا يحدث مرة واحدة، بل يُعاد إنتاجه عبر اللغة والمؤسسات والتمثيلات، ولذلك فإن مقاومتها لا تكون بإعلان امتلاك الحقيقة، بل بزعزعة ادعاء الحقيقة ذاته ، من هنا تتخذ الذاكرة المضادّة طابعًا تفكيكيًا، إذ لا تضع نفسها في موقع سردية بديلة مكتملة، بل في موقع مساءلة دائمة للسرديات، بما فيها سرديتها الخاصة، خشية أن تتحول هي الأخرى إلى خطاب إقصائي جديد ، وبهذا المعنى، تغدو الذاكرة المضادّة ممارسة أخلاقية قبل أن تكون تقنية سردية، لأنها تنحاز إلى الهشاشة، وإلى ما لا يمكن تمثيله تمثيلًا كاملًا، وإلى الأصوات التي لا تطلب الخلاص بقدر ما تطلب الاعتراف بجرحها بوصفه جزءًا من التاريخ لا هامشه ، إن قوة الذاكرة المضادّة لا تكمن في قدرتها على استعادة ما فُقد، بل في قدرتها على منع اكتمال المحو، وعلى إبقاء السؤال مفتوحًا في وجه كل محاولة لتحويل العنف إلى سردية منتهية ، هكذا تتحول الذاكرة من مجرد أداة استرجاع إلى فضاء للصراع الرمزي، ويغدو الاستذكار نفسه شكلًا من أشكال المقاومة، لا لأنه يغيّر الماضي، بل لأنه يمنع السلطة من امتلاك معناه النهائي ،
وسأتعامل مع رواية ( وشم الطائر) للروائية والشاعرة المغتربة دنيا ميخائيل / دار الرافدين / بغداد – بيروت ط1 2020 ، بوصفها نصًا سرديًا يشتغل على الذاكرة المضادة لا بوصفها استرجاعًا بكائيًا للماضي، بل باعتبارها مقاومة سردية مباشرة لآليات المحو، والتشييء، وتحويل الإنسان إلى رقم وسلعة. الرواية لا تكتب “ما حدث” فقط، بل تكتب ضد الطريقة التي يُراد للحدث أن يُنسى بها ، وهذا ما يجعلها نصًا ملائمًا إجرائيًا لمفهوم الذاكرة المضادة، كما تجسده دنيا ميخائيل في روايتها عبر شخصيات محددة، وأحداث دقيقة، وفضاءات مشخّصة بصرامة ،
فالشخصية المركزية( هيلين) لا تدخل النص بوصفها ضحية مجردة، بل كذات حاملة لذاكرة سابقة على الأسر، ذاكرة الحياة اليومية، المدرسة، الأخ آزاد، الأم، البيت، الطفولة، والمدينة. منذ المشهد الافتتاحي في “رقم 27”، يتحقق أول فعل للذاكرة المضادة: رفض الاختزال الرقمي ، حين تُنادى هيلين برقمها، لا تتماهى معه، بل تستعيد فورًا اسمها وعلاقاتها، خصوصًا علاقتها بـ( أمينة )صديقة الطفولة، في لحظة تعارف صامت وسط قاعة البيع ، هنا تعمل الذاكرة المضادة بوصفها فعل تعرف متبادل في فضاء يسعى إلى محو الهوية وتحويل النساء إلى “كواكب بلا أسماء، فقط أرقام” ، ويمثل
فضاء المدرسة/السوق أحد أهم بؤر الذاكرة المضادة في الرواية ، فالمدرسة التي كانت موقعًا للتنشئة والطفولة تتحول إلى سوق لبيع الأسيرات ، هذا الانقلاب المكاني لا يُسرد بوصفه مفارقة بلاغية، بل بوصفه جريمة ذاكرة ، فالمكان نفسه يحمل أثرين متناقضين ، هيلين تستعيد مكتب المديرة “ست إلهام” وعقابها للطلاب، لتقارن بين سلطة تربوية قاسية لكنها بشرية، وسلطة تنظيمية تمارس البيع والاغتصاب باسم “الدولة”. المقارنة هنا ليست حنينًا، بل تفكيكًا سرديًا لادعاء النظام الجديد بأنه “دولة”، عبر فضحه بوصفه قطيعة همجية مع أي ذاكرة مؤسسية سابقة ،
وفي علاقة هيلين بالأسيرات الأخريات تتجسد الذاكرة المضادة بوصفها ذاكرة جماعية صامتة ، إذ أن الصمت الذي يجمع النساء بعد الاغتصاب، تبادل النظرات، البصاق الجماعي في وجوه المغتصبين، كلها أفعال ذاكرية مضادة لا تُحفظ في الأرشيف الرسمي، لكنها تُحفظ في الجسد. مشهد “حملة البصاق” لا يُقدَّم بوصفه انتصارًا، بل بوصفه لحظة كسر رمزي لاحتكار القوة، لحظة تقول فيها الأجساد المقهورة “نحن نرى، ونتذكر، ونحتقر”.
شخصية ليلى (الطفلة ذات العشر سنوات) تمثل ذروة الذاكرة المضادة بوصفها فضحًا أخلاقيًا ، وليلى لا تمتلك اللغة، لا تعرف من العربية سوى كلمة “تفتيش”، لكن جسدها يتحول إلى سجل جريمة ، انتحار ريحانة، ثم انهيار ليلى النفسي بعد ذلك، يكشف كيف يعمل التنظيم على قتل الذاكرة المستقبلية، لا الماضي فقط ، أن موت ريحانة لا يُسرد كحادثة فردية، بل ككسر في شبكة الحماية الرمزية التي صنعتها النساء فيما بينهن ، هنا تتحول الذاكرة المضادة إلى حداد سردي يرفض تطبيع الموت. اما شخصية عياّش فإنها لا تُقدَّم بوصفها شيطانًا أحادي البعد، بل بوصفها نموذجًا إشكاليًا للجلاد المؤدلج ، و حديثه عن “الدولة”، الضرائب، النظام، والجهاد، يقابله سلوكه اليومي: الضرب، الاغتصاب، تحطيم الرجل في الشارع، قمع صاحب المحل ، هذا التناقض هو مادة الذاكرة المضادة ، فالرواية لا تكتفي بإدانة الفعل، بل تفكك لغة التبرير التي تُنتج العنف ، عندما يطلب عياش من هيلين أن تحكي قصة وشم الطائر، تتحول الذاكرة الشخصية إلى ساحة مواجهة: الوشم ليس زينة، بل أثر حب، وطفولة، وحرية جسدية سابقة على السبي ، كما ان طلبه سماع القصة يكشف شقًّا هشًا في أيديولوجيته، لكن الرواية لا تمنحه خلاصًا، بل تتركه عالقًا في تناقضه ، إن الاسترجاعات الطويلة لطفولة هيلين، الأب، الأم، الأخ آزاد، شجرة الرمان، السينما، ليست استطرادات وجدانية، بل بنية مضادة لزمن الأسر ، فالماضي هنا لا يُستعاد ليعوض الحاضر، بل ليمنع اكتمال سيطرة الحاضر عليه ، إذ أن الذاكرة المضادة في وشم الطائر ليست ذاكرة بطولية، ولا مشروع شفاء، بل فعل بقاء: أن تتذكر يعني ألا تتحول بالكامل إلى “بضاعة”. بهذا المعنى، تنجح دنيا ميخائيل في تقديم رواية لا “توثق” الجريمة فقط، بل تقاوم محوها سرديًا ، كما ان الذاكرة المضادة في وشم الطائر هي كتابة ضد الرقم، ضد السوق، ضد اللغة الجاهزة، وضد النسيان المريح ، إنها ذاكرة تُكتب من داخل الجرح، لا بعد اندماله، وهذا ما يمنح الرواية قوتها الأخلاقية والسردية معاً
الذاكرة المضادّة رواية ( وشم الطائر) مصداقاً
مجلة الجمان
https://m-aljuman.com
الذاكرة المضادّة رواية ( وشم الطائر) مصداقاً
تتأسس الذاكرة المضادّة بوصفها فعلاً سرديًا ومعرفيًا في مواجهة الذاكرة المهيمنة التي لا تكتفي بتدوين الماضي، بل تعمل على تنظيمه وتأطيره وفق منطق السلطة، بحيث لا يبقى من التاريخ سوى ما يخدم سردية الغالب ويكرّس استمراريته الرمزية ، فالذاكرة في هذا السياق، لا تُفهم باعتبارها مخزنًا محايدًا للأحداث، وإنما بوصفها حقل صراع تُمارَس فيه عمليات اختيار وحذف وتحوير، وهو ما يجعل الاستذكار نفسه فعلًا سياسيًا وأخلاقيًا بامتياز ، من هنا تنبثق الذاكرة المضادّة باعتبارها ممارسة مقاومة، لا تسعى إلى استعادة الماضي كما كان، بل إلى مساءلة الكيفية التي جرى بها تمثيله، وإلى تفكيك البنى الخطابية التي حولته إلى رواية رسمية مغلقة ، إنها ذاكرة تُكتب من موقع الهامش، لا لتستجدي الاعتراف، بل لتقويض مركزية السرد الذي ادّعى الشمول والموضوعية، وأقصى ما لا ينسجم مع منطقه ، فالذاكرة المضادّة لا تواجه النسيان بوصفه عطبًا في الوعي، بل تواجه سياسات النسيان التي تُنتج عمدًا من أجل محو هويات، أو تهميش جماعات، أو شرعنة العنف عبر تحويله إلى حدث عابر أو ضرورة تاريخية. في هذا المعنى، لا يكون الاستذكار فعل حنين أو نوستالجيا، وإنما فعل إعادة توزيع للمعنى، إذ يُعاد ترتيب الوقائع وفق حساسية أخلاقية جديدة تُعيد الاعتبار لما جرى إسقاطه أو تشويهه ، وتكمن خطورة الذاكرة المهيمنة في أنها لا تفرض الصمت فقط، بل تُقنع الضحايا أنفسهم بأن ما عاشوه لا يستحق السرد، أو أنه خارج المعنى، بينما تأتي الذاكرة المضادّة لتكسر هذا الإيهام، وتمنح الصوت لما حُكم عليه بالهامشية أو اللامرئية. وفي الحقل السردي، تتجلى الذاكرة المضادّة بوصفها استراتيجية فنية تقاوم الخطية الزمنية، وتفكك وحدة الصوت، وتستبدل البطولة الكلاسيكية بتجارب الجسد المجروح والذات المنكسرة، لأن ما تسعى إليه ليس إنتاج تاريخ بديل مكتمل، بل فتح فجوات في التاريخ الرسمي تسمح بتسرّب ما أُقصي عمدًا. فالرواية، أو أي جنس سردي آخر، حين يستدعي ذاكرة القمع أو محو الهوية أو التهميش، لا يقوم بتسجيل الوقائع فحسب، بل يفضح اللغة التي جرى بها تبرير الإقصاء، ويكشف الآليات الرمزية التي حولت العنف إلى إجراء اعتيادي. وهنا تتجاوز الذاكرة المضادّة وظيفة التوثيق لتغدو فعل مساءلة، إذ لا تكتفي بالسؤال عمّا حدث، بل تسأل: كيف سُمّي ما حدث؟ ومن سمّاه؟ ولمصلحة من؟ إن هذا النوع من الاستذكار لا يسعى إلى استعادة البراءة المفقودة، بل إلى فضح استحالة البراءة في خطاب يدّعي الحياد بينما يُنتج الإقصاء. ولذلك فإن الذاكرة المضادّة لا تُنتج معنى نهائيًا، بل تظل مفتوحة، متشظية، قلقة، لأنها تدرك أن الاكتمال هو من سمات السرد السلطوي، لا من سمات السرد المقاوم. فهي ذاكرة لا تُغلق الجرح، بل تُبقيه مرئيًا بوصفه أثرًا دالًا، لأن طمس الجرح هو الوجه الآخر لإعادة إنتاج العنف. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن الذاكرة المضادّة لا تستعيد الماضي من أجل الماضي، بل تستحضره بوصفه سؤالًا موجّهًا إلى الحاضر، وكشفًا لاستمرارية آليات التهميش في صور جديدة ، إنها ذاكرة تعي أن المحو لا يحدث مرة واحدة، بل يُعاد إنتاجه عبر اللغة والمؤسسات والتمثيلات، ولذلك فإن مقاومتها لا تكون بإعلان امتلاك الحقيقة، بل بزعزعة ادعاء الحقيقة ذاته ، من هنا تتخذ الذاكرة المضادّة طابعًا تفكيكيًا، إذ لا تضع نفسها في موقع سردية بديلة مكتملة، بل في موقع مساءلة دائمة للسرديات، بما فيها سرديتها الخاصة، خشية أن تتحول هي الأخرى إلى خطاب إقصائي جديد ، وبهذا المعنى، تغدو الذاكرة المضادّة ممارسة أخلاقية قبل أن تكون تقنية سردية، لأنها تنحاز إلى الهشاشة، وإلى ما لا يمكن تمثيله تمثيلًا كاملًا، وإلى الأصوات التي لا تطلب الخلاص بقدر ما تطلب الاعتراف بجرحها بوصفه جزءًا من التاريخ لا هامشه ، إن قوة الذاكرة المضادّة لا تكمن في قدرتها على استعادة ما فُقد، بل في قدرتها على منع اكتمال المحو، وعلى إبقاء السؤال مفتوحًا في وجه كل محاولة لتحويل العنف إلى سردية منتهية ، هكذا تتحول الذاكرة من مجرد أداة استرجاع إلى فضاء للصراع الرمزي، ويغدو الاستذكار نفسه شكلًا من أشكال المقاومة، لا لأنه يغيّر الماضي، بل لأنه يمنع السلطة من امتلاك معناه النهائي ،
وسأتعامل مع رواية ( وشم الطائر) للروائية والشاعرة المغتربة دنيا ميخائيل / دار الرافدين / بغداد – بيروت ط1 2020 ، بوصفها نصًا سرديًا يشتغل على الذاكرة المضادة لا بوصفها استرجاعًا بكائيًا للماضي، بل باعتبارها مقاومة سردية مباشرة لآليات المحو، والتشييء، وتحويل الإنسان إلى رقم وسلعة. الرواية لا تكتب “ما حدث” فقط، بل تكتب ضد الطريقة التي يُراد للحدث أن يُنسى بها ، وهذا ما يجعلها نصًا ملائمًا إجرائيًا لمفهوم الذاكرة المضادة، كما تجسده دنيا ميخائيل في روايتها عبر شخصيات محددة، وأحداث دقيقة، وفضاءات مشخّصة بصرامة ،
فالشخصية المركزية( هيلين) لا تدخل النص بوصفها ضحية مجردة، بل كذات حاملة لذاكرة سابقة على الأسر، ذاكرة الحياة اليومية، المدرسة، الأخ آزاد، الأم، البيت، الطفولة، والمدينة. منذ المشهد الافتتاحي في “رقم 27”، يتحقق أول فعل للذاكرة المضادة: رفض الاختزال الرقمي ، حين تُنادى هيلين برقمها، لا تتماهى معه، بل تستعيد فورًا اسمها وعلاقاتها، خصوصًا علاقتها بـ( أمينة )صديقة الطفولة، في لحظة تعارف صامت وسط قاعة البيع ، هنا تعمل الذاكرة المضادة بوصفها فعل تعرف متبادل في فضاء يسعى إلى محو الهوية وتحويل النساء إلى “كواكب بلا أسماء، فقط أرقام” ، ويمثل
فضاء المدرسة/السوق أحد أهم بؤر الذاكرة المضادة في الرواية ، فالمدرسة التي كانت موقعًا للتنشئة والطفولة تتحول إلى سوق لبيع الأسيرات ، هذا الانقلاب المكاني لا يُسرد بوصفه مفارقة بلاغية، بل بوصفه جريمة ذاكرة ، فالمكان نفسه يحمل أثرين متناقضين ، هيلين تستعيد مكتب المديرة “ست إلهام” وعقابها للطلاب، لتقارن بين سلطة تربوية قاسية لكنها بشرية، وسلطة تنظيمية تمارس البيع والاغتصاب باسم “الدولة”. المقارنة هنا ليست حنينًا، بل تفكيكًا سرديًا لادعاء النظام الجديد بأنه “دولة”، عبر فضحه بوصفه قطيعة همجية مع أي ذاكرة مؤسسية سابقة ،
وفي علاقة هيلين بالأسيرات الأخريات تتجسد الذاكرة المضادة بوصفها ذاكرة جماعية صامتة ، إذ أن الصمت الذي يجمع النساء بعد الاغتصاب، تبادل النظرات، البصاق الجماعي في وجوه المغتصبين، كلها أفعال ذاكرية مضادة لا تُحفظ في الأرشيف الرسمي، لكنها تُحفظ في الجسد. مشهد “حملة البصاق” لا يُقدَّم بوصفه انتصارًا، بل بوصفه لحظة كسر رمزي لاحتكار القوة، لحظة تقول فيها الأجساد المقهورة “نحن نرى، ونتذكر، ونحتقر”.
شخصية ليلى (الطفلة ذات العشر سنوات) تمثل ذروة الذاكرة المضادة بوصفها فضحًا أخلاقيًا ، وليلى لا تمتلك اللغة، لا تعرف من العربية سوى كلمة “تفتيش”، لكن جسدها يتحول إلى سجل جريمة ، انتحار ريحانة، ثم انهيار ليلى النفسي بعد ذلك، يكشف كيف يعمل التنظيم على قتل الذاكرة المستقبلية، لا الماضي فقط ، أن موت ريحانة لا يُسرد كحادثة فردية، بل ككسر في شبكة الحماية الرمزية التي صنعتها النساء فيما بينهن ، هنا تتحول الذاكرة المضادة إلى حداد سردي يرفض تطبيع الموت. اما شخصية عياّش فإنها لا تُقدَّم بوصفها شيطانًا أحادي البعد، بل بوصفها نموذجًا إشكاليًا للجلاد المؤدلج ، و حديثه عن “الدولة”، الضرائب، النظام، والجهاد، يقابله سلوكه اليومي: الضرب، الاغتصاب، تحطيم الرجل في الشارع، قمع صاحب المحل ، هذا التناقض هو مادة الذاكرة المضادة ، فالرواية لا تكتفي بإدانة الفعل، بل تفكك لغة التبرير التي تُنتج العنف ، عندما يطلب عياش من هيلين أن تحكي قصة وشم الطائر، تتحول الذاكرة الشخصية إلى ساحة مواجهة: الوشم ليس زينة، بل أثر حب، وطفولة، وحرية جسدية سابقة على السبي ، كما ان طلبه سماع القصة يكشف شقًّا هشًا في أيديولوجيته، لكن الرواية لا تمنحه خلاصًا، بل تتركه عالقًا في تناقضه ، إن الاسترجاعات الطويلة لطفولة هيلين، الأب، الأم، الأخ آزاد، شجرة الرمان، السينما، ليست استطرادات وجدانية، بل بنية مضادة لزمن الأسر ، فالماضي هنا لا يُستعاد ليعوض الحاضر، بل ليمنع اكتمال سيطرة الحاضر عليه ، إذ أن الذاكرة المضادة في وشم الطائر ليست ذاكرة بطولية، ولا مشروع شفاء، بل فعل بقاء: أن تتذكر يعني ألا تتحول بالكامل إلى “بضاعة”. بهذا المعنى، تنجح دنيا ميخائيل في تقديم رواية لا “توثق” الجريمة فقط، بل تقاوم محوها سرديًا ، كما ان الذاكرة المضادة في وشم الطائر هي كتابة ضد الرقم، ضد السوق، ضد اللغة الجاهزة، وضد النسيان المريح ، إنها ذاكرة تُكتب من داخل الجرح، لا بعد اندماله، وهذا ما يمنح الرواية قوتها الأخلاقية والسردية معاً
د. سمیر الخلیل
سعاد المرنيصي
التعليقات